Saturday, August 13, 2005

الحاكم من المنظور الإسلامي

لا يجوز الخلط بين مقام الخليفة ومقام النبي صلي الله عليه وسلم, ولا ينبغي إضفاء أي قدسية على الخليفة توهما أنه يقوم مقام النبي في الأمة الإسلامية, "وقياس منصب الخلافة على منصب رسول الله صلي الله عليه وسلم وإعطاء الخليفة كل السلطات التي زاولها الرسول أدى إلى استبداد معظم الحكام المسلمين, وبالتالي فسدت أمور الدنيا والدين"(15). وسلطات الخليفة مستمدة من الأمة المقتضي البيعة, وهذه السلطة ليست مفوضة له من الله أو من قيامه مقام الرسول صلي الله عليه وسلم. لذا نختلف في الرأي مع من يقول: "إن منزلة الخليفة من الأمة منزلة رسول الله من المؤمنين, له عليهم الولاية العامة والطاعة التامة"(16). فطاعة الأمة للحاكم رهينة باضطلاعه بالمهام الموكولة إليه ووفائه بالشروط والعهود التي قطعها على نفسه للقيام على مصالح الأمة, ولا يقع ضمن اختصاصات الخليفة أي مهام تشريعية أو حتي تفسير آية من الآيات أو الأحاديث النبوية, فمهمته هي تنفيذ الدستور الإسلامي. أما سلطتا التشريع والقضاء فمستقلتان وليستا ضمن اختصاصه.وفي ضوء ما سبق, لنا أن نختلف تماما مع من يقول: "فالحاكم الإسلامي له أن يؤول القرآن, ويفسر الحديث, ويبسط الأحكام, ويقيس الأمور بأشباهها حتي يساير المصلحة العامة أو حتي يساير المنقول المعقول, وإذا كان في الأمر جديد فعليه أن يستبد برأيه ‍‍‍"(17) يقول توماس أرنولد: "الخليفة حاكم سياسي وديني, ولكن وظيفته الدينية لا تتعدي المحافظة على الشؤون الدينية المقررة في الإسلام, وليس له وظائف دينية كهذه التي ينعم بها البابا, من عصمة وغفران للخطايا, فإن مثل هذه الأمور ليست من شأن الخليفة في كثير ولا قليل, وإنما هي شئ بين المرء وربه. والله وحده عند المسلمين يغفر ويصفح ويمحق الذنوب".(18) إن الكثيرين يعتقدون أن هناك صورة واحدة للنظام السياسي الذي يعتبرونه "إسلاميا", تلك "هي صورة الخلافة التي عرفتها الدولة الإسلامية منذ وفاة الرسول. والواقع أن لفظ الخلافة أو أو الإمارة الذي أصبح منذ بدء تدوين العلوم, وأصبح للبحوث الإسلامية نصيب منه" علما على نظام الحكم في الدولة الإسلامية لا يعني في مدلوله السياسي أو الدستوري أكثر من تنظيم رئاسة الدولة تنظيما يشمل اختيار الرئيس وتقرير حقوقه وواجباته, على نحو يشير إلى محاولة اتباع المثل الأعلى الذي كان قائما في بداية نشوء الدولة الإسلامية, حين تولى الرسول صلي الله عليه وسلم رئاستها. لكن هذا اللفظ "الخلافة" لا يدل على نظام حكم معين محدد التفاصيل. بل لأنه ليس في الشريعة الإسلامية نظام حكم معين محدد التفاصيل. وإنما جاءت الشريعة الإسلامية في هذا المجال بالقواعد العامة فحسب(19). ولم يرد في القرآن الكريم أو في السنة النبوية شكل ثابت للحكم حتي لا تصبح نظرية الحكم قالبا جامدا يتناقله المسلمون على مر الأجيال ظنا منهم أن هذا الشكل الثابت أو القالب الجامد موصى به من الدين بصرف النظر عن ضرورات العصر ومتغيراته التي تتطلب مواءمة وتعديل أنظمة الحكم ومؤسساته وفقا لحاجات الأجيال. واكتفى الدستور الإسلامي (القرآن والسنة) بإيراد الأسس العامة لنظام الحكم من منظور الإسلام. ويبين الحدود التي لا يجوز الخروج عنها أو تجاوزها: كالشورى والعدل والمساواة وسيادة القانون. كما أكدت السنة النبوية على هذه المبادئ. ولم يشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوصي بشكل محدد للخلافة ونظام الحكم حتى لا يعتبره الناس جزءا من السنة والدين فلا يحيدون عن هذا الشكل ويغفلون عن مواءمته إن دعت الظروف لذلك, فيصيبهم البوار. وهذا الإغضاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تحديد شكل للخلافة ونظام الحكم يتفق مع العمومية التي تناول القرآن بها هذه المسألة. ولو كان الله يعلم الخير في غير ذلك النعميم وطرح الأسس دون التفصيلات وإرساء المبادئ دون الأشكال, لنص على نظام بعينه يأخذ به المسلمون حتى قيام الساعة. وقد قال الله تعالى : "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا" , ومقتضيات هذا التمام تعني بالضرورة عدم إغفال أي أمر يكون فيه صلاح الناس في دنياهم وأخراهم, فضلا عن أن يكون ذلك الأمر متعلقا بالنظرية السياسية ونظام الحكم. كذلك فإن عدم خوض رسول الله صلي الله عليه وسلم في تفصيلات محددة للنظام السياسي لا يعد سهوا منه – حاشا لله – يستوجب وقوع المسلمين في حيرة. لذا ننكر قول من يقول: "لو كان الإسلام دينا ودولة لجاء القرآن بتفصيل محكم لنظام الدولة وسياستها, ولوضع النبي صلي الله عليه وسلم نظاما مفصلا للحكومة الإسلامية, ولكنه انتقل إلى الرفيق الأعلى ولم يستخلف أحدا على المسلمين, وترك المسلمين في حيرة(!!!) من هذا الأمر ومن النظام الذي يتبع.(20) ومن ينعم النظر في تاريخ الأمم والبلدان يتبين له أن نظم الحكم والنظريات السياسية تتبدل وتتباين بمرور الوقت منذ فجر التاريخ, فلم تجر على وتيرة واحدة أو شكل محدد أو قالب محدد. وخاضت الأمم تجارب مختلفة فجربت النظم الشمولية والديكتاتورية, والملكية, والاستبدادية, وغير ذلك. وانتهت بها تجاربها إلى التوصل إلى النظام الديموقراطي المطبق في الغرب حاليا, وهو أقرب النظم للتصور الإسلامي للحكم. ويجدر بنا في هذا المقام, وكل مقام, أن نربأ بتصوراتنا الإسلامية عن تشبيهها بأى نصورات أخرى متوهمين جواز إثبات صحة ديننا وكماله بأدلة مستمدة من تجارب الآخرين. فالنظام الديموقراطي يتفق مع التصور الإسلامي في أن الاختيار للأمة جميعها. غير أن السيادة في النظام الديموقراطي للشعب, ولكنها في النظام الإسلامي لله, ولله وحده. فقد نجمع الأمة في النظام الديموقراطي على ما يخالف الحق (كإباحة الشذوذ الجنسي, وتقنين زواج الرجل بالرجل مثلا). ولكن في ظل النظام الإسلامي لا قيمة لإجماع الأمة إن كان على باطل يخالف الدستور الإسلامي (القرآن والسنة). ويقول ليوبولد فايس: "إننا إذا فحصنا الأحكام الخاصة بالشؤون السياسية في القرآن والسنة فلن نجد من بينها ما ينص على (شكل معين) للدولة, وبمعني آخر أن الشريعة لا تضع لنا نموذجا محددا يجب على الدولة الإسلامية أن تتشكل على مثاله, ولا هي تضع لنا خطة مفصلة لنظرية دسنورية. هذا على الرغم من أن النظام السياسي الذي ينبثق عن القرآن والسنة ليس وهما أو خيالا. بل إنه راسخ الدعائم واضح المعالم, وهو يرسم لنا حدودا جلية لمنهاج سياسي صالح للنفاذ والتطبيق في كل الأزمنة وبالنسبة لكل ظروف الحياة البشرية. ولما كانت غاية هذا المنهاج السياسي أن يكون صالحا للتطبيق في كل الأزمنة وبالنسبة لكل الظروف, فقد جاءت الأحكام المتعلقة به في هيئة مبادئ عامة فقط ولم تتعرض للفروع. أما عن بحث الفقهاء "ضرورة نصب الخليفة" فنعجب لها أشد العجب, إذ يرون "بالإجماع"!!! وجوب نصب الخليفة وأن الأمة تأثم إذا تركت ذلك. ونعجب لبحث فكرة ضرورة تنصيب الخليفة وكأن من الممكن للأمة أن يستقيم أمرها بلا حاكم يسوس أمرها, وبحث البديهيات يعد ضربا من إضاعة الوقت والجهد, وما أشبهه بحرث الماء. لذا نختلف مع من يقول: "ولكن الشئ الواقع هو أن أحدا من العلماء لا يستطيع أن يقيم الدليل القاطع على وجوب ذلك -أي الإمامة- بآية من القرآن الكريم, ونريد طبعا آية صريحة لا سبيل إلى الشك في مدلولها ومعناها(21). وكما كانت السنة مصدرا من مصادر التشريع, وكثيرا ما فصلت ما أجملته النصوص القرآنية. لذا نجيب عن الاستفسار السابق بحديث رسول الله صلي الله عليه وسلم إذ يقول: "إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا عليهم أحدهم"(22). وإذا كان الأمر هنا هو إمارة واحد على اثنين أثناء السفر, فما بال الإمارة على أمة.
هذا المقال من كتاب "الاستبداد ودوره في انحطاط المسلمين _نبيل هلال

5 من فضلك أكتب تعليقك عن المقال
إضغط هتا للعوده للصحه الرئيسيه

5عددالتعليقات =

Anonymous darrelmorgan9382335582 said...

