مقالات المسلمون فى زمن القصعه

Sunday, May 29, 2005

أيها المسلمون: أوشك خروجكم من التاريخ بعد أن أظلكم زمن القصعة


نعم أظلنا زمن القصعة , زمن المذلة , زمن هوان المسلمين واسترقاقهم , وهل في الاسترقاق مثل ما في سلب الأرض وانتهاك العرض ؟ هل هذه الأمة جادة في البحث لها عن دور فاعل يخرج بها من صفوف دول العالم الثالث المتخلف المفعول به دائماً، أم أنها اكتفت بهذا الانكماش والانبطاح طوال هذه القرون. فليس يعد حكيماً من لم يكن لنفسه خصيماً وحسيباً ، لذا آن أوان النظر في أحوالنا كي نعرف أين نحن من السبيل إلى استرداد الاعتبار بعد أن صرنا إلى ما نكره. تُرى هل لم يبق لنا من أمل إلا في زمن آخر وعلى يد جيل آخر؟ ولا يحق لنا أن نندهش ونتساءل عن سبب هوان المسلمين ومذلتهم، فذلك أمر حتمي يتيسر فهمه في ضوء السنن والنواميس. فأعداؤنا عملوا واجتهدوا ونحن تكاسلنا وتقاعسنا. هم صنعوا أسلحتهم التي يقهروننا بها، ولم نقو على صنع شئ – أي شئ – لا الطائرة ولا السيارة ولا المدفع. هم يحسنون استثمار أموالهم، ونحن نودع أموالنا في بنوكهم، فيستثمرونها في تنمية اقتصادهم وتعظيم قوتهم، ويصادرونها إن عصينا أوامرهم . حكمهم ديموقراطي ولا يقوى حاكمهم على نهب أموال العباد ولا يعلو على القانون، هم يرصدون للبحث العلمي أموالاً طائلة، فغزوا الفضاء وصنعوا الصواريخ والأسلحة الفتاكة والأقمار الاصطناعية، ونحن بأموالنا الطائلة لا نمارس أي أنشطة بحثية جادة. وكأن البحث العلمي عبث والعلم نفسه ترف، فمازلنا نبحث في السماء عن هلال شهر رمضان بالأعين المجردة مثلما كان يفعل البدوي في البادية منذ 1400 سنة، ولا نثق في الحساب والعلم لتحديد أوائل الشهور القمرية، في حين أنهم صعدوا إلى القمر، وحددوا لسفينة الفضاء موضع هبوطها بدقة، فهبطت به ولم تتجاوزه.ومنا من يتعجب من القول بكروية الأرض .
وفى العالم الأول كما يسمونه، يعملون أكثر من 8 ساعات يومياً، ومتوسط زمن عمل الموظف في بلادنا أقل من 70 دقيقة يومياً. هم يرسمون إستراتيجياتهم ويقومون على تنفيذها بأنفسهم، لا أن يتولى غيرهم ذلك نيابة عنهم، ونحن نستعين بهم فى وضع مناهجنا التعليمية والتربوية، وتدريب لاعبينا كيف يلعبون الكرة، ونستعين بهم حتى فى التخلص من قمامتنا، ثم نقول فى دهشة – وغباوة – ما سبب انقلاب الموازين؟ .هم يزرعون ما يأكلون حتى يزيد إنتاجهم فيرمونه فى البحر حفاظاً على سعره، ونحن نشترى منهم القمح إذ لم نقو بعد على زراعة كل ما نأكل، ناهيك من صنع ما نحتاجه من كل شئ وأى شئ بدءاً من الدراجة الهوائية وأدوات التجميل ولعب الأطفال، وانتهاءً بالطائرة والدبابة والسيارة والكمبيوتر. ثم نندهش ونتساءل: لماذا نحن المهزومون وهم المنتصرون ؟ المسلمون مليار ونصف المليار نسمة تقريباً ويتلقون الصفعات على الأقفاء (جمع قفا) من 6 مليون إسرائيلي، لقد تفقد الأسد المسلم العجوز قوته، فلم يجد بها فضلا، إذ أصبح بلا مخلب ولا ناب، وأغرى به حتى الحملان، وهان على الماعز والقردة، وأصبحنا غرضا يُرمى، ويُغار علينا ولا نُغير إذ تعدو الذئاب على من لا كلاب له.
ما سر هذا الهوان ؟ اسمع :
هم ديموقراطيون يحترمون القانون الذى يعلو ولا يعلى عليه فى بلدهم وإن أنكرنا ذلك
من باب العزة بالإثم. هم ينعمون بالحرية ونحن غير أحرار، إذ لا تكتمل الحرية بدون
إنتاج الزاد والزناد. الصهاينة لا يقاتلون بعضهم البعض ونحن نفعل، إذ نضرب رقاب
بعضنا البعض منذ 1400 سنة وحتى الآن. وإن حاربونا استعانوا ببعضنا على محاربة البعض الآخر، ثم ندفع لهم تكاليف هذه الحروب التى سُفكت فيها دماؤنا !! وما حرب الخليج
عنا ببعيدة . هم – أوروبا – توحدوا اقتصادياً وعسكرياً مع اختلاف الأعراق واللغات
والثقافات، ونحن لا نتفق إلا على دوام الخلاف مع توحد لغتنا وثقافتنا وتاريخنا
وديننا .إن أمة المسلمين الآن أشتات متباينة، فمنها الدول الشديدة الثراء والدول الفقيرة التى يموت أطفالها جوعاً، ودول كثيفة السكان ودول لديها أراض شاسعة لا يقوى أهلها على زراعتها. ولو كان هناك حد أدنى من التعاون والتنسيق بين هذه الدول "الإسلامية " ! لأمكن – مثلا – زراعة الأراضي في بلد ما بأموال بلد آخر بأيدى مزارعى بلد ثالث، ولكننا مختلفون، ومازلنا نردد كالببغاوات، وحبات المسابح بين أصابعنا، دون عقل يفهم أو قلب يخشع، نردد: "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان " .الصهاينة مشغولون بصنع الطائرات والصواريخ والقنابل الذرية، ونحن مشغولون بفضائيات العري والفيديو كليب، الصهاينة يصنعون الأقمار الاصطناعية , ونحن لم نحسن بعد صنع أرغفة الخبز .
نشجب انحياز أمريكا ونندد بمساعدتها إسرائيل، ولكن نشترى السيارات والمأكولات والمشروبات الأمريكية.نحن العرب ظاهرة صوتية آن لها أن تفيق من غفلتها أو تخرج تماماً من التاريخ وتصبح أثراً بعد عين. الأجيال القادمة ستلعن آباءها الأولين الذين غفلوا وفرطوا واستهانوا، فهانوا على أنفسهم وأعدائهم .لو انتصرنا وطاب عيشنا وهذا حالنا، لكان معنى ذلك هزيمة قيمة العلم والعمل والحق. فلا معنى لأن ينتصر الجاهل على العالم، أو الكسول على النشيط. وليس معقولاً أن يتفوق الغبى الذى لا يعرف أنه غبى، على الذكى الذى يعرف أنه ذكى، لقد فشلنا فى فهم منطق العصر ولم نستخدم أدواته. إنهم يألمون لسقوط هرة فى بئر، وتسارع الشرطة لإخراجها منه، ونحن لا نعرف من يقتل من فى الجزائر، فالألوف تُذبح فى الشوارع والمنازل والفاعل مجهول. صحيح أنهم يألمون لموت قططهم، ولكنهم يقصفون عشرات المنازل ويذبحون النساء والأطفال فى فلسطين، ذلك لأنهم يرون أننا أقل شأناً من حيواناتهم. إننا أمة لا تملك سوى بعض القدرة على الطفو فوق سطح الأحداث، وما ذلك لقوة ذاتية لديها، بل بفعل انتفاخ جسدها بغازات التحلل والبوار. ولابد من امتلاك شجاعة النظر إلى الذات وانتقادها، وتشخيص أدوائها، وجلدها إن اقتضى الأمر ذلك ، تلك الذات التى خسرناها منذ قرون طويلة ولم نظفر بعد بامتلاكها مرة أخرى، إذ استغرقنا فى أحلام مزيفة منعتنا من الاستيقاظ للانشغال بواقعنا البائس.
لقد أصبحنا نحن المسلمين رقيق العصر، وما الرقيق والاسترقاق ؟ إنه سيطرة شخص على
مقدرات شخص آخر: سيد ومولاه، أو طبقة على طبقة: نبلاء ومواطنون أو إقطاعيون
ومزارعون، أو سيطرة دولة على دولة، وذاك هو رق العصر الذى نضطلع فيه بدور العبيد
وسادتنا هم الغرب، الغرب القوى الذى تسلح بالعلم وارتاد المحيط وأحدث الانقلاب
الصناعى وصنع الأسلحة النارية والدبابات والطائرات . ومنذ أن تخلينا عن ديننا وهويتنا ونحن نمارس دور العبيد حتى وإن تمتعت الدول الإسلامية باستقلال صورى وكان لها علم رسمى ونشيد وطنى تصدح به الفرق الموسيقية، وإن كان لها جيوش وعسكر، فهم لتثبيت العروش وليس لمدافعة السيد الجديد فى علاقة الرق العصرية. ولقد ضللنا إذ وقعنا فى وهم أن أمجادنا التاريخية قابلة للتحقق مرة أخرى دون حاجة إلى رجال يجاهدون من أجل صنع هذه الأمجاد .
ألا ترون أن من العدل أن نكون نحن العبيد وهم السادة ؟ هم المنتصرون ونحن المنهزمون ؟ هم
الأعزة ونحن الأذلة ؟ إذ مددنا للذل أعناقنا، وهيأنا ظهورنا للركوب فامتطانا كل راكب. وسيبقى الحال على ماهو عليه حتى إشعار آخر . "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" صدق الله العظيم
ترى ما علة هذا الهوان، إن العلة – في رأينا - تتمثل فى عاملين أساسيين: أولهما هو الاستبداد, وثانيهما هو اعتقال العقل المسلم وتجميده واسترخاصه والحط من شأنه، ، وقد تم هذا الاعتقال على ثلاثة محاور، هى : التعليم، والتدين، والسلطة وللحديث الحزين بقية
نبيل هلال,

إضغط هتا للعوده للصحه الرئيسيه
إضغط هنا للأتصال بنا

Tuesday, May 24, 2005

عمدة القرية له حق الليلة الأولى وفض بكارة أي عروس قبل زوجها


كانت العلاقة بين الحاكم والمحكوم طوال تاريخنا، أو معظمه، هي علاقة السيف بعنق المحكوم عليه بالقتل، أو علاقة السوط بظهر المذنب، وفى أقل درجاتها، علاقة الكف بقفا المطلوب إذلاله. "ففي مصر العثمانية كان الإعدام بالخازوق طريقة شائعة، وكانت النساء المتهمات بالسلوك الشائن، يُربطن في ذيل الحصان ويتم جرّهن في الشوارع، ... ، وكانت هناك طريقة شنيعة للإعدام، وهى تقشير جلد المذنب وهو على قيد الحياة، ثم ملء جلده بالقش، ثم يوضع فوق ظهر حصان" .
وصدق المثل القائل : إذا كان رب البيت بالدف ضارباً فشيمة أهل البيت كلهم الرقص، إذ يبطش مولانا ولى النعم، فيصبح البطش سمة عامة يتسم بها كل ذي سلطان -أيا كان. فالقادر يبطش بمن هو أقل منه قدرة.
السلطان يبطش بمماليكه، ومماليكه يبطشون بالناس ويغالون فى جباية الضرائب وفرض الإتاوات ويشتدون فى تحصيلها من الفلاحين المعدمين، بل كانوا يأخذون أبناء من يتأخر فى السداد كرهائن.
وحتى البدو ينهبون محاصيل الفلاح المسكين، "فإذا مر الواحد من البدو على فلاح يحرث أرضاً يسأله عن صنف الزراعة الذى أراده، فمتى عرف ذلك قال : أنا شريكك، وتركه ومضى، حتى إذا جاء وقت الحصاد حضر وقاسمه الغلة، ... ، وكانت البدوية من البدويات تمر بالرجل يسوق ساقيته فتنام له فى مدار الثور، فإذا لم يبادر الفلاح بمنعه من الحركة قبل أن يمس طرف ثيابها، هلك بسيوف قومها وخرب منزله.
فكان يبادر بإيقاف البهيمة، ويسأل البدوية عما تريد، فتقترح عليه ما شاءت من بن وصابون وأقمشة، فلا تبرح مكانها حتى يحضر لها جميع ما طلبت" .
حتى العمدة فى القرية بما له من حظ متواضع من السلطة، كان يمارسه بنفس الطريقة، يسرق الفلاحين ويغتصب الفلاحات فى ما كان يُعرف فى أوروبا فى القرون الوسطى بحق الليلة الأولى، إذ كان النبيل يضاجع كل عروس فى ليلتها الأولى.
ذلك كان يحدث عندنا قبل مئة سنة أو نحو ذلك، "فالعُمد كانوا يعملون كأعمال البدو، يستعبدون من تحت أيديهم من أهل بلادهم، ويسخرونهم فى أشغالهم الخاصة بهم بأدنى القوت وأردئه.
لا ينال الواحد منهم ثوباً يستر بدنه إلا بعد أن يعرى مدة هو وامرأته وعياله، ...، وكان الرجل إذا أراد أن يزوج ابنه أو ابنته فجميع المهر يأخذه العمدة وبصحبته رأسان أو أكثر من الغنم أو البقر، والطامة الكبرى أن البنت تبيت أول ليلة فى صورة العروس عند العمدة، يتمتع بها ويفترعها، ثم تزف ثاني ليلة لصاحبها، ووقع بسبب ذلك قتل كثير" . ذلك كان يحدث فى بلاد انعدمت فيها ثقافة المقاومة بفعل اعتقال عقلها .
نبيل هلال
المراجع:
1- ميكل ونتر – المجتمع المصري تحت الحكم العثماني
2- الشيخ حسين المرصفى – رسالة الكلم الثمان – تحقيق
الدكتور محمد حافظ دياب

