Sunday, May 08, 2005

صدق أو لا تصدق


المقال رقم 2 في سلسلة مقالات التصوف
إن التصوف خلط من بقايا الديانات القديمة، واندماج نفايات الوثنيات الغابرة والفلسفات القديمة وعلى رأسها مذهب الغنوصية، وهى كلمة يونانية معناها " المعرفة "، ويُقصد بها التوصل إلى المعارف لا بالدرس والتعلم وإنما بما يُلقى فى الروع والقلب وحيا وكشفاً وليس عن طريق الاستدلال والبرهان العقلي. وفضل المعرفة وكشف الحقائق وحياً، إدَّعاه كل السحرة والكهان على مر الأزمان، وأسبغوا على أنفسهم قدرات وهمية سوَّغت لهم الهيمنة على القبيلة والعوام، وجنْوا من وراء ذلك الهبات والنزور والأموال الطائلة، فغاية الغايات هى الارتزاق باسم الدين، "وقد أثَّرت الغنوصية في اليهودية وسيطرت على فيلسوفها الكبير "فيلون"، وقد عرف المسلمون الغنوصية اليهودية، ونرى كثيراً من أفكار فيلون منبثة في كتب كبار الصوفية الإسلاميين. والصوفي محيى الدين بن عربى – الشيخ الأكبر – إنما هو صورة أخرى من " فيلون ") وابن عربى هذا هو كبيرهم الذى علمهم الإفك، فادعى زورا وبهتانا أن النبى صلى الله عليه وسلم جاءه في منامه، ودله على كتاب "فصوص الحِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِكم" ، وهو كتابهم المملوء بالكذب والشرك، وأمره بتبليغه للناس. وكأن الله تعالى قد توفّى رسوله الكريم قبل أن يستكمل إبلاغ رسالة الإسلام، وهو القائل : (اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتى، ورضيت لكم الإسلام ديناً).
وعرف المسلمون أيضا فرقة غنوصية تعيش فى العالم الإسلامي وتزاول طقوسها وهى فرقة الشيليين، ومؤسس هذه الفرقة هو شيلى من طائفة المغتسلة، ويرى المسلمون أنه كان يميل إلى مذهب اليهودية ويأخذ به. وما غلاة الإسماعيلية والقرامطة والباطنية قديما إلا صورة مستورة من الغنوصية التى تٌعرف في عصرنا الراهن بالبابية والبهائية .
وكلما زاد تباين التصورات المختلفة للعالم، كلما استترت الحقيقة وراء الرؤى الضبابية والغموض بفعل اللاعقلانية والمذهبية، فتنتشر الخرافات وتسيطر على العقل البشرى . وذلك هو عين ما حدث بفعل ظاهرة التصوف، وما حوت من خرافات وأضاليل باعدت بين الناس ودينهم الحنيف، وانتهت بهم إلى البوار بعد أن مسختهم إلى مجرد أشياء ودراويش ومجاذيب .
وتتشابه الصوفيه مع مذهب الكلبيين الذين يقولون باحتقار العلم والمعرفة والأخلاق، وقد زاد أنصار هذا المذهب نتيجة للقلق والفوضى والحروب والمجاعات التى أرهقت الناس. ومن الشرق الهيلينستى انتقل هذا المذهب إلى روما وإيطاليا كرد فعل للحروب الكثيرة التى خاضتها الجمهورية الرومانية، وزاد اتباع هذا المذهب منذ عهد الأسرة اليوليوكلاودية كرد فعل لتسلطها وجبروتها، وكانوا يتجولون في ثياب رثة مطلقين لحاهم وشعورهم ويسيرون حفاة يتسولون، وانضم إليهم المنجمون والسحرة والمشعوذون، وأصدر الإمبراطور فسباسيانوس سنة 71 م أمراً بطردهم من البلاد، الأمر الذى لم يجرؤ عليه خليفة مسلم مع المتصوفين –باستثناء آل سعود الذين احتضنوا الحركة الوهابية التي تصدت للصوفيين.