Get any Desired College Degree, In less then 2 weeks.

Call this number now 24 hours a day 7 days a week (413) 208-3069

Get these Degrees NOW!!!

"BA", "BSc", "MA", "MSc", "MBA", "PHD",

Get everything within 2 weeks.
100% verifiable, this is a real deal

Act now you owe it to your future.

(413) 208-3069 call now 24 hours a day, 7 days a week.

1:01 PM  
Anonymous Anonymous said...

الافتتاحية

الحمد لله الذى أطلع فى أفق أعلى أرواح أحبابه ضياء شمس البدء الأولية، وألاح فى سماء أفئدة أوليائه نور قمر حقائق الشرائع التفصيلية، وأنار أرض قلوبهم بلوامع أسرار الأول والآخر، واطمأنت برؤيا جمال تنوعات ظهوره فى أنواع المظاهر. صاغ أرواحهم من لطيفة (أحببت)، وأشهدهم ضياء المجلى بيوم (ألست). لاحت لهم أنوار التجلى على عرفات النفوس، وأشرقت فى أفاق قلوبهم شمس سنا مجالى القدوس.

والصلاة والسلام على درة الجوهر المصان، فى غيب الأعيان قبل البيان، عين المعنى الذى تألهت له أرواح عالين، وسجدت له الملائكة وأخذ ميثاق النبيين، لطيفة الشهود التى جذبت إليها أرواح المقربين، وهامت لها أفئدة الصديقين والشهداء الصالحين، حبيب الله وصفيه ورسوله ونجيه سيدنا ومولانا محمد.

اللهم صل وسلم وبارك عليه وآله، صلاة تغفر بها خطئى وزللى، وتبدل سيآتى بحسنات، وأسعدنا يا إلهى بالروح والريحان، والجنة والرضوان، وأعز المسلمين واجمعهم وأيدهم.. آمين يا رب العالمين.

وبعد:

متى يمكن للكاتب أو المؤرخ أن يجد الجرأة كى يتلمس طريقه نحو تفهم ودراسة حدث تاريخى ما أو شخصية تاريخية ما؟.

مدرس خط بسيط - يعترف أن خطه ليس جيداً- بمدرسة ابتدائية بالإسماعيلية قفز على مسرح الأحداث السياسية فى مصر ليلعب واحدا من أبرز وأغرب الأدوار وليتلاعب- أو هكذا خيل إليه- بالكثير من القادة والزعماء والقوى باقتدار ودهاء.

وشتان بين ما يسميه أتباعه ومريدوه.. الإمام المرشد.. الرجل القرآنى.. الرجل الربانى.. وغيرها من عبارات التبجيل والتقديس.

وبين ما يسميه خصومه.. حسن رأس بوتين.. الشيخ الدجال.. وغيرها من عبارات التهجم والتنقيص.

والذى شدنا إلى الكتابة فى هذا الموضوع تلك الاتجاهات الجديدة بين الشباب، وظهور جماعات التكفير والهجرة والقطبيون والشوقيون والجهاد وغيرها، وعلاقة ذلك كله بدعوة حسن البنا وحقيقة أهدافه.

لذلك كان لابد من العودة إلى الجذور الأصلية لتأسيس جماعة الإخوان المسلمين بتخطيط بريطانى لعبد العزيز آل سعود، كى يتمكن الأخير من تصدير دعوة محمد بن عبد الوهاب إلى سائر بلاد المسلمين، وبالتالى السيطرة على العالم الإسلامى عن طريق مصر، وإليكم القصة من البداية..

حين بدأ عبد العزيز آل سعود تكوين الدولة السعودية الثالثة كان يضع فى حسبانه القوى المحلية والقوى الإقليمية والقوى الدولية، تمثلت القوى الدولية فى إنجلترا، وتمثلت القوى الإقليمية فى إيران والشام والعراق ومصر، وكان معظمها تحت السيطرة البريطانية، وكان معظمها أيضاً يدين بالولاء إلى التشيع، سواء فى ذلك إيران القطب الإقليمى فى الشرق، أو أبناء الشريف حسين فى العراق وسوريا وشرق الأردن، وكان الاستثناء الوحيد هو مصر القطب الإقليمى فى الغرب، والذين يدين بالتصوف السنى، وبعد القوى الإقليمية والدولية كانت هناك القوى المحلية فى الجزيرة العربية خارج أملاك عبد العزيز فيما بين اليمن وعمان ودويلات الخليج، والشيعة أيضاً هم أهم القوى فى اليمن وفى الخليج، بالإضافة إلى الشيعة فى المنطقة الشرقية والأحساء- التى ظهرت أهميتها البترولية- والأشراف فى الحجاز.

إذن فالشيعة (العدو التاريخى لآل سعود وضحايا الغارات السعودية منذ دولتهم الأولى) هم الذين يحيطون بمملكة عبد العزيز من الشرق (إيران ودويلات الخليج)، والشمال (أبناء الشريف حسين فى العراق والأردن، وفى الجنوب اليمن).. وهم الألغام الموقوتة داخل المملكة.. إذن فلم يبق له متنفس إلا فى مصر التى تدين بالولاء للتصوف السنى، والتى إن انضمت سياسياً للقوى الشيعية فسيتم خنق الدولة السعودية الثالثة.. ومصر هى نفسها أسقطت الدولة السعودية الأولى، وأسهمت فى التنازع الداخلى الذى أسقط الدولة السعودية الثانية.. وإذن فمصير الدولة السعودية الثالثة مرتبط تحديداً بقوتين إقليميتين هما مصر وإيران، بالإضافة إلى إنجلترا القوة الدولية صاحبة النفوذ فى إقليم الشرق الأوسط كله آنذاك.

لذلك عمل عبد العزيز بالخطة المرسومة له على كسب ود إنجلترا، وعلى تحويل العمق المصرى من التدين الصوفى السنى إلى التدين الوهابى ، وساعدته الظروف السياسية المصرية والدولية وظهور البترول، وبالتأييد المصرى والبريطانى استقرت أمور عبد العزيز فى مملكته، واستطاع أن يأمن أعداءه الشيعة داخل مملكته وحولها.

فمن المعلون أن منطقة الشرق الأوسط لها قطبان أساسيان هما مصر وإيران.. والأطراف التى بينهما (الجزيرة العربية والشام والعراق) تقع فى إطار التنافس الدينى والسياسى بين القوتين المصرية والإيرانية.. لذلك جعل عبد العزيز مصر (القطب الغربى) عمقاً له، وتحالف مع القوى العالمية الغربية (إنجلترا ثم أمريكا)، وأصبح ذلك من ثوابت السياسة السعودية الخارجية.

الانفتاح على مصر :

أيقن عبد العزيز- بتخطيط بريطانى ماكر- أن صلاح العقيدة الوهابية فوق طاقة علماء نجد، فآثر أن ينفتح بها على مصر، ليأتى الاجتهاد فى تنقيح وتحديث الوهابية من مصر، بعد أن تكون مصر عمقاً استراتيجياً لدولته الوليدة، ولا ريب أن مستشاره المصرى (حافظ وهبة) كان وراء توثيق الصلة بين الجانبين.

وقد كان حافظ وهبة مهتماً بتوثيق العلاقات بين الملك عبد العزيز ومصر، يقول مثلاً فى تأريخه لأحداث الصراع بين الملك عبد العزيز والشريف حسين: (وفى سبتمبر سنة 1925 وصل فضيلة الشيخ المراغى وكان رئيساً للمحكمة العليا الشرعية ومعه عبد الوهاب بك طلعت من موظفى السرايا، ومعهما كتاب رقيق من جلالة ملك مصر جواباً لكتاب سلطان نجد بمناسبة عزمه على زيارة مكة)، ويقول حافظ وهبة معبراً عن مشاعره: (إنه ظرف ملائم جداً وفرصة نادرة لتوثيق العلائق بين مصر ونجد، وسلطان نجد كان ولا يزال معترفاً بزعامة مصر من وجهة الثقافة والمدنية ويجب أن توطد العلائق بينه وبين مصر)- حافظ وهبة: جزيرة العرب فى القرن العشرين، ص: 268.