إضغط هتا للعوده للصحه الرئيسيه
إضغط هنا للأتصال بنا

Tuesday, May 17, 2005

لا للتقريب بين السنة والشيعة , ونعم لتقريب السنة والشيعة

. يرى البعض تجنب محاولات تقريب السنة والشيعة, ومحاذرة تسليط الضوء على أوجه الخلاف بينهما , وذلك اتقاء للفتنة والمهارشة بينهما ,ومخافة خلط الحق بالباطل.
والمقصود بمساعي تقريب أهل السنة والشيعة , هو رأب الصدع بين هاتين الطائفتين وليس مجرد إزالة الجفوة بينهما , ولا يكون هذا الاقتراب من مذهب إلى آخر, وإنما اقتراب كل منهما (سنة وشيعة ) إلى دين الله الحق المسطور في قرآنه الكريم المنزه عن التحريف, والاهتداء بسنة الحبيب المصطفى الذي يقع في خير موضع من قلب كل مسلم .
وعلى الطرفين –سنة وشيعة-أن يُقرّا ابتداءً أن الشيء لا يكون حقا باعتقاد من اعتقد أنه حق, كما أنه لا يبطُل باعتقاد من اعتقد أنه باطل , وإنما يكون الشيء حقا بكونه صحيحا ثابتا سواء اُعتقد أنه حق أو اعتقد أنه باطل .
وأمامنا الميزان الحق الذي تُرجع إليه الأمور وتُصحح به الأقيسة والمعايير, إنه القرآن الكريم الذي تعهد الله نفسُه بحفظه من التحريف , والسنة المطهرة.
قال عز وجل: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا.
الآية وويل لمن يدلهم القرآن على الحق فيخالفونه إلى الباطل , فيكونوا؟ كالراعي الأحمق الذي يتحول بماشيته بعيدا عن الكلأ والماء إلى المعاطش والمجادب .
وعن عائشة رضى الله عنها قالت :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد. وليس المقصود بتقريب السنة والشيعة هو الوقوف في نقطة وسط بينهما أو المزج بين أفكارهما , فهذا يعني , من جهة , تنازل صاحب الحق عن بعض حقه , ومن جهة أخرى ,إقرار صاحب الباطل على بعض باطله , وذلك يكون من باب الوقوع على الباطل في حين أن المقصود هو طلب الحق.
والهدف الأسمى لجهود التقريب هو تصويب ما ألحقه أعداء الإسلام بالدين من تحريف , وتفنيد ما دسوه فيه من تخريف , والقضاء المبرم على الخصومة التاريخية بين السنة والشيعة بسبب الصدام العقيدي البيّن , تلك الخصومة التي حالت وتحول ,ضمن عوامل أخرى, دون وحدة البلاد الإسلامية وجرّت علي المسلمين النكبات والمصائب وأضرمت نيران الحروب بينهم ,وصدت أمم الأرض عن اعتناق الإسلام إذ لم تر فيه إلا دينا شابته الخرافات والأباطيل وانقسم أتباعه شيعا وأحزابا يضرب بعضها أعناق بعض ويكفر بعضها البعض الآخر .
ولذا يجب الاتفاق-إن صحت العزائم- على نقطة بداية للحوار البنّاء يُتفق فيه على الأصول والثوابت والمصالح المشتركة في مواجهة المخاطر التي تتهدد الأمة والتي يتعين على الجميع ,سنة وشيعة, التنبه إليها.ويجب فك الحصار المضروب على عقولنا بفعل الأفكار السائدة الموروثة التي تسللت إلى عقولنا فشلت فعاليتها فسلمنا بها دونما تمحيص
.ولنا في الحبيب المصطفى أسوة عند محاورة المخالفين لنا في الملة ,فقد علّمه ربنا تعالى أن يقول للمشركين : "لكم دينكم ولي دين", فسمى عقيدتهم الباطلة "دين", وتجنب رميهم بالسفه حتى لا تأخذهم العزة بالإثم,الأمر الذي يمضي بهم إلى التمسك بما هم عليه من باب المكابرة, فليس على ظهر الأرض إنسان إلا وهو معجب بعقله لا يسره أن له ما لغيره .
لذا يجب ممارسة الحوار الهادئ العقلاني بين المعتدلين من علماء الطائفتين على أن يتم مراجعة ما فى كتب الطائفتين على؟ القرآن والسنة ونبذ ما يتعارض معهما وإقرار ما يوافقهما .
والهدف الرئيسي لمساعي تقريب السنة والشيعة هو فتح الطريق أمام عموم الناس والبسطاء من الشيعة كي يعودوا الى الله كما عاد أسلافهم الأوائل فى مصر وشمال أفريقيا بعد سقوط الدولة الفاطمية الشيعية والتي دامت ما يزيد على القرنين من الزمان
والأمر المؤكد أن الأغاليط والأباطيل التي تشكل عماد عقائد الشيعة والصوفية ,هي باطل لا يعلم حقيقته عموم الناس من البسطاء.ومن يعلم حقائق هذا الباطل هم الزعماء الدينيون ممن يرتزقون بهذا الباطل ويكتسبون من تحريف الدين ,ويسيّرون الناس كالأنعام ويحتالون عليهم باسم الدين والملة ,وينهبونهم باسم الإسلام والعقيدة.
فغايتنا هي استنقاذ البسطاء الذين يجهلون دينهم الحنيف ,من براثن الدجالين المتاجرين بالدين , و تصفية الخلافات الدينية وتصحيح التناقضات العقائدية بين مختلف طوائف المسلمين,وضرورة نفى الخبث من التراث الديني والموروث الثقافي, فكل فرقة اعتادت الظنَّ باحتكارها الحقيقة والحق ,وأن الآخر على باطل وضلال .
يقول رسول الله :انصر أخاك ظالما أو مظلوما , قيل يا رسول الله نصرته مظلوما فكيف أنصره ظالما ؟ فقال تكفه عن الظلم فذلك نصرك إياه
.ويجب أن لا نسمح لأعدائنا باستثمار الصدع بين السنة والشيعة,حتى وإن كان الشق فاصلا بين الحق والباطل,ويجب الحيلولة دون زيادة الفجوة اتساعاً,وعلينا رأب الصدع الذي يقسم الأمة إلى حق وباطل .
ومن غايات الدعوة إلى التقريب قطع الطريق على أعدائنا لإفشال خططهم الرامية إلى ذبحنا بسيوفنا, والحذر الحذر,كل الحذر من الوقوع فرائس سهلة في الفخاخ التي ينصبها لنا أعداؤنا فننقلب على بعضنا البعض نزهق الأرواح ونسفك الدماء , وهو أمر نجيده نحن المسلمين ومن لا يصدق عليه بقراءة التاريخ.
وما نقول به من مصالحة بين السنة والشيعة,إنما هي دعوة إلى الهدى كالتي كانت بين النبي, صلى الله عليه وسلم, وقريش في فجر الدعوة الإسلامية,إذ عرض عليهم الحق وألح في العرض,فاستجاب له الأسوياء والعقلاء دون السفهاء ومن قضت مصالحهم بالبقاء على شركهم.
وينبغي على المسلم الغيور على دين الله أن يقوم بتبصرة عامة البسطاء ممن لا يد لهم في إحداث التحريف أو اصطناع الباطل , فذلك من صنع كبرائهم وفقهائهم المستفيدين من النفوذ الديني والمكاسب المادية وإنما العامة مجرد مقلدين وتوابع وأدوات يسخرها زعماؤهم للوصول الى السلطة وبيت المال.
نبيل هلال
هذا هو المقال الأول من سلسلة مقالات عن التقريب بين السنة والشيعة

إضغط هتا للعوده للصحه الرئيسيه
إضغط هنا للأتصال بنا

اللي اتلسع من الشوربة ينفخ في الزبادي"-مثل شعبي مصري"

في محاولة لتبرئة ساحة الصوفيين ونفي مغايرة ظاهرهم لباطنهم، يجادلك من يقول محذراً بأن لا تنخدع بأعمال الناس وحدها فتحكم عليهم بمقتضى ظاهر عملهم؟ فالنيات لا يعلمها إلا الله، هكذا يداورون .
نعم النيات يعلمها الله تعالى. ولكن لا يمكن تجاهل أن اقتراف الذنب يدين مرتكبه، وأن المذنب يستحق الإدانة مهما قيل إن النيات هى المحك.