يقول هـ.ج.ويلز : "كان الزهاد موجودين فى بلاد الشرق قبل عهد بوذا بزمن مديد، وانصرم القرنان الأول والثاني الميلاديان والعالم كله غارق أو يكاد فى نزوعه إلى التبرؤ من الحياة، ممعن فى نشدانه العام " للخلاص " من محن الزمان. فقد ولَّى من الدنيا الشعور القديم باستقرار النظام، وولت معه الثقة القديمة فى القسيس والمعبد والقانون والعرف. وفى هذا المناخ الذى يسوده الرق والخوف والقلق والتهافت على إشباع الملذات، كان ينتشر فى الناس هذا الوباء، وباء الاشمئزاز الذاتى وعدم الاطمئنان العقلى . وكان يتفشى فيهم هذا الالتماس الأليم للسلام وإن نالوه مقابل التخلى عن الدنيا) . تلك إذن هى الظروف المولِّدة لحركات الزهد والتقشف: انعدام الشعور باستقرار النظام، سواء النظام السياسي أو الاقتصادي، وانعدام الثقة في القسيس والمعبد (أى رجل الدين والدين نفسه المرموز له بالمعبد)، والقانون والعرف، القانون الذى لا يحمى الضعيف أو يحاسب القوى، القانون الذى يطبًّق بصرامة على العامة وغير ذى الطول والضعيف والفقير، ويتهاون مع النبلاء والقوى والغنى، والعرف الذى يقر هذه التجاوزات ويظلها بمظلة القبول والموافقة. وكأنه يتحدث عن القانون والعرف والأحوال منذ أيام العباسيين وحتى عصر المماليك . تلك كانت ظاهرة الزهد والتقشف ونبذ الدنيا، وهى الظاهرة التى شهد ميلادها عالمنا الإسلامي فى القرن الثانى الهجرى، وهى تختلف عن ظاهرة التصوف التى نشأت بعد ذلك وإن زعم الصوفيون أنهم امتداد للزهاد والراغبين عن الدنيا، فقد قالوا بهذا كسباً لمحبة العامة الذين كانوا يجلِّون الزهاد، وتجنباً للصدام مع رجال الدين .
ويقول الصوفيون بالحلول، أى أن الله حالٌّ فى كل شئ – تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. ومنهم من يقول بالاتحاد، أى اندماج الخالق بالمخلوق ويصيران شيئاً واحداً. كان أبو حمزة – أحد أقطابهم – حلولياً، وذلك (أنه كان إذا سمع صوتاً مثل هبوب الريح وخرير الماء وصياح الطيور، كان يصيح بقوله: لبيك، فرموه بالحلول) . وكان الحلاج قد ادعى النبوة ثم الألوهية، إذ كتب كتاباً عنوانه : من الرحمن الرحيم إلى فلان، ولما سئل فى ذلك أجاب: وهل الكاتب إلا الله تعالى، واليد فيه آله، وكان يسمى نفسه الحق، وأباح الحج إلى غير مكة، والإفطار فى شهر رمضان، وأعفى من العبادة من زار قبور الشهداء بمقابر قريش وأقام بها عشرة أيام يقضيها فى الصلاة . ولم تقف دعوة الحلاج عند التأثير على العامة، بل شملت كثيراً من رجال البلاط والكتاب وبعض كبار الهاشميين". وقُتل الحلاج فى 309 هجرية بسبب ادعاء الألوهية .
ووحدة الوجود التى قال بها محيى الدين ابن عربى، أي نفي الثنائية بين الله والكون، إنما هى فكرة تشبه كثيراً المفهوم الذهني الهندوسي عن الكون الذى يعتبرونه مجرد وهم وسراب. وبالفعل تم المزج بين الإسلام والهندوسية في عهد جلال الدين محمد الأكبر (1556 – 1605) وهو حفيد مؤسس الأسرة الحاكمة المغولية في الهند، وقد شجع مشايخ الصوفية وخصوصاً الطريقة " الشستية " ، ولم يلبث أن أعلن عن عقيدة جديدة خاصة به سماها (دين الله)، وهى نتاج مزج بين الإسلام والديانات الأخرى، وكان عماد هذه الملة الجديدة الكثير من مبادئ الصوفية والتحلل من الإسلام الحنيف، لذا يمكن القول إن فكرة وحدة الوجود هى التى فتحت الباب أمام تدفقات الهندوسية إلى داخل الدين الإسلامي .
انتهى المقال الثاني ويتبع بباقي السلسلة إن شاء الله
نبيل هلال

إضغط هنا للأتصال بنا
إضغط هتا للعوده للصحه الرئيسيه

0 من فضلك أكتب تعليقك عن المقال