وطبقاً للمخطط الإنجليزى لعبد العزيز فى التفكير المستقبلى ونشر الدعوة على مهل، فإن نفس العام 1926 الذى شهد البديل للإخوان قبل تصفية الإخوان، وهو هيئة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر شهد انفتاحاً آخر فى نشر الدعوة الوهابية فى مصر، ويجمع بين الحادثتين أن عبد العزيز أراد تطوير الدعوة الوهابية وتخليصها من الجمود، وطالما أن ذلك متعذر فكرياً فى العقلية النجدية، فإن الفرصة قد تكون فى مصر التى يراها رائدة المدنية والثقافة على حد وصف حافظ وهبة.

ومصر فى حد ذاتها هى المشكلة الكبرى لعبد العزيز، فهى التى كانت تسيطر على الحجاز فى العصر المملوكى، واستمر نفوذها الأدبى فيه إلى أن اصطدم بإخوان عبد العزيز فى حادث المحمل، ومن الطبيعى أن يقوم بتطبيع العلاقات معها بعد استيلائه على الحجاز، ونلاحظ حرصاً زائداً من عبد العزيز ومستشاره حافظ وهبة على استمالة مصر بكل طريقة إلى السلطة الجديدة، فمصر هى أقدم دولة فى المنطقة، وكانت دولة عبد العزيز وقتئذ أحدث دولة فى المنطقة (قبل قيام إسرائيل)، ومن الممكن أن يكون العمق المصرى رصيداً للكراهية والحرب ضد الدولة الجديدة يتعامل ضدها مع الأردن والعراق حيث الأشراف (فيصل وعبد الله)، وفى اليمن، بالإضافة إلى الشيعة فى الأحساء وفى الحجاز، فيتم بمصر ذلك الحصار وتختنق دولة عبد العزيز.

ومن الممكن أيضاً أن يكون العمق المصرى رصيداً لدولة عبد العزيز ترتكز عليه فى مواجهة أولئك الخصوم المتربصين بها فى الشرق والشمال والجنوب.. ومن هنا كان لابد من كسب مصر إلى جانبهم بكل وسيلة، وقد حاول عبد العزيز ومعه مستشاره الداهية حافظ وهبة ونجح.. على المستوى الرسمى أمكن تفادى حادث المحمل، وعلى المستوى الشعبى والثقافى بدأ انقلاب خطير منذ سنة 1926م تمثل فى بداية تحويل التدين المصرى السنى الصوفى إلى تدين وهابى، ليكون العمق المصرى الشعبى والحضارى امتداداً للدعوة النجدية والدولة السعودية الثالثة، وكان سمسار هذا التحول فى مصر اثنين من الشيوخ الشوام وهما: محب الدين الخطيب، ورشيد رضا.. وعن طريق رشيد رضا بالذات تسلل الفقه الوهابى إلى مصر عبر الطرق الآتية:

1) الجمعية الشرعية: أسسها الشيخ محمود خطاب السبكى سنة 1913م على أساس الولاء المطلق للتصوف، وفى إخضاع الفقه للتصوف كتب الشيخ محمود السبكى أولى مؤلفاته: (أغلب المسالك المحمودية فى التصوف والأحكام الفقهية).. فى أربعة أجزاء، وكتاب (العهد الوثيق لمن أراد سلوك أحسن طريق) وغيرها.. ولكن فى 1926م اتخذت مؤلفاته طابعاً جديداً تحت شعار الدفاع عن السنة، وبالطريقة الوهابية أخذ يهاجم التصوف تحت هذا الشعار، وفى هذا الاتجاه الجديد كتب 26 كتاباً إلى أن مات سنة 1931م، وعلى طريقه سار ابنه أمين السبكى فقد كتب فى الدعوة الوهابية تسعة من الكتب وتوفى سنة 1968م، وهكذا:

وبالنفوذ السعودى الذى أرساه رشيد رضا انتشرت مساجد الجمعية الشرعية، وهى الآن أضخم جمعية فى مصر، تسيطر على أكثر من ألفى مسجد وألوف الأئمة والوعاظ، ومئات الآلاف من الأتباع، وكانت ولا تزال الاحتياط الاستراتيجى للإخوان المسلمين، وهم- أى الجمعية الشرعية والإخوان المسلمون- هم مادة الفكر السلفى الوهابى وحركته فى المجتمع المصرى.

2) جمعية أنصار السنة: فى نفس العام 1926م أقامها الشيخ حامد الفقى.. أحد الأزهريين، وقد أنشأ له الملك عبد العزيز منزلاً فى حى عابدين كان مقراً للدعوة الوهابية، وتخصصت هـذه الجمعية فى نشر الفكر الوهابى ومؤلفات ابن تيمية وابن القيم وابن عبد الوهاب، كما أنشأ مجلة (الهدى النبوى) سنة 1936م ولا تزال تصدر، وأصدروا مجلة (التوحيد) لتكفير الصوفية ومحاربة سلطانهم الروحى على ملايين المصريين.

3) جمعية الشبان المسلمين: أنشئت سنة 1927م بتخطيط محب الدين الخطيب رفيق الشيخ رشيد رضا الشامى فى الدعوة السلفية، وتولى رئاستها د. عبد الحميد سعيد، والاتجاه الحركى يغلب على هذه الجمعية وانتشرت وسط الشباب، وكان حسن البنا الساعاتى هو أهم الشباب فيها، ومع أنه أنشأ الإخوان المسلمين على غرار جماعة الإخوان التى أنشأها عبد العزيز آل سعود، إلا أن حسن البنا كان دائم التردد على جمعية الشبان المسلمين، وقد قتل أمام أبوابها سنة 1948م.

4) جماعة الإخوان المسلمين: أسست سنة 1928 وهى الاتجاه الحركى السياسى المسلح، وكان إنشاؤها بعناية رشيد رضا وتوجيهاته- يعترف الشيخ حسن البنا بعلاقته بالشيخ رشيد رضا والشيخ محب الدين الخطيب فى كتابه (مذكرات الدعوة والداعية، ص: 61،، ط. دار الاعتصام 1986- القاهرة) ، ورشيد رضا هو الذى قام بتقديم الشاب حسن البنا إلى أعيان السعودية وأعمدة الدعوة الوهابية، ومنهم حافظ وهبة مستشار الملك عبد العزيز، ومحمد نصيف أشهر أعيان جدة، وابنه عبد الله نصيف هو الذى كان يتزعم رابطة العالم الإسلامى، والتى يتغلغل من خلالها النفوذ السعودى إلى العالم الإسلامى حتى اليوم، وهى التى لعبت دوراً فى تجنيد الشبان للذهاب إلى أفغانستان وتدريبهم هناك، خدمة للمصالح الأمريكية فى الحرب الباردة مع الروس، وهى الآن تحول دون وصولهم لأفغانستان لتحريرها من الاحتلال الأمريكى.

ونعود إلى الشيخ رشيد رضا وجهوده خارج نطاق الجمعيات لنلمح إلى تأسيسه مدرسة الدعوة والإرشاد لتخريج الدعاة فى جزيرة الروضة سنة 1912م، وكانت تجاوره مؤسسة الزهراء للسلفى الشامى محب الدين الخطيب فى نفس المنطقة، كما كانت مجلته (المنار) ذائعة الصيت متخصصة فى الدعوة الوهابية والسعودية، هذا بالإضافة إلى مؤلفاته المتخصصة (كالخلافة والسنة والشيعة)، وفيها يدعو إلى الخلافة الإسلامية، ويرى فى ابن سعود المؤهل الوحيد للخلافة، وعن طريق مطبعة المنار نشر رشيد رضا الكثير من مؤلفات ابن تيمية وابن القيم وابن عبد الوهاب، وتوفى رشيد رضا بعد أن قام بتوديع الأمير سعود ولى العهد فى ميناء السويس سنة 1935، وترك الراية يحملها وراءه تلميذه حسن البنا مؤسس الإخوان.