أىُّ نيات تلك وقد سبق من المذنب الفعل والإثم ؟ ولا يمكن إغفال أن الصوفي مزيف الدين مذنب يلعنه الله ويتوعده بالعذاب مهما قيل إن الأمر ليس لك فنية الصوفي لا يعلمها الا الله، هذا سخف.
صحيح أن النيات هى المحك إن لم يكن هنالك فعل وسلوك يدل ويشهد، فإن أاقترف المرء ما يؤاخذ عليه، وجبت إدانته ولا يصح القول بغير ذلك إذ إن النية والسريرة لا يعلمهما سوى الله .والإيمان صنو العمل، فالعمل – أى السلوك – هو الذى يكشف درجة ما عليه المرء من الإيمان، وذكر فى القرآن الكريم الإيمان مقترناً بالعمل في 62 موضعاً.
لذا لا يصح على أى نحو من الأنحاء أن نفصم بين سلوك الإنسان وإيمانه فالعلاقة بينهما عضوية .
أى لا يجوز أن نصف بالإسلام المتصوفة الذين لا يصلون ولا يصومون وانفلتوا من تكاليف الدين بدعوى أنهم متصلون بالله والسماء، أو أنهم اتحدوا فى الذات الإلهية، فهذا فحش عقلى ومحض هراء وكفر، فتلك التكاليف لم تُرفع عن النبى الكريم ذاته . تقول فرقة التاركية، من فرق المرجئة، (ليس لله عز وجل على خلقه فريضة سوى الإيمان به، فمن آمن به وعرفه، فليفعل ما شاء، وتقول فرقة الراجية، وهى أيضاً من فرق المرجئة: (لا نسمى الطائع طائعاًُ ولا العاصى عاصياً لأنا لا ندرى ماله عند الله" .
يقول جولد تسيهر: "والأذكار الصوفية لاتزال حتى اليوم هى الهيكل الأساسي فى بناء الصوفية، ويرفعون من شأنها إلى أن تصل إلي مرتبة الفرائض الحتمية التى قد تتضاءل دونها الفرائض.
وتصبح الفرائض بالنسبة لها واجباً ثانوياً سيان أداؤه أوإغفاله" .
ولدينا نحن المصريين فائض كبير ومخزون رائع من القداسات ومشاعر التقديس حتى أننا نضفيها على أى شئ وكل شئ، وإن كانت الحيوانات التى قدسها أجدادنا فى مصر الفرعونية، فقد قدسوا البقر والقطط والكلاب بل حتى الخنافس، وذلك انطلاقاً من تقديس وتأليه الفرعون نفسه.
وتعدى ذلك فى زماننا إلى تقديس الهُبَّل والمجاذيب ظناً أنهم من أولياء الله ومستجابو الدعوة. ويبدو أن سرعة وسهولة المبادرة بإضفاء القدسية على الآخر، إنما هى آلية من آليات مدافعة سوء ظن الآخر بنا، واتقاء شره، وإبداء المسالمة. تلك النفسية التى اعتادت المهادنة من "أول نظرة "والاعتراف من أول صفعة "، وذلك من باب الدفاع عن النفس العاجزة عن المواجهة، أو الدخول فى صراع من أجل انتزاع الحقوق المسلوبة، كما أنها آلية لإثبات الدونية وقبول المذلة من باب اتقاء المزيد من القهر.
وتتفاوت درجة القداسة المضفاة على الآخر الذى قد يكون شريراً قوياً ناهباً، فهى في أوضح صورها عبادة الفرعون، ثم تتدرج مع كُهانه وجباة الضرائب، وتصبح في العصور المملوكية هى الخوف من المماليك الذين كانوا فى نفس الوقت جباة الضرائب وفارضيها، وكذلك البدو أصحاب الخيل والسيف ممن شاركوا أيضاً فى نهب الفلاحين وسرقتهم. اسمع إلى تراثنا الشعبى إذ تقول أمثاله: (اللى اتلسع من الشوربة، ينفخ فى الزبادى)، فهي دعوة إلى توخى اتقاء الشر مما لا يجب أن يُتَّقى منه الشر، وإنما من باب الحيطة على ضوء تجارب سابقة ثبت منها انعدام القدرة على المواجهة.
لذا لم يكن غريباً أن يتقبل المسلم تقديس أجناس وأعراق وسلالات وجماعات أخرى كالأشراف، والبكرية، والأولياء، ومشايخ الطرق الصوفية، وموتى الأضرحة الذين يلتمس منهم المغفلون الرحمة والشفاء والتوسعة فى الرزق .(ويرى "ميكل ونتر" أن الدولة العثمانية حاولت تشجيع تركيبات أو تكوينات أو عناصر محلية غير مملوكية لإحداث نوع من التوازن الداخلي مع المماليك.
لهذا فهو يرى أن نقابة الأشراف صناعة عثمانية، رغم وجود الفكرة على نحو ما منذ العصر العباسى) .
والناس مولعون بإضفاء القداسات على أنفسهم وأشيائهم، فمنهم من يزعم انتسابه إلى النبى صلى الله عليه وسلم، ويَّدعون أنهم من الأشراف ويلبسون العمائم الخضر تمييزاً لهم عن الآخرين.
ومن فاتهم الزعم بالانتساب إلى النبى صلى الله عليه وسلم، قالوا بانتسابهم إلى سيدنا أبى بكر الصديق رضى الله عنه، وسموا أنفسهم البكرية، وكان نقيبهم يُسمَّى شيخ السجادة.
وانظر ما هى شواغل هؤلاء البكرية، هل هى شواغل تتعلق بالجهاد في سبيل الله والدين ؟ كلا ، بل هى (إدارة شؤون الأوقاف والإشراف على بعض المزارات المقدسة والأضرحة، والحصول على المنح الحكومية ومعاشات التقاعد والرواتب" ، أى أنها مسألة منفعة وارتزاق باسم الدين.
وحسبك أن تفتش عن الدينار حتى تنكشف لك بواعث الغايات. ومسألة زعم الانتساب إلى أصول شريفة مسألة تثير الدهشة، كيف يمكن تحرى وتتبع الأنساب من القرن الحادى والعشرين إلى السادس الميلادى، حتى يمكن الجزم والاستيثاق بأن هذا "بكرى" أو هذا من سلالة النبى صلى الله عليه وسلم، في أوقات لم يكن من الميسور، بل من المستحيل، إثبات تواصل سلسلة الأنساب إلى الأصول.
فمن منا يمكنه الآن استخراج شهادة ميلاد جده أو جد جده ممن لا يبعد أكثر من أربعة أو خمسة أجيال؟.
"وكان اصطلاح شيخ السجادة ينطبق على قادة العنانية والخضرية والوفائية الذين يرجعون أنفسهم إلى عمر بن الخطاب والزبير بن العوام وعلى بن أبى طالب على التوالى – رضى الله عنهم أجمعين. وهذه المجموعات من الأشراف – شأنهم شأن المنحدرين من سلالة أبى بكر رضى الله عنه، قد حولوا أنفسهم من جماعات أسرية عائلية إلى جمعيات صوفية" .
واشترك شيوخ "السجاجيد" فى تأسيس الطرق الصوفية والحصول سنوياً على جزء من إيرادات الأضرحة والمخصصات التى تدفعها الحكومة لها. وانظر إلى اللائحة الداخلية للطرق الصوفية إذ تقول : ( يقوم شيخ الخدمة بجمع النذور مع إبلاغ الموظفين الذين لهم الحق فى الحصول على نصيب من النذور ومنح كل ذى حق حقه فى نهاية كل شهر) .
من كتاب "اعتقال العقل المسلم ودوره في انحطاط المسلمين" بقلم نبيل هلال

إضغط هتا للعوده للصحه الرئيسيه
إضغط هنا للأتصال بنا

Sunday, May 15, 2005

البطــش


العقل والبطش ضدان لا يجتمعان كما لا يجتمع الماء والنار. فالعقل لا يزدهر ويتألق إلا في ظل الحريات. وإن كان من المعروف أن رأس المال جبان لا يستقر إلا حيث الأمان كما يقول الاقتصاديون ، فكذلك العقول المبدعة، لا يقر لها قرار إلا حيث الأمن والسلام . لذا فحيثما يحل البطش يغيب العقل .
فالترويع والترهيب يعطلان الملكات العقلية، فالبطش الذي مارسه الظلمة والطواغيت من أجل قمع شعوبهم وتسييرهم كالأنعام – وإن كان المقصود من ورائه امتلاك ناصية أمورهم طلبا للمكاسب السياسية والمالية – قد أضر بالعلم والعقل ضررا بالغا يصل إلى حد ما يمكن اعتباره جناية عظمى على هذه الشعوب، أي أننا عندما نتحدث عن البطش فكأنما نتحدث عن استرهاب العقل وتعطيله، وإفساد البيئة الراعية للإبداع والمبدعين وهى ضرورية للتحريض على الإبداع . فالشخصية المبدعة لا توجد خارج الإطار الاجتماعي حيث تعيش وتبدع ، ومن يحقق الاكتشاف ليس هو من يملك الاستعداد فقط، وإنما من تحرضه بيئته على الإبداع.
"وكل ما يحيط بالفرد من أمور اجتماعية، وتأثير العمل والثقافة ، يمكن لها أن تسهل أو تحبط التفكير والأفعال الإبداعية، وأن ما نسميه إبداعا ليس سمة محددة للشخصية، بل هو شيء متغير ، فيزيد ويقل بتأثير الظروف وأوضاع الحياة التى تساعده على النمو والازدهار أو الذبول والموت" .
(إن العباقرة أقلية يسيرة ولا يتأتى ظهورهم إلا بالمحافظة على المناخ الذى يلائمهم، والعبقرية لا تزدهر إلا فى جو من الحرية، والعباقرة هم أقوى الناس شخصية ، وبالتالي أقل الناس احتمالا لتكييف أنفسهم وفقا للأوضاع المألوفة والأنظمة المعتادة .. فإذا هم استسلموا لإكراه المجتمع جبنا وفَرقَا، لم يستفد المجتمع من عبقريتهم شيئا مذكورا" ."ولقد أغلق ديكارت مكتبة على بحوثه الثورية في علم الضوء، بعد أن نكس جاليليو جاليلى رأسه أمام محكمة التفتيش وكان يخشى القتل، وهرب وأخفى عن الناس بحوثه في العلوم الرياضية وهو العالم الكبير. لقد عذبه إعلان الحرب على كوبرنيكوس وعلى جاليليو ، كما كان قتل برونو ذروة المؤامرة على العلم .
ويمكن تلخيص ذلك بعبارة واحدة نطق بها التاريخ هي الخوف من البطش!".
أما العقل المسلم فقد طاله البطش والاسترهاب ، بدءا من استرهابه بالسلطان ورجاله، والمماليك ، وترويعه، أى العقل، بشيخ الطريقة وانتهاء بإخافته من الهبل والمجاذيب المنتمين للطرق الصوفية . حالات مستمرة وحلقات متصلة من التخويف والاسترهاب انتهت بهذا العقل إلى الشلل والجمود فاستغنى عنه المسلمون وزهدوا فيه.