والشيخ حسن البنا اعترف فى مذكراته (الدعوة والداعية) بصلته بالشيخ حافظ وهبة والدوائر السعودية- مذكرات الدعوة والداعية، حسن البنا، ص91، ط. دار الاعتصام( القاهرة)- ، والأستاذ جمال البنا شقيق حسن البنا يعترف بتلك الصلة بين شقيقه الأكبر ووالده والسلطات السعودية فى كتابه (خطابات حسن البنا الشاب إلى أبيه). والدكتور محمد حسين هيكل فى مذكراته عن السياسة المصرية يشير إلى معرفته بالشاب حسن البنا فى موسم الحج سنة 1936م، وكيف أن حسن البنا كان وثيق الصلة بالسعودية ويتلقى منها المعونة، وكان البنا يمسك بيد من حديد بميزانية الجماعة، ولذلك فإن الانشقاقات عن الإخوان ارتبطت باتهام الشيخ البنا بالتلاعب المالى وإخفاء مصادر تمويل الجماعة عن الأعضاء الكبار فى مجلس الإرشاد، وعن طريق الدعم السعودى استطاع البنا- وهو المدرس الإلزامى البسيط- أن ينشئ خمسين ألف شعبة للإخوان فى العمران المصرى من الإسكندرية إلى أسوان- د. أحمد صبحى منصور: التدين المصرى والتدين النجدى: 28:26. منشور فى (الإنسان والتطور العدد 61 أبريل مايو ويونية 1998).

إذاً استعاض عبد العزيز آل سعود عن الإخوان البـدو المشاكسين بإخوان آخرين مصريين يدينون له بالولاء، ويعملون فى نشر العقيدة الوهابية فى أكبر عمق عـربى وإسلامى يلاصقه، وينتظر منهم أن ينشروا هذه الدعوة إلى آفاق أرحب فى العالم العربى، وهذا ما حدث.. وينتظر منهم أيضاً أن يحولوا دعوتهم الدينية إلى حركة سياسية فى المستقبل، وهذا ما حدث.. وربما ينجحون فى الوصول إلى الحكم، وبذلك تعود الدولة الإسلامية الأولى ليحكمها آل سعود بدون الفتح العسكرى الذى تمنعه الدول الكبرى.

سياسة عبد العزيز مع المناخ الثقافى:

مع الإخوان النجديين تخلص من خطرهم العسكرى بأقل قدر ممكن من الخسائر، وحول باقى طاقتهم الحربية إلى جيش دفاعى يلتزم بأوامره، وقام بتضميد الجراح واستمالة الخصوم، ومع العلماء أخضعهم لسيطرته ووضع سقفاً أعلى لحريتهم فى النقـد والاعتراض، بما لا يتعارض مع المصالح الغربية- كان أبلغ دليل على ذلك فتوى ابن باز بجواز الاستعانة بالغرب لمحاربة صدام، فكان احتلالاً بالتراضى مدفوع الأجر ، وفى نفس الوقت وضع سياسة للأخذ من الغرب، وبالاستفادة من تقدمه العلمى والتكنولوجى بما يتواءم وحالة بلاده للتطور وما يتلائم والدين الوهابى، وبنفس الطريق انفتح على العرب والغرب، فأنشأ تياراً جديداً متفتحاً، يسعى للخارج للسفر والسياحة والتعلم.. ويقوم على عاتقه بنـاء الدولة وتطورها.. الأمر الذى أدى فى النهاية إلى تغيير المستحيل.. وهو التقليد والجمود الذى كان ديناً، فأصبحت ذكرياته القريبة مبعثاً للخجل حين امتلأت المملكة بالسيارات وأجهزة الراديو والاتصالات وسائر المخترعات.

ومع المنهج الوهابى انطلق به إلى آفاق أرحب، حين ركز على مصر فانطلق به الإخوان المسلمون المصريون إلى العالم العربى والإسلامى، وتحول التدين المصرى من التصوف إلى الوهابية على مهل خلال النصف الثانى من القرن العشرين، خصوصاً بعد أن سقطت الأيدولوجية (العقيدة) القومية والأيدولوجية اليسارية.

باختصار صدر عبد العزيز مشكلته فى المنهج الأيدولوجى الوهابى إلى مصر، فى نفس الوقت الذى قام فيه بتحجيم دور الفقهاء السعوديين مع الانفتاح على الغرب، وجاء البترول وعوائده الضخمة فانشغلت مملكته باستهلاك المنتجات الغربية التى لم تعد رجساً من عمل الشيطان.. بينما تسلل الفكر الوهابى إلى مصر المنفتحة بطبيعتها على الغرب، فأصبح للفقهاء السعوديين مجال مصرى وعربى أوسع يسمع لهم خارج المملكة، واستعاضوا به عما كان لهم من نفوذ سابق داخل المملكة، وقد ظهر أثر ذلك التطرف والتعصب والتزمت الوهابى خارج السعودية منذ السبعينيات من القرن العشرين، حين أخذ الإخوان المسلمون الجدد- التكفير والهجرة، والجهاد، والقطبيون، والناجون من النار، والجماعات الإسلامية- يكررون- بعد نصف قرن- ما كان يفعله إخوان مطير وعتيبة والعجمان.

إلا أن هذه السياسة تعرضت لخطر الأيدولوجية الناصرية، وتوجهاتها الدولية والقومية، وربما تثبت الأيام فى المستقبل أن أصابع السعودية- فى عهد فيصل- لم تكن بعيدة عما حدث من نكسات للناصرية وتحول مصر إلى الفلك الأمريكى السعودى الوهابى فى عصر السادات صديق الشيخ حسن البنا، لأن استقراء الأحداث فيما بين 1976م وحتى الآن يؤكد أن السعودية هى التى أصبحت مستفيدة سياسياً على حساب مصر، ويكفى أنها كانت قبل ثورة 1952 تعتمد على العمق المصرى، ثم جاءها الخطر من ذلك العمق فى الحقبة الناصرية، وبعد القضاء على الناصرية أصبحت ليس فقط تعتمد على العمق المصرى، بل تتسيده وتركب أكتافه لتكون زعيمة العالم الإسلامى العربى، بعد إخضاع مصر لنفوذها السياسى والثقافى، ويكفى أيضاً أن انتصار مصر فى حرب أكتوبر 1973، تمخض عنه نتيجتان متناقضتان.. تضخم أسعار النفط لدى السعودية التى لم تحارب ولكن اقتطفت ثمار النفط وتحولت إلى مليارات الدولارات فى رصيدها بدون عناء، بينما وصلت مصر التى حاربت إلى حافة الإفلاس، وحين اضطرت إلى سياسة الانفتاح استفاد منه السعوديون فانفتحوا على مصر يشترون به عقول بعض أبنائها وأجساد بعض نسائها، وذلك بأموال جاءت بها دماء الشهداء المصريين فى معركة العبور!!.. وما سمعنا فى التاريخ أن شعباً منتصراً يتحول أبناؤه إلى أجراء وتتحول بعض نسائه إلى ما يشبه السبايا فى زواج عرفى أو بدون زواج.. وأن يكون المشترى أو المستفيد هو من لم يحارب ولكنه جنى ثمار النصر من المنتصر وركب بها على أكتافه!.

والإنصاف الإسلامى يقتضى أن يكون لمصر حصتها فى زيادة سعر البترول لا تقل عن النصف، وذلك بأثر رجعى منذ 1974، والذى حدث هو العكس، اشترت السعودية بعض العقول والسواعد والأجساد المصرية بأبخس الأثمان، وتعاملت معنا بعقلية الاستعباد والاستئجار، وانقلب الحال، فبعد أن كان الحجاز والشام منطقة حيوية لمصر، أصبحت منطقة حيوية لنجد التى لم يهتم بها أحد من قبل.

باختصار تسيدت السعودية العمق المصرى واستغلته فى توسيع الوهابية، وفى حصار المناهج الأخرى الشيعية والصوفية بالتنسيق مع العلمانية اليهودية.. إلا أن هذا الذى حدث مع فجاجته وغرابته يمثل إحدى الاستثناءات التاريخية التى تشذ عن القاعدة ولا تنفيها. فالأصل أن الجزيرة العربية فى جزئها الشرقى يتبع استراتيجياً إيران القطب الشرقى، وفى جزئها الغربى (الحجاز) يتبع مصر القطب الغربى، وتتأرجح نجد بين هذا وذاك، وتظل نجد فى جدل حضارى مع حدود الشام والعراق، وهما معاً (الشام والعراق) مناطق تخوم تتبع استراتيجياً إيران ومصر، وتعانى من غارات نجد وتخلفها.

إلا أن هذه القاعدة الثابتة تعرضت لنوعين من الظروف الاستثنائية:

الأولى، فى الفتوحات العربية الإسلامية، وكان عمادها أعراب نجد وغيرها بعد أن أخضعهم المسلمون فى حرب الردة.. والثانية، وكان عمادها فى ظهور البترول أثر توحد معظم الجزيرة العربية تحت حكم عبد العزيز وظهور السعودية.

فى الظروف الاستثنائية الأولى فى عهد الخلفاء الراشدين وغير الراشدين، ناوأهم الأعراب الثوار تحت مسمى الخوارج، ثم الزنج، ثم القرامطة، وفى كل الحالات فإن عاصمة الحكم الإسلامية كانت تنتقل من الصحراء إلى أقرب منطقة حضارية للصحراء (الكوفة، دمشق، بغداد) وينتقل الأعراب الثائرون أيضاً إلى نفس المناطق الحضرية.. أى لابد من التوجه إلى القطب فى إيران حتى ولو حمل اسم العراق العجمى، ثم لا تلبث مصر (بعد أن تحولت إلى ولاية تابعة لدمشق) أن تصبح ولاية مستقلة فى العصر العباسى الثانى، ثم تستقل بخلافة شيعية فى الدولة الفاطمية، وبذلك ترجع الأمور إلى نصابها فى الحسابات الاستراتيجية وتنافس القاهرة الفاطمية الشيعية بغداد السنية، وتنجح فى هذا التنافس حتى يصل سلطان الفاطميين إلى العراق وتخطب مساجد بغداد للفاطميين أثناء ثورة البساسيرى، وفى كل الأحوال تنتقل الأضواء والصراعات من الجزيرة العربية إلى ناحية القطبين فى الشرق (إيران) وفى الغرب (مصر) وتترك الجزيرة العربية.. بحيث إن كل الثورات التى قام بها الحجاز لاسترداد مكانته قد منيت بالفشل.. مع أهمية الحجاز الدينية والتاريخية، واتضح سياسياً وتاريخياً منذ الفتوحات العربية والإسلامية أن دور الجزيرة العربية هو أن تكون تابعاً للمناطق الحضارية الغنية فيما بين القطبين مصر وإيران، وأن غاية الطموحين من أبناء الجزيرة العربية هو الوصول بالغارات والغزوات إلى هذين القطبين، فإذا وصلت إلى هناك انقطعت صلتهم بالجزيرة العربية، يسرى هذا على معاوية كما يسرى على أحفاد الأمويين فى دمشق ثم فى الأندلس، وأحفاد العباسيين فى بغداد ثم القاهرة المملوكية بعد سقوط بغداد.

وظل هذا دور الجزيرة العربية بإغاراتها التى تحمل أيدولوجية دينية أو لا تحمل تلك الأيدولوجية، إلى أن جاء عبد العزيز ليقيم دولته السلفية الوهابية، فأراد الإخوان تكرار التوسع الحربى وفشلوا.

وظهر البترول فى المملكة فى صدفة تاريخية، فانتشر النفوذ السعودى سلمياً عبر قطار النفط السريع فى مصر، ومن خلالها إلى العالم الإسلامى والأقليات الإسلامية فى الغرب والشرق.. وهذا الظهور الذى ارتبط بالصدفة البترولية لا يغير من الحقائق الاستراتيجية، بل يؤكدها.

ومن ثم يتضح كيف انتشرت الوهابية فى العالم عن طريق الإخوان المسلمين.. وهذا السلوك المريب هو السبب فيما وصلت إليه الأمة من هوان.. وقد حان موعد الحساب.

فمنذ إنشائها فى الإسماعيلية على يد حسن البنا، فى 28 مارس 1928، وحتى الآن، لم تغير جماعة (الإخوان المسلمين الوهابية) شيئا من دوافعها وأساليبها وأهدافها، ومن الأخطاء الكثيرة والعديدة التى ظلت ملتصقة بفكر هذه الجماعة الوافد من نجد منذ 1928وحتى 2005م، رغم أنها عاصرت الحياة السياسية المصرية وجوهر الشعب المصرى على مدار 77 عاما، إلا أنها مازالت تعتقد أن مصر ستكون مقرا رئيسيا مستمرا لإقامتها، وأن الشعب المصرى تحت ضغط الأزمات السياسية والاقتصادية المتراكمة، سوف يقبل (الإخوان المسلمين) حكاما على أرضه.

بل إن الإخوان المسلمين- ويعتبر هذا من إفرازات فكرهم النجدى المنغلق، القاصر- يزداد اعتقادهم بأن لهم مستقبلا مزدهرا على أرض مصر، وأن المسألة فقط هى مسألة وقت لكى يحتلوا الشعب المصرى.

الإخوان قادمون (قادمون) هذا هو إيمانهم الراسخ. ودفعهم هذا الإيمان إلى العمل بدأب وصبر دون ملل أو كلل لتجميع صفوفهم وتنظيم أعضائهم والنزول إلى الناس فى التجمعات الجماهيرية، واستغلال كل فرصة أو كل مصادفة لبث سمومهم، وإن كانوا قد نجحوا، فالسبب أن سمومهم مغلفة بالعسل الحلو وسط شعب ذاق مرارة عصر وراء عصر، شعب لديه حساسية خاصة تجاه الإسلام وهيبة اللغة الدينية.

إذا أحس الإخوان المسلمون أن من مصلحتهم فى وقت ما الاختفاء والكمون والتراجع فعلوا ذلك، وإذا استشعروا أن هناك من الأزمات والقلاقل والبلبلة والثغرات خرجوا من الكمون، وأعادوا دراسة الواقع، ودخلوا إلينا من كل ثغرة ممكنة، إن الانتهازية هى (الدينامو) الذى يحركهم ويحدد مساراتهم، وتتباين درجات الانتهازية وتكون ذروتها أمرين لا غنى عنهما.. الأول هو مبدأ (التقية). والثانى هو مبدأ (التحالف) التكتيكى.. أى: الوقتى، مع تيارات يخالفونها ويعادونها ويضعون قيادتها على قوائم الاغتيال.

لكنهم وفقا للانتهازية يتغاضون عن ذلك لأن تحالفهم المؤقت، سيكسبهم أرضا جديدة أو يدعم من موقفهم.

إن فكر جماعة الإخوان المسلمين يسمح لهم بالقيام بكل سلوك لا هو من الضمير الإنسانى، ولا هو من جوهر أى دين، ولا هو من محبة الوطن الذى يأكلون من خيراته ويرعاهم بينما هم يدمرونه، ويفرقونه بأخطر شئ، وهو الدين. (كل شئ مباح) مادام سيختصر الطريق إلى مقعد الحكم، والسيطرة، هم يؤمنون بالمبدأ الميكيافيلى (الغاية تبرر الوسيلة) والوسيلة المعتمدة رسميا من قياداتهم على مر التاريخ هى الاغتيالات وسفك الدماء وخطط الخراب والتفجير، وإشاعة فتاوى معتمة، وبث روح الخوف والإرهاب، وتمجيد الشكليات الدينية، وكراهية الناس الذين يخططون لحكمهم بالسيف.. كل هذا حلال، لأن الغاية بالنسبة إليهم أنبل الغايات ألا وهى الجهاد لنشر دين الله وكلام الله.. وفى الحقيقة هو جهاد لنشر دينهم الوهابى الخاص، كلام الله برئ من بحور الدم التى تسببوا فيها، وبرئ من الانتهازية، وبرئ من العنف والسيف والتحكم باسم الدين، وتخويف الناس تحت اسم حماية الأوطان.

وعدت جماعة الإخوان المسلمين الحكومة المصرية الحالية بأن تهدئ من أنشطتها وتقلص حركتها مقابل شرطين أساسيين.. الأول: أن تسمح لهم بإقامة حزب (مدنى). والثانى: هو الإفراج عن عدد من كوادرهم.. ولسنا نفهم كيف وهم الجماعة المؤسسة (دينيا) وغايتها إمارة إسلامية ممتدة.

والتى لا تفعل شيئا إلا التحدث باسم الدين وباسم الله وكلام الله وتعاليم الله والثوابت الدينية والشريعة الإسلامية والسنة النبوية والغزوات التاريخية تحت علم الإسلام.

وتحويل اللغة (المدنية) التى تعترف بالصواب والخطأ إلى لغة دينية ليس فيها إلا الحلال والحرام وصغائر الذنوب والكبائر وعقاب الله. وغضب الله.. كيف يمكن لهذه الجماعة أن تصبح بقدرة قادر (حزبا مدنيا).

وأليس وضع الشروط لتهدئ من أنشطتها وحركتها أكبر دليل على استمرار الانتهازية، وسياسة الصفقات واستغلال الفرص ومبدأ التهديدات الإرهابى الوهابى؟.

إن الشعب المصرى لن يسمح لهذه الجماعة بالحكم والسيطرة مهما كان عددهم، ومهما كان الدعم الوهابى لهم، ومهما كانت قوة تنظيماتهم.. والشعب المصرى لن ينسى تحت وطأة أية أزمات أنهم أصحاب الاغتيالات وسافكو الدماء على أرض شعب مسالم.. لن يسمح الشعب المصرى لأية جماعة تجعل الدين أداة للتفريق بين أبنائه وأداة لأهداف شخصية تبدأ بالحكم والسيطرة على السياسة والاقتصاد والثقافة.

يجب على الشعب المصرى أن يكون واعيا إلى أن الدين واحة روحانية ودافع للتقوى وتجنب التفريق، ونشر المحبة والتعاون، وإعمار الكون بالعمل الشريف (وحماية الوطن) من المتسترين وراء اسم الله والرسول والمقدسات، وهو تستر هدفه تخريب الوطن ونهب موارده، ثم الجلوس على (تله) يوزعون على أعضائهم الغنائم والنساء وهم مرتاحو الضمير، ذلك الضمير الذى يدعون أنه نابع من كلام الله.