إضغط هتا للعوده للصحه الرئيسيه
إضغط هنا للأتصال بنا

هل كان إسلام الصحابة والتابعين صحيحا........بدون أن يتصوفوا؟؟


في العصر الذي تتحقق فيه الرفعة والمنعة بالعلم والتكنولوجيا والبحث العلمي والتعليم، يرى المتصوفة، وهم مؤثرون بأفكارهم فى قطاعات عريضة من المسلمين، يرون أن تحصيل العلوم يكون بانقطاع المرء عن الدنيا تماماً، والاختلاء بالنفس في مكان قصي: زاوية أو خانقاه، ثم يؤدى فروض الصلاة فقط، ويصرف همه دون ذلك حتى أنه لا يقرأ القرآن، ويعطل عقله حتى عن التأمل والتفكر، وعليه فقط ترديد لفظ الجلاله : الله .. الله .. الله – على طريقة دراويش حلقات الذكر، وبعد ذلك تنفك له فجأة مغاليق المعارف والعلوم.
أليس ذلك مما لا نزال نراه فى حلقات الذكر والموالد ؟ وذلك في عصر الكمبيوتر والإنترنت وغزو الفضاء. ففى كتابه إحياء علوم الدين، يرى أبو حامد الغزالى أن تحصيل العلوم يكون " بأن يقطع الإنسان همه عن الأهل والمال والولد والعلم، ويخلو بنفسه في زاوية، ويقتصر على الفرائض والرواتب، ولا يقرن همه بقراءة القرآن، ولا بالتأمل في نفسه، ولا يكتب حديثاً ولا غيره، ولا يزال يقول: الله .. الله .. الله، إلى أن ينتهى إلي حال يترك تحريك اللسان ثم يمحى عن القلب صورة اللفظ "
.
وكيف تكون رياضة النفس حسبما يرى المتصوفة، تكون بالخلوة في مكان مظلم، وإن تعذر الظلام والوحشة، يخفى المرء رأسه في ثيابه وينتظر حتى يسمع نداء الحق ويشهد حضرة الربوبية !!، (قال أبو حامد الغزالى في كتابه الإحياء: ومقصود رياضة النفس هو تفريغ القلب وليس ذلك إلا بخلوة في مكان مظلم، فإن لم يكن مظلم فيلقى المرء رأسه في جبته أو يتدثر بكساء أو إزار.
ففى مثل هذه الحالة يسمع نداء الحق ويشاهد جلال حضرة الربوبية.
وانظر إلى هذه الترتيبات والعجب كيف تصدر من فقيه عالم، ومن أين له أن الذى يسمعه نداء الحق وأن الذى يشاهده جلال الربوبية، وما يؤمنه أن يكون ما يجده من الوساوس والخيالات الفاسدة". وفى حين أن العقل هو حجة الله تعالى على خلقه، يذكر الغزالى في كتابه الإحياء حديثاً موضوعاً مؤداه أن (أكثر أهل الجنة من البٌله)، أي أن إغفال العقل هو الطريق إلى الجنة، وأن السلامة والهدى فى البلاهة، والصلاح في احتجاب العقل. وتأثرت العوام، فى ظل الأمية والجهل، بالغلاة والجهلة مما جعل الانحرافات العقلية والدينية والسياسية هى المعتقدات الفاعلة فى زمانهم والآن وكل آن. فغالب العامة جهلة، ترى منهم من يترك الفريضة ويزيد في النافلة.
ولما كان تقدم المجتمع رهن بما تقدمه الطبقة المتوسطة من كوادر متعلمة ومواهب إبداعية، فقد عجزت هذه الطبقة، طبقة عموم الناس، عن تقديم وإفراز مثل هذه الكوادر بعد أن غابت العقول قرونا وقرونا فى ظلام وجهالة كان غثاء التراث يعمل عمله خلالها، فتم تسفيه العقل، وتشويه الدين، واعتناق ملة الصوفية، وطمس قيم العمل والعلم والتعلم. فبينما كان الغزالى ينصح الناس بتغطية رؤسهم فى الجبة طلباً للحقيقة كان الفرنجة "الكفرة" يلتمسونها فى المختبرات، وفى حين طلب من الناس الجلوس فى خلوة فى مكان مظلم انتظاراً للوحى كان الآخرون فى أوروبا ينشئون الجامعات الحديثة ويدرسون العلوم العقلية التى يحتقرها الصوفية، وانتهى الأمر بنا وبهم إلي ما نحن عليه الآن : أسياد وعبيد ولكن فى شكل جديد . ويقول وليب هير: (إن التجربة الشخصية للغزالى هى التى دعته إلى الاعتقاد بأن المذهب الصوفي فى الدين الإسلامي هو الوسيلة المجدية لمعرفة الحقيقة الإلهية رغم أن ذلك لم يمكن المؤمن من معرفة أي شئ عن الله أو الحقيقة الإلهية يزيد على ما هو متواجد بالفعل في القرآن الكريم، وهو بذلك حاول أن يضع التجربة الصوفية في داخل نطاق الشريعة الإسلامية"
.وماذا قدم التصوف للإسلام، وهل اكتمل إسلام الصحابة والتابعين دون اعتناق التصوف؟ وهل تم دين السابقين دون كتب ابن عربى وكفريات أبى يزيد البسطامى وابن الفارض؟ .
وإذا حذفنا من كتب الصوفيين الخرافات والأباطيل التى يتنصل معاصروهم منها، لن يتبقى من كتبهم شئ، فكلها إفك وكفريات ما سئلوا عنها في أى عصر إلا قالوا إنها أكاذيب دسها عليهم آخرون
.إذن لماذا يقدسون هذه الكتب ويعيدون طباعتها كاملة غير منقوصة بما فى ذلك ما ادعوا أنها أكاذيب مدسوسة عليهم؟ وادعاء الدس ليس جديداً على الصوفية، فكثيراً ما يلجأون إليه لإغلاق باب المناقشة حول أى موضوع يرون أن الحق قد جانبهم فيه .وألَّف أبو حامد الغزالي كتاباً أسماه (المضنون به على غير أهله)، زعم فيه أن هناك أسراراً إسلامية جُعلت للخاصة دون العامة، وهذه الشرائع والأسرار مضنون بها على أمة الإسلام كافة، سوى الصوفيين، فهو يرى أن في الدين طبقية وتفاضل أقوام على أقوام، الأمر الذى أغرى الصوفيين بزعم اختصاصهم بالتوصل إلى حقائق أخرى، والحصول على العلم اللدنى بالكشف والإلقاء فى الروع ووحياً مباشرة من الله تعالى .
ولم يقل لنا الصوفيون ما هو هذا العلم اللدنى الذى حصلوا عليه بالكشف، وما هى الحقائق التى توصلوا إليها دون باقى خلق الله، ولماذا لم يسجلوا في كتبهم هذه الحقائق التى اختصهم بها الله مثلما سجلوا في كتبهم الأكاذيب والأضاليل؟ وإذا كان ما أتاهم الشيطان من كفريات ظنوا أنها من الدين وتتمة للملة والعقيدة، فكيف يستقيم ذلك مع كلام الله تعالى الذى قال فى محكم آياته: (اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتى، ورضيت لكم الإسلام دينا)، هكذا فى وضوح وحسم، فالدين قد اكتمل دون خزعبلات الصوفية وبدعهم، والدين بهذه الصورة هو مارضيه الله تعالى لعباده من دين، هكذا دون زيادة أو نقصان، وما زعموه إضافة إلى الدين إنما هو محض اختلاق وضلال، إذ لا يضاف إليه إلا باطل، فليس بعد الحق إلا الباطل، وليس بعد الهدى إلا الضلال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك). ويقول الإمام مالك: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم خان الرسالة، لأن الله يقول : اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا). صدق الله العظيم.
نبيل هلال

إضغط هتا للعوده للصحه الرئيسيه
إضغط هنا للأتصال بنا

لا يكتمل إيمان الرجل إلا إذا أوى إلى مزابل الكلاب



يصف ابن الجوزى أحوال المتصوفة في التكايا والخانقاوات فيقول : "وكان جمهور المتصوفة يستريحون فى الأربطة من كد المعاش متشاغلين بالأكل والشرب والغناء والرقص، يطلبون الدنيا من كل ظالم، وأكثر أربطتهم قد بناها الظلمة ووقفوا عليها الأموال الخبيثة .
ومال متأخروهم إلى الدنيا وجمع المال من أى وجه كان إيثاراً للراحة وحب الشهوات. فمنهم من يقدر على الكسب ولا يعمل، ويجلس فى الرباط أو المسجد ويعتمد على صدقات الناس .
وربما كان ذلك امتثالاً منهم لقول الشعرانى فى معاداة العمل والتوكل، إذ يقول : "لا يبلغ الرجل إلى منازل الصديقين حتى يترك زوجته كأنها أرملة، وأولاده كأنهم أيتام، ويأوى الى مزابل الكلاب"
. واعتاد الصوفيون جمع المال من الموسرين والأغنياء للاحتفال بموالدهم حتى ضاق بهم الناس ذرعاً وقالو: "لقد سئمت نفوسنا من كثرة سؤال هؤلاء المشايخ الذين يعملون الموالد، فلم يتركوا عندنا عسلاً ولا أرزاً ولا عدساً ولا بسلة، إيش قام على هؤلاء أن يشحذوا ويعملوا لهم موالد"
. وكان النساء والرجال والصبيان يجتمعون فى الموالد مرتكبين مختلف المنكرا ت
. وهذه الموالد فرص للمنافع التجارية والبيع والشراء، لذا حرص اتباع السيد البدوى على الاحتفال بثلاثة موالد له : المولد الكبير، والصغير، والرجبي، وفي المولد الاخير يتم تجديد العمامة، لذا يعرف بمولد لف العمامة !! .
وتٌحدد مواعيد هذه الموالد بالشهور القبطية ! إذ يتحدد بها مواسم الحصاد وجنى المحاصيل فيذهب الفلاحون البسطاء ومعهم نقودهم بعد بيع غلة الأرض، أى أن الهدف ليس دينياً. وأصبح التصوف فى نهاية العصر المملوكى أداة لكسب العيش
. ولما كانت ثورات الأمم تبدأ بالعقول وليس البطون كما يرى الكثيرون- فقد يجوع الناس ويسلبهم المماليك أقواتهم، ومع ذلك لا يثورون. ولكن إذا استناروا – أى الناس استردوا عقولهم التى يعرفون بها أنهم ليسوا من دواب السلطان، عندئذ يهبون ثائرين لكرامتهم وإنسانيتهم. لذا يحاذر المستبد من استنارة العقول، ويعمل جاهدا للحيلولة دون استرداد الناس لعقولهم. وجهوده المبذولة في هذا المسعى تفوق كثيراً جهوده المبذولة فى توقى ثورتهم من باب الجوع والفاقة. لذا يرى المستبد انتشار الصوفية خير معين له على تغييب عقول الناس التى يفسدها الجهل وتزييف الدين وقهر المستبد وأضاليل المتصوفة .ووقف المتصوفة في الجهة المقابلة للعقل، وحاولوا خوض معركة المعرفة بسلاح القلب وحده، فضلٌّوا وأضلوا.
وموطن الخطر في ظاهرة التصوف يتمثل فى استمرار فعاليتها وتأثيرها في المجتمع المسلم حتى الآن، إذ مازالت تؤثر في الطبقات الشعبية وجموع الأميين وهم كثر، كما تؤثر في قطاع لا يُستهان به من أشباه المتعلمين الذين يتحلقون فى حلقات الذكر، ويتمسحون فى الأضرحة، ويطلبون قضاء حوائجهم وشفاء مرضاهم، لا من الله تعالى، وإنما من قبور شيوخهم ومريديهم الذين ينسبون إليهم الكرامات والخوارق، ويختزن أتباع الصوفية المعاصرين في ضمائرهم كل أوزار التصوف، وعلى رأسها معاداة العقل ونبذ طلب العلم، والإيمان بالشيوخ والمريدين والأولياء، وطلب الشفاعة والبركة من الأضرحة والقبور .ويعادى الصوفيون العلم إذ اعتبروه علم الظاهر، وادعوا اختصاصهم بالعلم الحقيقى العلم الدينى الذى يأتيهم وحياً وكشفاً من الله مباشرة دون مشقة درس أو تعليم، الأمر الذى أغرى العامة واجتذب الجهلة للانخراط في جموع الصوفيين إذ يٌسقط عنهم فى ما بعد – التكاليف العبادية من صلاة وصوم وزكاة وحج، ويبيح لهم الزنى واللواط، ويدخلهم فى زمرة العلماء والفقهاء وإن كانوا أميين. فالصوفية آلية من آليات إلغاء العقل والإبعاد عن الدين، وجعل الناس مسلوبى العقل والإرادة وكأنهم قطعان ماشية، الأمر الذى كان يروق للسلاطين والمماليك، ويحرصون عليه لترويض المسلمين واستئناسهم
. ولا تقتصر خطورة بدع وخرافات المتصوفة على أنها مجرد انحرافات عقلية وإنما جل ضررها في ذيوعها وانتشارها حتى نخاع المجتمع وضميره وعقله، وتأثيرها فى أسلوب المعاملات الحياتية للناس وتشكيل سلوكياتهم بعيداً عن إسلامنا الحنيف بعد أن أصبحت الصوفية عقيدة جديدة تختلف تماماً عن عقيدة الإسلام.
وتحول الناس إلى مجرد قطعان غائبة عن حاضرها، يفعل بها كل مستبد ما يشاء وكأن الأمة هي العاهرة التى لا ترد يد لامس .
وساعدت الأمية والجهل بالدين وانعدام التعليم – تقريباً- بين الطبقات الشعبية التى تمثل السواد الأعظم من الأمة، ساعدت على ترسيخ أفكار الصوفية فى سلوكياتنا، فلم يفكر الناس خارج نطاق الدروشة والتسابيح وحلقات الذكر وأضرحة الأولياء وكرامات الشيوخ، بدءاً من الإعفاء من تكاليف الدين، وانتهاءً بإحياء الموتى، وانصرفوا عن الاهتمام بقضايا العقل والحرية والمساواة والعدالة والشورى ومناهضة الفقر والمرض والقهر . تقول فرقة "الحبية"، من فرق الجبرية، من شرب كأس محبة الله عز وجل سقطت عنه الأركان والقيام بها.
وتقول فرقة " الفكرية "، من الجبرية أيضاً، إن من ازداد علماً سقط عنه بقدر ذلك من العبادة" .وتم توارث هذه الأضاليل والأكاذيب بين العامة سنين عديدة حتى أصبحت تراثاً شعبياً، ثم تراثاً دينياً، ثم أصبحت هى الدين نفسه الذى يُكَفَّر من يعارضه أو ينتقده.
ولعمرى إن هذه الموروثات وأشباهها لتمثل رمد عين التدين الصحيح والتى آن لنا أن نلتمس لها الطب والمداواة .ذلك بعض الغث من التراث الذي يجب تمحيصه ورفضه، بعد أن خلعنا عليه قداسات مزيفة، وآن الأوان لانتهاك حرمة هذا الميراث المزيف المضلِّل الذى أصبح ديناً جديداً وعقيدة باطلة تختلف جذرياً عن إسلامنا الحنيف .
نبيل هلال
إضغط هتا للعوده للصحه الرئيسيه