وأخيرا نقول:

لم يكن هناك دافع لإصدار هذا الكتاب عن الإخوان المسلمين إلا حرص لجنة البحوث والدراسات بالطريقة العزمية راعية الفكر والمنهج الوسطى الذى هو جوهر الإسلام على سلامة هذا الوطن، وتعريف الشاب المسلم بجذور الإرهاب.. أى الإخوان.. لأن شبابنا هم دروع المستقبل وأمل الأمة.

آملين أن يعود هذا الشباب المضلل والممول إلى جادة الصواب ليلحقوا بسفن النجاة وهم أهل بيت المصطفى- r وآله- كما جاء فى الحديث الشريف: (أهل بيتى كسفينة نوح من تعلق بها نجا ومن تخلف عنها غرق).

والله ولى التوفيق، والهادى إلى سواء السبيل، وإليه المصير، وعليه التكلان، والله غالب على أمره.



لجنة البحوث والدراسات

بالطريقة العزمية

8:37 PM  
Anonymous Anonymous said...

الفصل الأول

البداية صوفية

يقول مؤسس الإخوان المسلمين.. فى كتابه مذكرات الدعوة والداعية.. طبعة دار الاعتصام .. القاهرة سنة 1986م:

حلقة الذكر- الدعوة والداعية، ص20، الشيخ حسن البنا:

وفى المسجد الصغير رأيت (الإخوان الحصافية) يذكرون الله تعالى عقب صلاة العشاء من كل ليلة، وكنت مواظباً على حضور درس الشيخ زهران رحمه الله بين المغرب والعشاء.. فاجتذبتنى حلقة الذكر بأصواتها المنسقة ونشيدها الجميل وروحانيتها الفياضة، وسماحة هؤلاء الذاكرين من شيوخ فضلاء وشباب صالحين، وتواضعهم لهؤلاء الصبية الصغار الذين اقتحموا عليهم مجلسهم ليشاركوهم ذكر الله تبارك وتعالى، فواظبت عليها هى الأخرى. وتوطدت الصلات بينى وبين شباب هؤلاء الإخوان الحصافية ومن بينهم الثلاثة المقدمون: الشيخ شلبى الرجال، والشيخ محمد أبو شوشة، والشيخ سيد عثمان، والشبان الصالحون الذين كانوا أقرب الذاكرين إلينا فى السن: محمد أفندى الدمياطى، وصاوى أفندى الصاوى، وعبد المتعال أفندى سنكل، وأضرابهم.

وفى هذه الحلبة المباركة التقيت لأول مرة بالأستاذ أحمد السكرى- وكيل الإخوان المسلمين- فكان لهذا اللقاء أثره البالغ فى حياة كل منا. ومنذ ذلك الحين أخذ اسم الشيخ الحصافى يتردد على الأذن فيكون له أجمل وقع فى أعماق القلب، وأخذ الشوق والحنين إلى رؤية الشيخ والجلوس إليه والأخذ عنه يتجدد حيناً بعد حين، وأخذت أواظب على الوظيفة الزروقية صباحا ومساء، وزادنى بها إعجابا أن الوالد قد وضع عليها تعليقا لطيفا جاء فيه بأدلة صيغها جميعا تقريبا من الأحاديث الصحيحة، وسمى هذه الرسالة (تنوير الأفئدة الزكية بأدلة أذكار الزروقية). ولم تكن هذه الوظيفة أكثر من آيات من الكتاب الكريم، وأحاديث من أدعية الصباح والمساء التى وردت فى كتب السنة تقريبا، ليس فيها شئ من الألفاظ الأعجمية، أو التراكيب الفلسفية، أو العبارات التى هى إلى الشطحات أقرب منها إلى الدعوات.

الحضرة والبيعة - الدعوة والداعية، ص25 :

وظللت معلق القلب بالشيخ حسنين الحصافى- رحمه الله- حتى التحقت بمدرسة المعلمين الأولية بدمنهور مدفن الشيخ وضريحه وقواعد مسجده الذى لم يكن تم حينذاك، وتم بعد ذلك، فكنت مواظبا على الحضرة فى مسجد التوبة فى كل ليلة، وسألت عن مقدم الإخوان فعرفت أنه الرجل الصالح التقى الشيخ بسيونى العبد التاجر، فرجوته أن يأذن لى بأخذ العهد عليه ففعل ووعدنى بأنه سيقدمنى للسيد عبد الوهاب عند حضوره، ولم أكن إلى هذا الوقت قد بايعت أحدا فى الطريق بيعة رسمية، وإنما كنت محباً وفق اصطلاحهم.

وحضر السيد عبد الوهاب- نفع الله به- إلى دمنهور وأخطرنى الإخوان بذلك فكنت شديد الفرح بهذا النبأ، وذهبت إلى الوالد الشيخ بسيونى ورجوته أن يقدمنى للشيخ ففعل، وكان ذلك عقب صلاة العصر من يوم 4 رمضان سنة 1341 الهجرية، وإذا لم تخنى الذاكرة، فقد كان يوافق الأحد حيث تلقيت الحصافية الشاذلية عنه، وأذننى بأورادها ووظائفها.

رأى فى التصوف ( الدعوة والداعية، ص27.. ونلاحظ فى هذا الرأى أن مؤسس الإخوان حاول ألا يصطدم بالواقع الصوفى للمجتمع المصرى، بإظهار بعض محاسن الصوفية، وفى نفس الوقت يدس السم فى العسل بنقدهم وتعييبهم تنفيذا للمخطط الوهابى الموضوع للجماعة):

ولعل من المفيد أن أسجل فى هذه المذكرات بعض خواطر- حول التصوف والطرق فى تاريخ الدعوة الإسلامية- تتناول نشأة التصوف وأثره، وما صار إليه، وكيف تكون هذه الطرق نافعة للمجتمع الإسلامى. وسوف لا أحاول الاستقصاء العلمى أو التعمق فى المعانى الاصطلاحية، فإنما هى مذاكرات تكتب عفو الخاطر، فتسجل ما يتردد فى الذهن وما تتحرك به المشاعر، فإن تكن صوابا فمن الله ولله الحمد، وإن تكن غير ذلك فالخير أردت ولله الأمر من قبل ومن بعد:

حين اتسع عمران الدولة الإسلامية صدر القرن الأول، وكثرت فتوحها وأقبلت الدنيا على المسلمين من كل مكان، وجبيت إليهم ثمرات كل شئ، وكان خليفتهم بعد ذلك يقول للسحابة فى كبد السماء: شرقى أو غربى فحيثما وقع قطرك جاءنى خراجه، وكان طبيعيا أن يقبلوا على هذه الدنيا يتمتعون بنعيمها ويتذوقون حلاوتها وخيراتها فى اقتصاد أحيانا وفى إسراف أحيانا أخرى، وكان طبيعيا أمام هذا التحول الاجتماعى، من تقشف عصر النبوة الزاهر إلى لين الحياة ونضارتها فيما بعد ذلك، أن يقوم من الصالحين الأتقياء العلماء الفضلاء دعاة مؤثرون يزهدون الناس فى متاع هذه الحياة الزائل، ويذكرونهم بما قد ينسونه من متاع الآخرة الباقى: )وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ( (العنكبوت: 64). ومن أول هؤلاء الذين عرفت عنهم هذه الدعوة- الإمام الواعظ الجليل- الحسن البصرى، وتبعه على ذلك كثير من أضرابه الدعاة الصالحين، فكانت طائفة فى الناس معروفة بهذه الدعوة إلى ذكر الله واليوم الآخر، والزهادة وتربية النفوس على طاعة الله وتقواه.

وطرأ على هذه الحقائق ما طرأ على غيرها من حقائق المعارف الإسلامية، فأخذت صورة العلم الذى ينظم سلوك الإنسان ويرسم له طريقا من الحياة خاصا: مراحله الذكر والعبادة ومعرفة الله، ونهايته الوصول إلى الجنة ومرضاة الله.

وهذا القسم من علوم التصوف، واسمه (علوم التربية والسلوك)، لا شك أنه من لب الإسلام وصميمه، ولا شك أن الصوفية قد بلغوا به مرتبة من علاج النفوس ودوائها، والطب لها والرقى بها، لم يبلغ إليه غيرهم من المربين، ولا شك أنهم حملوا الناس بهذا الأسلوب على خطة عملية من حيث أداء فرائض الله واجتناب نواهيه، وصدق التوجه إليه، وإن كان ذلك لم يخل من المبالغة فى كثير من الأحيان تأثرا بروح العصور التى عاشت فيها هذه الدعوات: كالمبالغة فى الصمت والجوع والسهر والعزلة.. ولذلك كله أصل فى الدين يرد إليه، فالصمت أصله الإعراض عن اللغو، والجوع أصله التطوع بالصوم، والسهر أصله قيام الليل، والعزلة أصلها كف الأذى عن النفس ووجوب العناية بها.. ولو وقف التطبيق العملى عند هذه الحدود التى رسمها الشارع لكن فى ذلك كل الخير.