إضغط هنا للأتصال بنا

Friday, May 13, 2005

الصوفي أحمد البدوي وطائرات الأباتشي


"كانت الروايات قد ذاعت بأن السيد أحمد البدوى قادر على إحضار الأسرى من بلاد الفرنجة بإشارة يسيرة منه وهو فوق السطح فى طنطا، حتى ليطير الأسير من عكا، وبعد ذلك يكون فى طنطا يرسف فى قيوده" الأمر الذى لا يستطيعه الكوماندوز الأمريكان ولو استعانوا بطائرات الأباتشي وأسلحة الليزر. لذا يردد أتباع البدوى في تراتيلهم : الله .. الله .. يابدوى جاب اليُسرى - أى الأسرى - وعلى النقيض من شجاعة البدوى وبراعته في اقتناص أسرى الفرنجة من على السطوح ، كان خليفته المعروف باسم "الأبيض" وهو الشيخ محمد سالم الدمشقى، كان جباناً، إذ حاول التهرب من الخروج مع السلطان الغورى فى حربه مع العثمانيين سنة 1516، لولا أن السلطان أرغمه على الخروج مع الجيش . وأخذ السلطان الغورى معه الصوفيين بطبولهم ومزاميرهم وأعلامهم، تبركاً وتيمناً بهم، إذ كان يظن أن دعاءهم مجاب ! وعندما اشتدت المعركة وحمى وطيسها قال لهم: "ادعوا لى الله بالنصر فهذا وقت دعائكم" ، وفعلا زعق الصوفيون ملء حناجرهم بالدعاء، وهُزِم السلطان الغورى هزيمة نكراء وأبيد عسكره وأصيب بالفالج ، بل لم يُعثر على جثته بعد أن ضاعت تحت سنابك الخيل ، إنها بركات الصوفية. وكان خليفة إبراهيم الدسوقى بصحبة خليفة أحمد البدوى فى المعركة حيث ماتا شر ميتة ، ولم يجد دعاؤهما نفعاً في مواجهة بنادق العثمانيين التى لم يكن يعرفها المصريون، وربما نسيا- أي الخليفتان المصروعان – أن يحضرا معهما فى المعركة قواهما الخارقة وإمكاناتهما السحرية. ويصف لنا هذه الواقعة شاهد عيان وهو ابن زنبل الرمال الذى قال في كتابه "آخرة المماليك" : "وكان مع الغورى خلفاء المشايخ، مثل خليفة سيدى أحمد البدوى، وسيدى عبد القادر الجيلانى، وسيدى إبراهيم الدسوقى وأمثالهم، فلما وقعت الكسرة، أى الهزيمة، على الغورى بقي المشايخ المذكورون بحلب فلما سمعوا بأن السلطان سليم قادم إلى حلب خافوا من سطوته، فأخذوا فى الذهاب نحو دمشق. ولما رآهم على بعد مع الرايات والأعلام – وهي من أدوات النصب التى لم تغن عنهم شيئاً – قال : ما هؤلاء ؟ قالوا له: هؤلاء خلفاء المشايخ كانوا جاءوا مع الغوري، فلما كُسر خرجوا يريدون الذهاب إلي مصر، فأمر بإحضارهم. فلما مثلوا بين يديه أمر بقطع رقابهم واحداً بعد واحد، ولم يرحم منهم كبيراً لكبره، ولا صغيراً لصغره، فقتلهم عن آخرهم، وكانوا يزيدون على ألف رجل" , ولم يستعن أي منهم بقدراته الخارقة من المشي على الماء أو الطيران فى الهواء لكي يفر قبل قطع رقبته . ولا يوجد عاقل واحد صحيح الإيمان يصدق الكرامات المزعومة لهؤلاء الأولياء والشيوخ، لكن العوام والدهماء يصدقون ويعتقدون اعتقاداً راسخاً فى هذه الخرافات التى تؤثر فى سلوكياتهم. ولم يقل لنا أحد لماذا لا تحدث هذه الكرامات فى أيامنا هذه وتتجلى أمام أعين المثقفين والمستنيرين من غير المسترهبين بأباطيل الصوفية، أم أنها كانت خاصة بالجهلة والمجاذيب فى القرون الخوالى ؟ وبعدما اكتشف الملاح البرتغالي "فاسكو دى جاما" الطريق البحرى بين الشرق والغرب عن طريق رأس الرجاء الصالح، تمكن البرتغاليون فى سنة 1498 من السيطرة على بحر الهند، ومنعوا العرب من الوصول إلى الهند بحراً، الأمر الذى قضى على تجارتهم، وأصاب اقتصادهم بالكساد، وعطل المد الإسلامي فى هذه المناطق، بل إن البرتغاليين كانوا ينهبون قوافل الحج المتوجهة من الهند إلى مكة "ولم يتنبه أحد إلى خطورة ما وقع على الساحل الجنوبى للهند – أي السيطرة على سواحل جنوب الهند وقطع الطريق على تجارة المسلمين- فقد كان الجميع، أي المسلمون وفقهاؤهم، يطوفون في عالمهم الروحانى !! حتى يتمكنوا من الوصول إلى اجتهادات فى أبحاث معقدة عن وحدة الوجود (فلسفة الصوفية)!، وكانوا يمضون أوقاتهم في حلقات الذكر يرقصون على أنغام المزامير ويترنحون على دقات الطبول . ولهذا ظلوا لا يدرون شيئاً عن هذه الواقعة التى حدثت لبلدهم، فقد طورت الأمم الغربية قواتها البحرية وسيطرت على سواحل البلاد وهم أمامها بلا حول أو قوة،.. وأول من شعر بأهمية القوة البحرية هو حيدر على (1722 - 1782) والد السلطان تيبو، فحاول إقامة مصنع للسفن الحربية فى جزيرة (مالديف)، إلا أن الوقت كان قد ولَّى، وسبق السيف العذل، فلم يحقق أي نجاح من مشروعه" . ولم يقل لنا أحد من الصوفيين أو المدافعين عنهم أنه مادامت الحقائق تنجلى والمستور ينكشف للصوفيين دون أجهزة علمية أو معامل أو علماء وبلا دراسة أو احتياج لمدارس أو جامعات، مادام الأمر كذلك، فلماذا لم يكتشف لنا أحدهم خلال الألف سنة الماضية قوانين نيوتن للحركة والجاذبية، أو قوانين بويل للغازات، أو قوانين كبلر الفلكية، أو الكهرباء، أو أشعة إكس ... بل لم يقل لنا أحد منهم ماذا كشفوه من الحقائق التى ادعوا كشفها بالكشف والتذوق منذ أن ابتلى بهم العقل المسلم فى القرن الثالث الهجرى وإلى الآن

إضغط هتا للعوده للصحه الرئيسيه
إضغط هنا للأتصال بنا

السلطان الغوري يقبّل يد المجذوب الصوفي ويلتمس منه البركة

يكمن موطن الخطر في اللبس الذى ترسخ فى عقول المسلمين إذ ظنوا أن التصوف هو الدين . وفاقم الأمر إعراض وتراخى رجال الدين عن خوض معركة هم رجالها لإظهار الحق لجهال العامة الذين يتحلقون حول كل زاعق ، ويؤمنون بكل فرية . ويسترهب الصوفيون الناس لصرفهم عن مناجذتهم وفضح أضاليلهم، فيشيعون أن من يميل عنهم، أو يميل عليهم، فإنه يصاب في نفسه أو ماله، لذا يرى ضعاف الإيمان والدهماء أن التسليم بما جاءوا به أسلم، وينصرفون عنهم إيثاراً للسلامة . ويرى الصوفي الشهير الشعراني " أن من أشرك بشيخه شيخاً آخر وقع فى الشرك بالله ". ويقول ابن عطاء الله السكندرى : "من أخذ الطريق على غير شيخه، كان على غير دين " .. تلك هى بعض مفتريات الصوفيين ومسامير نعوشهم، وخليق بنا، إذ فهمنا إفكهم، أن نكون المطارق التى تدق رءوس تلك المسامير، فلعمري إن دحض أباطيلهم لمن أرجى الأعمال . ويعمد أولو الأمر إلى التهرب من مواجهة ضلال الصوفيين خشية تأليب العامة الذين يدينون فى الواقع، لا بالإسلام الذى يكلفهم مشقة الطاعات، وإنما بالصوفية التى تبيح لهم كل المحظورات وتعفيهم من التكاليف العبادية، وتجتذب الجهلة إذ سيصبحون علماء دون تعليم أو بذل جهد في الدرس والتعلم. ولم يجرؤ أحد على التصدى حتى لمجاذيب الصوفية الذين حظوا بإجلال سلاطين المماليك، فكان السلطان الغورى يعتقد فى الصوفيين حتى أنه قبّل يد ابن عنان وهو صوفى مجذوب، وذلك على مرأى من الناس، ثم لقَّب نفسه بأبي الفقراء والمساكين حباً فى الصوفيين وتقربا منهم. وزار السلطان الأشرف قايتباى مقامىْ إبراهيم الدسوقى، والسيد البدوى، كما عيّن السلطان الظاهر بيبرس، إبراهيم الدسوقى شيخاً للإسلام، وبنى له زاوية فى دسوق . وفى سنة 1714م تسامع الناس بواعظ رومى فى مسجد السلطان المؤيد بالقاهرة، ومن جملة وعظه أن كرامات الأولياء تنقطع بالموت وما يذكر لهم من كرامات بعد موتهم باطل وما نقله الشعراني فى كتاب الطبقات الكبرى بأن الأولياء لهم اطلاع على اللوح المحفوظ فباطل لا أصل له، ومن يقول بذلك كافر. وحض الواعظ المسلمين على هدم القباب المبنية على قبور الموتى والتكايا وأضرحة الأولياء . وحًّرض على منع الأولياء الفقراء الذين يذكرون الجلالة فى رمضان عند باب زويلة بعد العشاء، أي حلقات الذكر التى يعملها المتصوفون . ولما سمعت العامة هذا القول خرجت بالنبابيت والسيوف على حلقات ذكر المتصوفين . وتوجه بعض الناس إلى الشيوخ المالكية والحنفية والشافعية، فأنكروا كلام الواعظ وقالوا إنه (معتزلى)، وأفتوا ببطلان فتاوى ومحاضرات الواعظ ووصل الأمر إلى ولاة الأمر فخشوا الفتنة والثورة، فطاردوا الواعظ وأتباعه بعساكرهم حتى انتهى الأمر . كان ذلك مبلغ إيمان "فقهاء" المسلمين وانقلاب الحق عندهم باطلاً. "ولم يحظ واعظنا الرومى المسكين بما حظى به الراهب الفرانسسكاني "أنطوان فريه" الذى منعه حاكم باريس من الوعظ لأنه ندد بشدة بسوء الحكم، إذ انبرت بعض النساء لحراسته ليلاً ونهاراً في دير (كورديلبيه) وقد تسلحن بالأحجار والهراوات لحمايته .
يقول "جولد تسيهر" (إن تقديس الأولياء في الإسلام، هيأ المجال للعقائد الشعبية لكى تؤثر على الشعائر الإسلامية، ففشت فيها العناصر الهندية، وتفاقم أثرها شيئاً فشيئاً حتى أنتجت ظواهر دينية فريدة تسترعى النظر، فتحولت الآلهة الهندية القديمة إلى مجموعة من الاولياء) .
"ومن عالم الصوفية ولدت فى هذا العصر فرقتان من فرق الضلال هما فرقتا القاديانية والبهائية. وادعى مؤسس القاديانية الذى ظهر فى الهند فى أواخر النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادى أنه رسول مجدد للدعوة إلى الإسلام، ثم انتقل إلى ادعاء أنه المسيح، وأن روح الله حلت به، وأخيراً، إدعى أنه هو الله نفسه" ، تعالى الله عما يصفون .ولما كانت الرؤى والأضاليل التى تنشرها الصوفية تهدف إلى تبلد الإدراك وتفريغ الدين من مضمونه وإبطال العقل، فقد رعى المستبدون المتصوفين ولا سيما فى العصرين المملوكى والعثمانى حيث اشتدت وطأة الفساد ومست الحاجة إليهم – المتصوفين – للتخفيف من الضغوط المطالبة بالتغيير الاجتماعى والسياسي. وبنوا الخانقاوات لإيواء المتصوفين للعبادة، وكان أول ظهورها فى إيران، وليس من قبيل الصدفة انتشار هذه الخانقاوات بعد القرن الرابع الهجرى بالذات وهو قرن بداية إغلاق باب الاجتهاد واضمحلال الأنشطة العقلية وإصابة العقل بالانكماش والتجمد. "وارتبطت وظيفة بعض الخانقاوات فى عصر المماليك ببعض المظاهر الدينية نحو إقامة خطبة الجمعة، ولذا أطلق عليها الجامع الخانقاه تمييزاً لها عن المسجد الجامع الذى اقتصرت وظيفته على إقامة الصلاة. وفى عصر المماليك البحرية كان لبعض الخانقاوات غرض مزدوج يجمع ما بين الطابع الدينى والتعليمى. وقد أٌطلق على هذا الضرب من الخانقاوات اسم المدرسة الخانقاه تمييزاً لها عن الخانقاه الموقوفة على الغرض التعليمى فحسب" . ولاحظ إسناد مهمة مخاطبة عقول العامة إلى أهل الخانقاوات من المتصوفة والدراويش ممن تكفلهم السلطة وتنفق عليهم، ثم لاحظ الوظيفة التعليمية المسندة إليهم، وعدم الاكتفاء بالدور الإعلامي. وتذكر أن رجال الدين ووعاظ المساجد الآن موظفون حكوميون لا يقدرون على مخالفة السلطة وإَّلا فقدوا وظائفهم .

إضغط هتا للعوده للصحه الرئيسيه
إضغط هنا للأتصال بنا

Monday, May 09, 2005

فقهاء السلطان يفتونه بأنه لا حساب على الخلفاء يوم القيامة

عنـدما نُكب العـالم العربى والإسلامى بالهجمـة الاستعمارية بعـد تقسـيم تركة الدولـة العثمانية، كانت القابليـة للاسـتبداد مترسخة فى الشخصية العربية على نحـو أصـيل، الأمـر الـذى حـدا ببلفـور، الوزير البريطانى صاحب وعـد بلفـور ، إلى أن يقـول: "000 إن الأمم الغربيـة فور ظهورها فى التـاريخ تظهر تباشـير القـدرة على حكم الذات، لأنها تمتلك مزايا خاصة بهـا، ويمكنك أن تنظر إلى تـاريخ الشـرقيين بأكمله فيمـا يسمى بشـكل عـام، المشرق، دون أن تجـد أثـرا لحكم الذات على الإطلاق0 وكل القرون العظيمة التى مرت على الشرقيين-ولقـد كانت عظيمة جـدا، انقضـت فى ظل الحكم المطلق0 وكـل إسـهاماتهم العظيمة فى الحضارة الإنسانية-ولقـد كانت عظيمة-أنجـزت فى ظل هـذا النمط من الحكم0 فقـد خلف فـاتح فـاتحا، وتلت سـيطرة سـيطرة، غير أنك فى دورات القـدر والمصير كلها لاترى أمة واحـدة من هـذه الأمم تؤسـس بدافع من حركتها الذاتية ما نسميه نحن من وجهـة نظـر غربيـة، حكم الذات ".
ويقول الكواكبى: "فـإذا لم تحسن الأمة سياسة نفسها أذلهـا اللـه لأمة أخرى تحكمها كما تفعل الشرائع بإقامة القيم على القاصر أو السـفيه وهـذه حكمة، ومتى بلغت أمة رشدها استرجعت عزها وهذا عدل .
و"وصف أرسـطو الطغيان الشـرقى بأنـه النموذج الحقيقى للطغيـان، وهـو وصف يتكرر منذ عصر أرسـطو حتى الآن , حتى إن الأوروبيين عنـدما "يسـبّون" حاكما لاستبداده يصفونه بأنـه أقرب إلى الطاغيـة الشرقى . والغريب أن أرسـطو أرسـل إلى تلميـذه الإسـكندر الأكبر رسـالة ينصحه فيها بمعاملة اليونانيين كقائـد، وأن يعامل الشرقيين معاملة السيد لأنهم بطبيعتهم عبيـد.
كما يقـول: "إن الرجل الحر لا يسـتطيع أن يتحمل حكم الطاغية، ولهـذا فإن الرجل اليونانى لا يطيق الطغيان، بل ينفر منه، أما الرجل الشرقى فإنه يجده أمرا طبيعيا، فهو نفسـه طاغية فى بيته، يعامل زوجته معاملة العبيـد، ولهـذا لا يدهشه أن يعامله الحاكم هـو نفسـه معاملة العبيـد".
وكان أرسطو يقصد بالطغيان الشرقى، ذلك الطغيان المستشرى فى الهنـد والصين وفارس ومصر وبابـل وآشـور . وتخـاذل رجال الدين وأهمـلوا أداء واجب تبصرة الناس بحقوقهم، واكتفوا بتعليمهم فقـه الحيض والنفاس، أما رجال الدين الذين ساندوا السـلطان الجائر فهم خونة، خانوا دينهم والنـاس0 اسـتفتى الخليفة الأموي يزيد بن عبـد الملك فقهاءه هل يحاسب اللـه الخلفـاء يوم القيـامة على أفعـالهم؟، فأفتى لـه أربعـون (فقيهـا) بأنـه لا حسـاب على الخلفـاء يوم القيامـة0وتـم توظيف الدين فى ترويض المسلمين وامتـلاك أعنة أمورهم، وإحكـام القبضة على رقـابهم وأفواههم، فأفهمـوا النـاس أن طاعـة أولى الأمـر واجبـة على إطلاقهـا، وأن الخروج على المسـتبد غير شـرعى، وأن الخليفـة هـو ظل اللـه فى الأرض، وعلى الناس طاعته، وأن البـؤس الذى يغرقهم فيـه اسـتبداد مولانا وولى النعم هـو قـدر اللـه ومن لـه أن يغير الأقدار؟ وانـه لا يجوز تقييـم الخليفـة بأعمـاله بل يكفى نيته، فأنشـأ الأمويـون حزب المرجئـة الذى يقول "بإرجاء" الحكم على الخلفـاء الأمويين إلى أن يحاسـبهم اللـه! فلا يجـوز تقييمهم من واقـع أعمالهم، بل الفيصل هـو إيمـان الفـرد لا عمله!!، ومثـل ذلك من الأضـاليل المفضوحة0 وطاعة أولى الأمر ليست مطلقة وإنما هى مشروطة بطاعـة الحاكم للـه، ورهن بإقامـة العـدل0 "وكان الخلفـاء الراشـدون, رضي الله عنهم , يبـدأون خطبهم بهذه الجملة التقليـدية: أيها النـاس، أطيعوني وأعينوني ما أطعت اللـه فيكم0 وكان الرسـول صلى الله عليه وسلم إذا عيـّن واليـا فى إقليم قال لرعيتـه: اسـمعوا لـه وأطيعوا، وأحسنوا مؤازرته ومعاونتـه، فإن لم يعـدل فيكم لا طاعة لـه وهـو خليع ممـا وليتـه، وقـد برئت ذمم الذين معـه من المسـلمين وأيمانهم"0
نبيل هلال

إضغط هتا للعوده للصحه الرئيسيه
إضغط هنا للأتصال بنا

كيف كان الاستبداد أحد أسباب انحطاط المسلمين


طال العهـد على الشخصية العـربية والإسلامية وهى تعيش فى ظل الحكم الإسـتبدادى فأصابها المسخ، وفاقـم هـذا التحول ذلـك الموروث الدينى الفرعونى والفارسى، والتفسـيرات الخاطئـة للديـن، والتراث المملوكى، وطول الامتثال للمسـتبد "وأولى الأمر"0 ففى مصر الفرعونية كان الملوك يمارسون أقسى أنواع الحكم الثيوقراطى، وبعـد عصر الفراعنة عاش المصريون فى ظـل الحكم الرومانى، مرورا بعصـر البطالمة الـذى امتـد نحـو ثلاثـة قرون، وكان فيه الإمبراطور الرومانى ممثـلا للإلـه، أى اسـتمرت العلاقة بين الحاكم والمحكومين علاقـة إلـه وعبيـد0 وبعـد نهايـة الحكم البيزنطى والفارسى للمنطقة العربيـة، تعرض المسـلم فى مصر والشـام والحجاز والعـراق للإسـتبداد الأموى والعبـاسى والفاطمى0000والمملوكى، ثم الحكم العثمانى الـذى كان فيـه الخليفة ظل اللـه فى الأرض0 كمـا حملت منطقـة فارس إرث الحكم الفارسى الـذى كان ينظر فيـه أيضـا إلى الحاكم على أنه إلـه، ثم تعرضت بعـد ذلـك لاسـتبداد خلفـاء المسلمين0 وترسخت قابلية الاسـتبداد فى الشخصية العربية، وبلغ ذلك ذروته عنـدما امتثل المسلمون فى مصر والشام لحكم العبيـد والإماء، ويعـد هذا الأمر سـابقة انفردت بهـا شعوب هذه البلاد وهى أن يقبل "الأحرار" حكم "الأرقـاء"0وكان العبيد والأرقاء فى أمريكا يضطلعون بالأعمال الشاقة فى المزارع والمصانع ولم تسـند إليهم أي أعمال إدارية، ناهيك من أن يتولوا حكم البلاد، ذلك هو ما حدث فى بلادنا، حكمنا الأرقاء وأورثونا تراثهم، تراث العبيـد الـذى حملنا على قبـول جميع صنوف الاسـتبداد طوال تاريخنـا0 وكان أول من اسـتقل بحكم مصر هـو "الرقيق" أحمـد بن طولون، الذى انشـق على الخليفـة العباسى واسـتقل بحكم مصر فى سـنة 868 ميلادية0وحقيقة الأمر أن الخلفـاء العباسيين سـبق لهم أن عينوا عبيـدا من الترك كولاة على مصر قبـل أحمـد بن طولون، منهم: الوالى على بن يحيى الأرمنى سـنة 841 ميلادية، ويزيد بن عبد الله التركى سنة 856 ميلادية، وأزجور التركى سـنة 868 ميلادية0 فحكم العبيـد فى مصـر يعـود لأبعـد من سـنة 868 م واسـتمر على نحـو أو آخـر حتى وقت ليس ببعيـد، وقد بلغ عـدد المماليك الذين اشـتراهم أحمـد بن طولون، والملـك المنصـور، والأشـرف خليـل، والسلطان الناصر محمـد، ما يزيد على مائـة وعشرين ألف مملوك0وكان المماليك فى المجتمع المصرى يمثلون القـوة والسلطة، ومارسوا قهر المصريين، ونهبهم، والحقوا بهم أشـد صنوف الاسـتبداد قسوة، مما أفرز-بالضرورة-"خوف" المصريين من السـلطة وكل ما يتعلق بالسلطان والعسـكر والحاكم، وكان المماليك فى البـدء عسـكر الوالى، وجند السلطان، ثم اصبحوا فيمـا بعـد السلاطين والحكام أنفسـهم، وترسخ وجودهم فى نسـيج المجتمع المصـرى، وأصـبح تراثهم - تراث العبيـد – أحـد المكونـات الأسـاسية، إلى جانب مكونـات أخرى، فى الضمير المصرى0 ولم يكن غريبا عنـدئذ أن تصاب هـذه الشخصية بالسلبية السياسـية المزمنة، بعد أن اعتادت أن يسـوسها الغير، وبعد أن تعرضت لمعاول القهر والإسـتبداد، بدءا من حكم الفراعنة والرومان وخلفـاء المسلمين-باسـتثناء الخلافة الراشـدة-وانتهـاء" بسـلاطين المماليك والحكم العثمانى0 كذلك فإن "الجزيرة العربيـة عرفت قبـل الإسلام ضروبا من الطغيان والإسـتبداد لا تقـل عـن ضروبه المشهورة التى عرفت فى الشـعوب الأخرى، وأن قبائل من العرب الحاضرة والبادية قـد سـادها ملوك يعتزون بالأمـر والنهى بيـن رعاياهم بغير وازع ولا معترض، ويقيسـون عزتهم بمبـلغ اقتـدارهم على إذلال غيرهم واستطالتهم على من يدعى العـزة سـواهم ، وعرب الباديـة يرون العجز عن الظلم نقيصة، ففى شـعرهم:
قبيلته لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل
وتكشف الأقوال المأثورة التى يتـداولونها عن تمجيد قيمة الظلم والقهـر، وقـد "قيـل فى أسباب المثل القائل (لا حر بوادى عوف) أنه يقهـر من حل بواديه، فكـان من فيـه كالعبد له لطاعتهم إياه 0وربما كان ثمة تأثير لمنطق القـوة الذى كان يمثـل علامة بارزة فى المجتمع العربى البدوى، ويدرك العربى أن من طبائع الأمور وجود قوى وضعيف، ظالم ومظلوم، مستبد ومستسلم0 فبيئة القبائل العربية كانت تشهد إغارات السلب والنهب والقتل والسبى، ويفخر العربى في البـادية بأنـه ظالم ومسـتبد، فالاسـتبداد عنـده قيمة اجتماعية رفيعة يمجدها ويتغنى بها شـعراؤه0