ولكن فكرة الدعوة الصوفية لم تقف عند حد علم السلوك والتربية، ولو وقفت عند هذا الحد لكان خيرا لها وللناس، ولكنها جاوزت ذلك بعد العصور الأولى إلى تحليل الأذواق والمواجد، ومزج ذلك بعلوم الفلسفة والمنطق ومواريث الأمم الماضية وأفكارها، فخلطت بذلك الدين بما ليس منه، وفتحت الثغرات الواسعة لكل زنديق أو ملحد أو فاسد الرأى والعقيدة ليدخل من هذا الباب باسم التصوف والدعوة إلى الزهد والتقشف، والرغبة فى الحصول على هذه النتائج الروحية الباهرة، وأصبح كل ما يكتب أو يقال فى هذه الناحية يجب أن يكون محل نظر دقيق من الناظرين فى دين الله والحريصين على صفائه ونقائه.

وجاء بعد ذلك دور التشكل العملى للفكرة فنشأت فرق الصوفية وطوائفهم، كل على حسب أسلوبه فى التربية. وتدخلت السياسة بعد ذلك لتتخذ من هذه التشكيلات تكأة عند اللزوم، ونظمت الطوائف أحياناً على هيئة النظم العسكرية، وأخرى على هيئة الجمعيات الخاصة.. حتى انتهت إلى ما انتهت إليه اليوم من هذه الصورة الأثرية التى جمعت بقية ألوان هذا التاريخ الطويل، والتى يمثلها الآن فى مصر مشيخة الطرق الصوفية ورجالها وأتباعها.

ولا شك أن التصوف والطرق كانت من أكبر العوامل فى نشر الإسلام فى كثير من البلدان، وإيصاله إلى جهات نائية ما كان ليصل إليها إلا على يد هؤلاء الدعاة، كما حدث ويحدث فى بلدان أفريقيا وصحاريها ووسطها، وفى كثير من جهات آسيا كذلك.

ولا شك أن الأخذ بقواعد التصوف فى ناحية التربية والسلوك له الأثر القوى فى النفوس والقلوب، ولكلام الصوفية فى هذا الباب صولة ليست لكلام غيرهم من الناس.. ولكن هذا الخلط أفسد كثيراً من هذه الفوائد وقضى عليها.

ومن واجب المصلحين أن يطيلوا التفكير فى إصلاح هذه الطوائف من الناس، وإصلاحهم سهل ميسور، وعندهم الاستعداد الكامل له، ولعلهم أقرب الناس إليه لو وجهوا نحوه توجيهاً صحيحاً، وذلك لا يستلزم أكثر من أن يتفرغ نفر من العلماء الصالحين العاملين، والوعاظ الصادقين المخلصين لدراسة هذه المجتمعات، والإفادة من هذه الثروة العلمية، وتخليصها مما علق بها، وقيادة هذه الجماهير بعد ذلك قيادة صالحة.

وأذكر أن السيد توفيق البكرى رحمه الله فكر فى ذلك، وقد عمل دراسات علمية عملية لشيوخ الطرق وألّف لهم فعلاً كتاباً فى هذا الباب، ولكن المشروع لم يتم ولم يهتم به من بعده الشيوخ، وأذكر من ذلك أن الشيخ عبد الله عفيفى رحمه الله كان معنياً بهذه الناحية وكان يطيل الحديث فيها مع شيوخ الأزهر وعلماء الدين، ولكنه كان مجرد تفكير نظرى لا أثر للتوجه إلى العمل فيه، ولو أراد الله والتقت قوة الأزهر العلمية بقوة الطرق الروحية بقوة الجماعات الإسلامية العملية، لكانت أمة لا نظير لها، تُوجه ولا تتوجه، وتقود ولا تنقاد، وتؤثر فى غيرها ولا يؤثر شئ فيها، وترشد هذا المجتمع الضال (تأمل) إلى سواء السبيل.

الزيارات والصلات(الدعوة والداعية، ص: 31، 32):

وكنا فى كثير من أيام الجمع التى يتصادف أن نقضيها فى دمنهور، نقترح رحلة لزيارة أحد الأولياء القريبين من دمنهور، فكنا أحياناً نزور دسوق فنمشى على أقدامنا بعد صلاة الصبح مباشرة، حيث نصل حوالى الثامنة صباحاً، فنقطع المسافة فى ثلاث ساعات وهى نحو عشرين كيلو متراً، ونزور ونصلى الجمعة، ونستريح بعد الغداء، ونصلى العصر ونعود أدراجنا إلى دمنهور حيث نصلها بعد المغرب تقريباً.

وكنا أحياناً نزور عزبة النوام حيث دفن فى مقبرتها الشيخ سيد سنجر من خواص رجال الطريقة الحصافية والمعروفين بصلاحهم وتقواهم، ونقضى هناك يوماً كاملاً ثم نعود.

ويعرف الشيخ البنا الصوفى بقوله: الصوفى متخفف يجب عليه أن يقطع علائقه بكل ما سوى الله، وأن يجاهد فى هذه السبيل ما أمكنه من ذلك.

تدارس علوم الصوفية (الدعوة والداعية، ص37) :

يضاف إلى ذلك أن ليلة الجمعة فى منزل الشيخ شلبى الرجال بعد الحضرة يتدارس فيها كتب التصوف من (الإحياء) وسماع أحوال الأولياء والياقوت والجواهر وغيرها.. ونذكر الله إلى الصباح كانت من أقدس مناهج حياتنا، وكنت قد تقدمت فى صناعة الساعات وفى صناعة التجليد أيضاً، أقضى فترة النهار فى الدكان صانعاً وفترة الليل مع الإخوان الحصافية ذاكراً، ولهذه المآرب جميعاً لم أكن أستطيع أن أتخلف عن الحضور يوم الخميس إلا لضرورة قاهرة، وكنت أنزل من قطار الدلتا إلى الدكان مباشرة، فأزاول عملى فى الساعات قبيل المغرب حيث أذهب إلى المنزل لأفطر إذ كان من عاداتنا صوم الخميس والاثنين، ثم إلى المسجد الصغير بعد ذلك للدرس والحضرة، ثم إلى منزل الشيخ شلبى الرجال أو منزل أحمد أفندى السكرى للمدارسة والذكر، ثم إلى المسجد لصلاة الفجر، وبعد ذلك استراحة يعقبها الذهاب إلى الدكان وصلاة الجمعة والغداء، والدكان إلى المغرب فالمسجد فالمنزل وفى الصباح إلى المدرسة، وهكذا دواليك فى ترتيب لا أذكر أنه تخلف أسبوعاً إلا لضرورة طارئة.

التهيؤ لدخول دار العلوم(الدعوة والداعية، ص38):

كانت أيام مدرسة المعلمين- فى سنواتها الثلاث- أيام استغراق فى التصوف والتعبد..

حياة عام (الدعوة والداعية، ص51):

كنت سعيداً بالحياة فى القاهرة هذا العام فقد ظهر ترتيبى متقدماً فى الامتحان، ومنحتنى المدرسة المكافأة المادية المقررة وهى جنيه فى الشهر خصصته لشراء الكتب غير المدرسية، ولا زال كثير من كتب مكتبتى الآن من أثر هذا الجنيه الذى لازمنى طوال حياتى المدرسية.. كما كنت أجد متعة كبرى فى الحضرة عقب صلاة الجمعة من كل أسبوع فى منزل الشيخ الحصافى.. ثم فى كثير من ليالى الأسبوع فى منزل الخليفة الأول للشيخ الحصافى على أفندى غالب، أو سيدنا الأفندى كما نسميه دائماً، قواه الله، وجزاه عنا خيراً، وكنت أكاتب الأخ أحمد أفندى السكرى ويكاتبنى يومياً تقريباً، وأزور البلد فى فترة الأجازات فأقضيها معه ومع الإخوان الحصافية بالمحمودية وفى ذلك بلاغ.

وهكذا كانت حياتى العلمية، والعملية والروحية مستقرة لا يعكرها شئ والحمد لله.

ويقول (ص: 53): وبالرغم من اشتغالنا الكامل بالعبادة والذكر واستغراقنا فى الطريق بأورادها ووظائفها وأحفالها إلا أننا كنا دائماً نتعشق العلم والقراءة، وننفر من كل ما يتنافى مع ظاهر الدين وأحكامه، وننكر على كثير من المنتسبين للطرق خروجهم على تعاليم الإسلام، فكنا مريدين أحراراً فى تفكيرنا، وإن كنا مخلصين كل الإخلاص فى تقديرنا للعبادة والذكر وآداب السلوك.