إضغط هتا للعوده للصحه الرئيسيه
إضغط هنا للأتصال بنا

Sunday, May 08, 2005

المريد يستأذن شيخه قبل أن يجامع زوجته


لم يقل لنا أحد ، مادام المتصوفون والهُبَّل والأولياء لهم هذه القدرات الهائلة وهم موصولون بالله والسماء ومطَّلعون على اللوح المحفوظ، فأين كانوا فى مواطن مذلة المسلمين ومواقع هزائمهم – وما أكثرها – أين كان الدراويش عندما سحق التتار جيوش المسلمين فى بغداد وغيرها من المواقع؟ أين كان هؤلاء المغاوير الأطهار أصحاب الرؤى الصادقة والقلوب الخاشعة والأرواح الكاشفة. أم أنهم تقاعسوا، مع المقدرة، وهذا أدهى وأمر، ولمَّا كانت علينا دروع الدراويش والأولياء لماذا أصابنا نبل العدو في مقتل ؟
وتشكل سلوكنا وفقاً لهذه الأوهام . أنظر كيف تصدى العوام والمجاذيب لفرسان نابليون فى القاهرة، نزلوا من القلعة وهم يحملون النبابيت وتقدَّمهم البله والمجاذيب ومعهم سلاحهم البتار ... قطعة قماش سموها البيرق النبوى وظنوا أنها الراية التى كان يحملها جنود جيش النبى صلى الله عليه وسلم فى غزواته. فدكَّتهم مدافع الفرنسيين دكَّا دكَّا، ولم يجْدهم فتيلا شيوخهم ذوو العمائم الضخمة الذين يمشون على الماء ويطيرون فى الهواء، ولم يغثهم أقطابهم المدفونون فى الأضرحة يطلبون منهم البركات والمغفرة . ولا يغرنك ذيوع ظاهرة التصوف فى تاريخنا، فالقول بدوام سيادة الحق وظهوره على الباطل قول غير صحيح، ولكننا نرتاح إلى التسليم به. فشواهد التاريخ، والتاريخ هو المعلم الذى يصدقنا القول، تؤكد لنا أن السيادة والفوز والظهور لا تكون دائماً للحق، وإنما له جولات، وللباطل مثلها، أو تزيد. وإذا كان الناس قد انخرطوا فى سلك المتصوفين لا لشئ غير أن الغير يفعلون ذلك، فالأمر إذن هو التقليد المحض، وكان خليق بهم ألاَّ يقلدوا، فالتقليد من شيم القرود . وكأن هناك اتفاقاً ضمنياً على قبول ظاهرة التصوف، والتسليم بأضاليلها واستبعاد مناقشتها وتمحيصها بالتجربة، "والبون شاسع بين افتراض الصواب فى رأى من الأراء لأن الدليل لم يقم على خطئه وفساده مع تعريضه للمناقشة والانتقاد، وبين افتراض الصواب فيه، لا لغرض سوى صيانته من التفنيد وحمايته من الإدحاض"
والتصوف ليس إسلاماً وإنما عقيدة جديدة جاءت بعد الإسلام بقرنين، والمشرِّع فيها هو الشيخ الصوفي الذى يشرِّع لأتباعه حسب ما يمليه عليه هواه وشيطانه . ولما كان البون شاسعاً بين إفك الشيخ وشرعة الله تعالي، ولابد أن يكون البون شاسعاً، فقد لجأ شيوخهم إلى "الشطحات" وهي محاولات لتأويل إفكهم على نحو يبدو معه موافقاً للإسلام الصحيح. ومثلما يلجأون إلى التأويل، يقولون أيضاً بالتقَوُّل وهو أن ينسبوا ما يتعذر عليهم تأويله من أكاذيبهم إلى دس أعدائهم. ولهم في التأويل خلط وخبط كلما أرادوا الاقتراب مما يوافق العقل، ازدادوا بعداً . وقد درجوا على انتقاد ومهاجمة معاصريهم من الصوفيين والإشادة بشيوخهم السابقين من باب التقية والنفاق وذر الرماد فى العيون .
وتتكون الخلية الصوفية من الشيخ والمريد أى الأستاذ والتلميذ . وعلى المريد أن يطيع شيخه في السر والعلن طاعة عمياء تصل إلى حد سلب الإرادة، حتى إن المريد لا يقوى على مد قدميه الاّ بعد استئذان شيخه، ولا يمكنه جماع زوجته، أو تناول طعامه الا باستئذان شيخه حتى في سره. إنه سحق للإرادة والكرامة حتى غدا هذا التابع الرقيق مسخاً بلا حول ولا قوة كالميت في يد الغاسل وكيف يٌطلب من هذا المخلوق المسخ مدافعة الظلم أو التصدي لغاز أو طلب علم، بعد أن سلبه شيخه الإرادة. ويروْن أن المريد لابد له من شيخ، ومن لا شيخ له فالشيطان شيخه، وأن قلب المريد بيد شيخه يصرفه بهواه، وأن غضب الشيخ من غضب الله، وأن طاعة الأشياخ مقدمة على طاعة الله، ويتمادون في غيهم فيقولون بأن الولى أفضل من النبى، وأن العارف يسمع كلام الله كما سمعه موسى عليه السلام، أي مباشرة وليس وحياً، الأمر الذى لم يحصل لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .
والولى عندهم يعلم الشريعة والحقيقة، ولكن النبى والرسول لا يعلمان سوى الشريعة أو الظاهر فحسب، وما مصدر هذه الحقيقة في نظرهم ؟ ليس العقل، وإنما الذوق من " التذوق "، لذا فهم يقولون من ذاق عرف. أمّا العقل فيكفرون به ويرونه حجابا يستر الحقيقة، فمنابذة العقل والشرع هى الدعامة الأساسية للصوفية. وتدين العوام، بل والخواص، بالطاعة العمياء للشيخ وبتقديس الولى الصوفي وتأليهه، فيلتمسون منه البركات والشفاء والمغفرة حتى ولو كان معتوها مجذوبا يسير عاريا فى الشوارع أو جثة قد أرمت تحت قبة ضريح . وكان الإيمان بالشيوخ شائعاً في زمن المماليك، حتى إنه إذا أقسم أحد على أحد بشيخه – لا بالله – كان حقا عليه أن يبره .
عندما قام طومان باى سلطان مصر بمبارزة القائد المملوكى الخائن قانبردى الغزالى الذى حارب فى صف العثمانيين، دارت الدائرة عليه ووقع من فوق حصانه، وهمَّ السلطان بقتله، إلا أنه استعطفه وأقسم عليه قائلاً : إنى سألتك بالله تعالى، وتوسلت إليك برسول الله وبسر شيخك سيدى أبى السعود الجارحى أن تجعلنى عتيقك فى هذا اليوم " فعفا عنه السلطان من فوره وبلا تردد، إذ أقسم عليه بعزيز، شيخه أبى السعود الجارحى .
يتبع بباقي السلسلة
نبيل هلال

إضغط هنا للأتصال بنا
إضغط هتا للعوده للصحه الرئيسيه

صدق أو لا تصدق


المقال رقم 2 في سلسلة مقالات التصوف
إن التصوف خلط من بقايا الديانات القديمة، واندماج نفايات الوثنيات الغابرة والفلسفات القديمة وعلى رأسها مذهب الغنوصية، وهى كلمة يونانية معناها " المعرفة "، ويُقصد بها التوصل إلى المعارف لا بالدرس والتعلم وإنما بما يُلقى فى الروع والقلب وحيا وكشفاً وليس عن طريق الاستدلال والبرهان العقلي. وفضل المعرفة وكشف الحقائق وحياً، إدَّعاه كل السحرة والكهان على مر الأزمان، وأسبغوا على أنفسهم قدرات وهمية سوَّغت لهم الهيمنة على القبيلة والعوام، وجنْوا من وراء ذلك الهبات والنزور والأموال الطائلة، فغاية الغايات هى الارتزاق باسم الدين، "وقد أثَّرت الغنوصية في اليهودية وسيطرت على فيلسوفها الكبير "فيلون"، وقد عرف المسلمون الغنوصية اليهودية، ونرى كثيراً من أفكار فيلون منبثة في كتب كبار الصوفية الإسلاميين. والصوفي محيى الدين بن عربى – الشيخ الأكبر – إنما هو صورة أخرى من " فيلون ") وابن عربى هذا هو كبيرهم الذى علمهم الإفك، فادعى زورا وبهتانا أن النبى صلى الله عليه وسلم جاءه في منامه، ودله على كتاب "فصوص الحِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِكم" ، وهو كتابهم المملوء بالكذب والشرك، وأمره بتبليغه للناس. وكأن الله تعالى قد توفّى رسوله الكريم قبل أن يستكمل إبلاغ رسالة الإسلام، وهو القائل : (اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتى، ورضيت لكم الإسلام ديناً).
وعرف المسلمون أيضا فرقة غنوصية تعيش فى العالم الإسلامي وتزاول طقوسها وهى فرقة الشيليين، ومؤسس هذه الفرقة هو شيلى من طائفة المغتسلة، ويرى المسلمون أنه كان يميل إلى مذهب اليهودية ويأخذ به. وما غلاة الإسماعيلية والقرامطة والباطنية قديما إلا صورة مستورة من الغنوصية التى تٌعرف في عصرنا الراهن بالبابية والبهائية .
وكلما زاد تباين التصورات المختلفة للعالم، كلما استترت الحقيقة وراء الرؤى الضبابية والغموض بفعل اللاعقلانية والمذهبية، فتنتشر الخرافات وتسيطر على العقل البشرى . وذلك هو عين ما حدث بفعل ظاهرة التصوف، وما حوت من خرافات وأضاليل باعدت بين الناس ودينهم الحنيف، وانتهت بهم إلى البوار بعد أن مسختهم إلى مجرد أشياء ودراويش ومجاذيب .
وتتشابه الصوفيه مع مذهب الكلبيين الذين يقولون باحتقار العلم والمعرفة والأخلاق، وقد زاد أنصار هذا المذهب نتيجة للقلق والفوضى والحروب والمجاعات التى أرهقت الناس. ومن الشرق الهيلينستى انتقل هذا المذهب إلى روما وإيطاليا كرد فعل للحروب الكثيرة التى خاضتها الجمهورية الرومانية، وزاد اتباع هذا المذهب منذ عهد الأسرة اليوليوكلاودية كرد فعل لتسلطها وجبروتها، وكانوا يتجولون في ثياب رثة مطلقين لحاهم وشعورهم ويسيرون حفاة يتسولون، وانضم إليهم المنجمون والسحرة والمشعوذون، وأصدر الإمبراطور فسباسيانوس سنة 71 م أمراً بطردهم من البلاد، الأمر الذى لم يجرؤ عليه خليفة مسلم مع المتصوفين –باستثناء آل سعود الذين احتضنوا الحركة الوهابية التي تصدت للصوفيين.
يقول هـ.ج.ويلز : "كان الزهاد موجودين فى بلاد الشرق قبل عهد بوذا بزمن مديد، وانصرم القرنان الأول والثاني الميلاديان والعالم كله غارق أو يكاد فى نزوعه إلى التبرؤ من الحياة، ممعن فى نشدانه العام " للخلاص " من محن الزمان. فقد ولَّى من الدنيا الشعور القديم باستقرار النظام، وولت معه الثقة القديمة فى القسيس والمعبد والقانون والعرف. وفى هذا المناخ الذى يسوده الرق والخوف والقلق والتهافت على إشباع الملذات، كان ينتشر فى الناس هذا الوباء، وباء الاشمئزاز الذاتى وعدم الاطمئنان العقلى . وكان يتفشى فيهم هذا الالتماس الأليم للسلام وإن نالوه مقابل التخلى عن الدنيا) . تلك إذن هى الظروف المولِّدة لحركات الزهد والتقشف: انعدام الشعور باستقرار النظام، سواء النظام السياسي أو الاقتصادي، وانعدام الثقة في القسيس والمعبد (أى رجل الدين والدين نفسه المرموز له بالمعبد)، والقانون والعرف، القانون الذى لا يحمى الضعيف أو يحاسب القوى، القانون الذى يطبًّق بصرامة على العامة وغير ذى الطول والضعيف والفقير، ويتهاون مع النبلاء والقوى والغنى، والعرف الذى يقر هذه التجاوزات ويظلها بمظلة القبول والموافقة. وكأنه يتحدث عن القانون والعرف والأحوال منذ أيام العباسيين وحتى عصر المماليك . تلك كانت ظاهرة الزهد والتقشف ونبذ الدنيا، وهى الظاهرة التى شهد ميلادها عالمنا الإسلامي فى القرن الثانى الهجرى، وهى تختلف عن ظاهرة التصوف التى نشأت بعد ذلك وإن زعم الصوفيون أنهم امتداد للزهاد والراغبين عن الدنيا، فقد قالوا بهذا كسباً لمحبة العامة الذين كانوا يجلِّون الزهاد، وتجنباً للصدام مع رجال الدين .
ويقول الصوفيون بالحلول، أى أن الله حالٌّ فى كل شئ – تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. ومنهم من يقول بالاتحاد، أى اندماج الخالق بالمخلوق ويصيران شيئاً واحداً. كان أبو حمزة – أحد أقطابهم – حلولياً، وذلك (أنه كان إذا سمع صوتاً مثل هبوب الريح وخرير الماء وصياح الطيور، كان يصيح بقوله: لبيك، فرموه بالحلول) . وكان الحلاج قد ادعى النبوة ثم الألوهية، إذ كتب كتاباً عنوانه : من الرحمن الرحيم إلى فلان، ولما سئل فى ذلك أجاب: وهل الكاتب إلا الله تعالى، واليد فيه آله، وكان يسمى نفسه الحق، وأباح الحج إلى غير مكة، والإفطار فى شهر رمضان، وأعفى من العبادة من زار قبور الشهداء بمقابر قريش وأقام بها عشرة أيام يقضيها فى الصلاة . ولم تقف دعوة الحلاج عند التأثير على العامة، بل شملت كثيراً من رجال البلاط والكتاب وبعض كبار الهاشميين". وقُتل الحلاج فى 309 هجرية بسبب ادعاء الألوهية .
ووحدة الوجود التى قال بها محيى الدين ابن عربى، أي نفي الثنائية بين الله والكون، إنما هى فكرة تشبه كثيراً المفهوم الذهني الهندوسي عن الكون الذى يعتبرونه مجرد وهم وسراب. وبالفعل تم المزج بين الإسلام والهندوسية في عهد جلال الدين محمد الأكبر (1556 – 1605) وهو حفيد مؤسس الأسرة الحاكمة المغولية في الهند، وقد شجع مشايخ الصوفية وخصوصاً الطريقة " الشستية " ، ولم يلبث أن أعلن عن عقيدة جديدة خاصة به سماها (دين الله)، وهى نتاج مزج بين الإسلام والديانات الأخرى، وكان عماد هذه الملة الجديدة الكثير من مبادئ الصوفية والتحلل من الإسلام الحنيف، لذا يمكن القول إن فكرة وحدة الوجود هى التى فتحت الباب أمام تدفقات الهندوسية إلى داخل الدين الإسلامي .
انتهى المقال الثاني ويتبع بباقي السلسلة إن شاء الله
نبيل هلال

إضغط هنا للأتصال بنا
إضغط هتا للعوده للصحه الرئيسيه

Saturday, May 07, 2005

دور النظام التعليمي في تخلف الأمة الإسلامية


إن الهدف الأساسي لأي نظام تعليمي هو إعداد العقول القادرة على صنع المستقبل، والعقول المدربة على طرح الأسئلة والبحث عن إجابات عنها، العقول التى يمكنها ممارسة النقد وكشف أساليب القهر الذهني، القادرة على الإبداع، لا مجرد إعداد عقول لا تحسن سوى الحفظ وتعجز عن ممارسة التساؤل والاستفهام. فأساليب التعليم في عالمنا الإسلامي بعيدة عن فهم احتياجات العصر، إذ تناسب من نشأوا فى ظروف تكبيل العقل وتكميم الأفواه، تناسب إعداد موظفين لا مبدعين ينهضون بعبء حشد القوى لتنمية الأمة فى عصر تكتلات الدول وسحق الأمم الضعيفة المشرذمة.
ويمضى نظامنا التعليمي في اتجاه تعميق الهوة بيننا وبين سائر الأمم المتقدمة، فالمدة التى تتضاعف فيها المعارف الإنسانية تتناقص باطراد مذهل، مما يجعل اللحاق بالأمم التى سبقتنا أمراً يكاد يكون مستحيلاً فى ظل الإمكانات الراهنة. كما أن ما يتم ممارسته فى المدارس من تعليم تلقيني يرمى إلى إحكام السيطرة على عقول الطلاب من أجل توجيهها حسب توجهات المستبدين، وصرف هذه العقول بعيداً عن ما يتهددها، فمن تعلموا بهذه الطريقة التلقينية هم أنسب من يلائمون القهر والاستكانة والامتثال. فنظام القهر لا يسمح للمتعلم بالتساؤل، والتساؤل هو أول الطريق إلى الانتقاد واكتشاف الواقع، وهو بداية عمل العقل الإبداعي " المبدع ".
ولما افتقدت أمتنا حرية الرأى والكلمة ضاعت، بالضرورة، القدرات الإبداعية لهذه الأمة، فالحضارة هي منتجات الفكر، والفكر هو نتاج عقلي لذا يمكن فهم استحالة إنشاء حضارة دون تحرير العقل ثم تفعيله عن طريق نظام تعليمي فعال. ومعنى ذلك أن التخلف والتبعية والتدنى سيبقون قدراً مقدوراً وسرمداً ممتداً طالما أن العقل مفرغ ومقيد . والتعليم النظامي فى المدارس الحكومية يكرس إعداد أجيال تقبل الواقع على أنه أفضل الممكن، أجيال عاجزة عن التأمل والاستنتاج والحوار، وذلك باستبعاد وسائل التعليم الحواري التحليلي الموضوعي النقدي الذي يدرب العقل ويشحذ الحواس. ويتبنى هذا التعليم النظامي الوسائل التعليمية التى ترسخ الذاكرة والحفظ لدى التلاميذ على حساب ملكات النقد والإبداع والتفكير.
وكان الحفظ هو طريقة التعليم التى درج عليها العرب قبل الإسلام، فقد كانوا أميين لا يعرفون القراءة والكتابة، واعتمدوا على الذاكرة فى حفظ أشعارهم. ولما كان التعليم بعد الإسلام يعتمد أساساً على القرآن الذى كانوا يحفظونه عن ظهر قلب، لذا كان الحفظ بمثابة الوسيلة الأساسية فى المنهج التعليمي وهى وسيلة لم تكن غريبة على آبائهم الأولين فى الجاهلية، ولم يكن الحفظ والاستظهار خاصاً بالقرآن الكريم أو الحديث الشريف، وإنما تعداهما إلى العلوم الأخرى أيضاً. وهكذا يمكن وصف الفرق بين مفهوم التعليم كخبرة من أجل الحرية، ومفهوم التعليم كوسيلة للسيطرة، بأنه الفرق بين التعليم الحواري والتعليم التلقيني.
وطريقة التعليم التلقيني هي التي تعد الإنسان المروّض ، وتخدم ظروف القهر وتعمل على ترسيخها. وانظر إلى طرق التعليم التى اتبعها المسلمون منذ أجيال وأجيال، تجدها وسائل تلقينية بحتة غير مسموح فيها بالحوار والمناقشة. إذ يعتبر فيها الحوار وتقليب الآراء على أوجهها من قبيل الصفاقة والاجتراء، فكل ما يقوله "الفقيه" , وهو أيضاً مروَّض تعلم بأسلوب تلقيني غير حواري, هو من قبيل المسلمات التى لا تحتاج إلى إثبات، ومن غير الممكن مناقشتها، فضلاً عن تخطئتها.
فانكمش العقل المسلم وتم اعتقاله بعد القرن الرابع الهجري، إذ تم اعتبار كل منجزات السلف منجزات مقدسة لا يجوز نقدها أو الخروج عليها، واعتبر المنهج الحواري منهجاً اجترائياً لا يجوز أن يأخذ به مسلم صادق الإيمان.
وفى مثل هذا المناخ يترعرع التمذهب والتعصب والتحجر. لذلك لم يتواصل العطاء العقلى والفكري للعقل المسلم مثلما كان عبر القرون الأولى "القرن الثامن الميلادي والتاسع والعاشر" ، فالجدال والمناقشة هما وسيلة إنتاج وتمحيص الحقائق فى منهج التعليم الحواري، ويثمران أفضل النتائج خصوصاً فى ظل الحرية التامة، فمن شروط الحوار التسليم بعدم احتكار الحقيقة، وأن استكشاف العالم ليس من حق الصفوة وحدهم، بل يسع الكل البحث عنها، وأن الحوار فى حد ذاته لا يعنى تهديد ذات المحاور أو الحط من مكانته فى ما لو أفضى الحوار إلى خلاف ما يعتقده، فالحقيقة ليست حكراً على أحد وما اعتقده قد يكون صواباً أو خطأ، وكذلك معتقد الآخر، والحوار هو الآلية الفاصلة فى تمحيص الخطأ والصواب وتقليب الأمور على أوجهها كافة.
ومن يمنعون الحوار هم فى الحقيقة لا يستهدفون سوى فرض الحقيقة التى يعرفونها على الآخرين.
وإذا لم ينجح التعليم فى إيقاظ وعى المتعلم وحفزه على تطوير ظروفه ومجتمعه وتدريبه على الفهم والاستنباط وإدراك العلاقات بين الأشياء والأحداث، يكون قد حاق فشل ذريع بأهداف العملية التعليمية.
ولا تتم توعية الناس بمجرد شرح الأحوال وتفسير الواقع، وإنما يجب محاورتهم لتبصرتهم بالأدوار التى يمكنهم الاضطلاع بها، ومساعدتهم على ممارسة النقد الذاتي.
ويتسع الخرق على الراتق إن تبلد إحساس الناس فلم يكتشفوا القهر الذى استغرقهم ، وزيف الواقع الذى يزينه لهم قاهروهم. ويحتفى القرآن الكريم بمنهج التعليم الحواري الذي يدعو فيه الإنسان إلى النظر والتفكير والتأمل، والتدرب على رد الظواهر إلى أسبابها، وتدريب العقل على طرح الأسئلة، وتعليم المسلمين كيفية تدبر الواقع وإقامة علاقة حوارية مع النفس والآخر، الأمر الذى مكّنهم من إنشاء وامتلاك قدرة على التأمل والملاحظة والفهم والتأويل، لذا لم يكن غريباً أن يبتدع المسلمون المنهج التجريبي في البحث العلمي الذي قامت عليه النهضة العلمية الحديثة بعد أن اقتبسه الغرب منا، فذلك كان إفرازاً حتمياً لمنهج التفكر والنظر الذى حض عليه القرآن الكريم. فديننا الحنيف هو الذى جاء بآليات هذا المنهج الحواري لتربية العقل، وما الشورى والدعوة إلى النظر والتفكير إلا بعض مكونات هذا المنهج . والكارثة أن المسلمين أغفلوا هذا المنهج إبّان صراعاتهم، فأضفت كل طائفة من الطوائف المتنازعة والجماعات المتناحرة الإسلامية، وما أكثرها، قداسات دينية على مواقفها، مما يعنى نفى صفة الدين والقداسة عن رأى الطائفة الأخرى، فاشتعلت الصراعات التى أراد البعض توجيهها باطلاً لتحقيق أطماع سياسية وغيرها. ولا شك أن الصراعات المذهبية والخلافات العصبية هى من تداعيات تفويض هذا المنهج الحواري.وكان تعليمنا فى معظمه، بعد أفول عهد النهضة العلمية الإسلامية، معنيا فى المقام الأول بالعلوم النقلية "الدينية "، وكانت طريقة التعليم تلقينية، إذ لا محل فيها للحوار.فمادة هذه العلوم مقدسة لا يجوز غير قبولها.
e-mail: إضغط هنا لارسال رساله للكاتب

العوده للصفحه الرئيسيه