الاحتفال بالمناسبات الدينية

أولاً : المولد النبوى(الدعوة والداعية، ص54) :

وأذكر أنه كان من عادتنا أن نخرج فى ذكرى مولد الرسول r بالموكب بعد الحضرة، كل ليلة من أول ربيع الأول إلى الثانى عشر منه من منزل أحد الإخوان، وتصادف أننا فى أحد الليالى، كان الدور على أخينا الشيخ شلبى الرجال، فذهبنا على العادة بعد العشاء فوجدنا البيت منيراً نظيفاً مجهزاً ووزع الشربات والقهوة والقرفة على مجرى العادة، وخرجنا بالموكب ونحن ننشد القصائد المعتادة فى سرور كامل وفرح تام، وبعد العودة جلسنا مع الشيخ شلبى قليلاً، وأردنا الانصراف فإذا هو يقول فى ابتسامة رقيقة لطيفة: إن شاء الله غداً تزوروننى مبكرين لندفن روحية.. وروحية هذه وحيدته وقد رزقها بعد إحدى عشرة سنة من زواجه تقريباً، وكان بها شغفاً مولعاً ما كان يفارقها حتى فى عمله، وقد شبت وترعرعت، وأسماها روحية لأنها كانت تحتل من نفسه منزلة الروح، فاستغربنا وسألناه: ومتى توفيت؟.. فقال: اليوم قبيل المغرب.. فقلنا: ولماذا لم تخبرنا فنخرج من منزل آخر بالموكب؟.. فقال: وما الذى حدث، لقد خفف عنا الحزن، وانقلب المأتم فرحاً فهل تريدون نعمة من الله أكبر من هذه النعمة؟.. وانقلب الحديث إلى درس تصوف يلقيه الشيخ شلبى ويعلل وفاة كريمته بغيرة الله على قلبه، فإن الله يغار على قلوب عباده الصالحين أن تتعلق بغيره، أو تنصرف إلى سواه.

ثانياً: الإسراء والمعراج(الدعوة والداعية، ص127):

وفى ليلة من ليالى الإسراء والمعراج كنت ألقى محاضرة بهذه المناسبة وقلت: إن الإسراء والمعراج تكريم لرسول الله r، وإننا إذا تصورنا أن للروح سلطاناً قوياً على البدن بحيث يمكن أن يقال: إن روح رسول الله r فى هذه الليلة المباركة كانت من القوة والإمداد والاتساع بحيث تسلطت على بدنه المبارك فعطلت نواميس المادة وجعلته فى غنى عن الطعام والشراب والهواء والنفس والتأثر بالاحتكاك والمسافات إلخ، فإن ذلك لا يكون مستبعداً ويقرب معجزة الإسراء إلى أفهام الذين يستغربونها، وقلت: إن شوقى رحمه الله أشار إلى هذا فقال:

يتساءلون وأنت أكرم مرسل

بالروح أم بالهيكل الإسراء؟

بهما سريت مطهرين كلاهما

روح وروحـانية وضـياء

وانتهى الحفل والناس كلهم سرور بما سمعوا.

ثالثاً: ذكرى الهجرة(الدعوة والداعية، ص131):

وفى ذكرى الهجرة سنة 1348 أقامت جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة حفلاً جامعاً كان من خطبائه كثير من الفضلاء، وقد ألقيت كلمة فى هذا الحفل تحت عنوان: (ذكرى يوم الهجرة والدعوة الإسلامية وأثرها)، ونشرت فى رسالة المنتقى من محاضرات جمعية الشبان المسلمين.

وكان من الحاضرين فى هذا الجمع السيد محمد زبارة الحسن اليمنى أمير قصر السعيد فى صنعاء حينذاك.. فلقينى بعد المحاضرة وتحدثنا طويلاً عن مصر وعن اليمن وعن انتشار الإلحادية والإباحية المستشرى فى ذلك الوقت ووجوب الوقوف أمامه بكل القوى، ومن ذلك العهد توطدت بيننا صداقة قوية، وعرض على سيادته أن أعمل مدرساً باليمن ودارت مخاطبات بهذا الخصوص بينه وبين جلالة الإمام وبينه وبين سيف الإسلام محمد- رحمه الله- الذى كان محباً للإصلاح، راغباً فيه أشد الرغبة، حريصاً على أن تسير اليمن إليه بخطوات فسيحة، وجرت مكاتبات بينى وبين سيف الإسلام محمد رحمه الله بهذا الخصوص وتعارفنا على البعد، ولكنا لم نستطع إنفاذ فكرة الذهاب إلى اليمن للعقبات الرسيمة المتقدمة، إذ كانت السياسة المضروبة على مصر إذ ذاك ألا تتصل بالبلاد العربية بحال.

وزار الأستاذ سيد محمد زبارة الإسماعيلية، ومكث معنا بها ثلاثة أيام وشاهد منشآت الإخوان ومؤسساتهم: معهد حراء الإسلامى، ومدرسة أمهات المؤمنين، وفرقة الرحلات، ورأى الإخوان فى دروسهم ومحاضراتهم، ولمس ما تفيض به نفوسهم من حب وإخاء وغيرة على الإسلام والمسلمين، فأعجب بذلك كله أيما إعجاب، واستمرت هذه الصلة إلى الآن، وما كان لله دام واتصل.

طريق التصوف(الدعوة والداعية، ص65):

ومن الموضوعات التى أتحفنا بها بمناسبة آخر العام الدراسى، وكان بالنسبة لى ولفرقتى، العام النهائى، سنة 1927م، هذا الموضوع: اشرح أعظم آمالك بعد إتمام دراستك، وبين الوسائل التى تعدها لتحقيقها.

وقد أجبت عنه بهذا الموضوع: أعتقد أن خير النفوس تلك النفس الطيبة التى ترى سعادتها فى إسعاد الناس وإرشادهم، وتستمد سرورها من إدخال السرور عليهم، وذود المكروه عنهم، وتعد التضحية فى سبيل الإصلاح العام ربحاً وغنيمة، والجهاد فى الحق والهداية- على توعر طريقهما وما فيه من مصاعب ومتاعب- راحة ولذة، وتنفذ إلى أعماق القلوب فتشعر بأدوائها، وتتغلغل فى مظاهر المجتمع، فتتعرف ما يعكر على الناس صفاء عيشهم ومسرة حياتهم، وما يزيد فى هذا الصفاء، ويضاعف تلك المسرة، لا يحدوها إلى ذلك إلا شعور بالرحمة لبنى الإنسان، وعطف عليهم، ورغبة شريفة فى خيرهم، فتحاول أن تبرئ هذه القلوب المريضة، وتشرح تلك الصدور الحرجة، وتسر هاته النفوس المنقبضة، لا تحسب ساعة أسعد من تلك التى تنقذ فيها مخلوقاً من هوة الشقاء الأبدى أو المادى، وترشده إلى طريق الاستقامة والسعادة.

وأعتقد أن العمل الذى لا يعدو نفعه صاحبه، ولا تتجاوز فائدته عامله، قاصر ضئيل، وخير الأعمال وأجلها ذلك الذى يتمتع بنتائجه العامل وغيره، من أسرته وأمته وبنى جنسه، وبقدر شمول هذا النفع يكون جلاله وخطره، وعلى هذه العقيدة سلكت سبيل المعلمين، لأنى أراهم نوراً ساطعاً يستنير به الجمع الكثير ويجرى فى هذا الجمع الغفير، وإن كان كنور الشمعة التى تضئ للناس باحتراقها.

وأعتقد أن أجلَّ غاية يجب أن يرمى الإنسان إليها، وأعظم ربح يربحه أن يحوز رضا الله عنه، فيدخله حظيرة قدسه، ويخلع عليه جلابيب أنسه، ويزحزحه عن جحيم عذابه، وعذاب غضبه.. والذى يقصد إلى هذه الغاية يعترضه مفرق طريقين، لكل خواصه ومميزاته، يسلك أيهما شاء:

أولهما: طريق التصوف الصادق، الذى يتلخص فى الإخلاص والعمل، وصرف القلوب عن الاشتغال بالخلق خيرهم وشرهم، وهو أقرب وأسلم.

ثانيهما: طريق التعليم والإرشاد، الذى يجامع الأول فى الإخلاص والعمل، ويفارقه فى الاختلاط بالناس، ودرس أحوالهم وغشيان مجامعهم ووصف العلاج الناجح لعللهم. وهذا أشرف عند الله وأعظم، ندب إليه القرآن العظيم، ونادى بفضله الرسول الكريم r، وقد رجح الثانى(نلاحظ هنا الانسلاخ الواضح من الصوفية التى أظهر أنه من أهلها، وإعلان وهابيته المستترة تحت جنح منهج التعليم والإرشاد، وكأن التصوف يخلو منهما!!) - بعد أن نهجت الأول- لتعدد نفعه، وعظيم فضله، ولأنه أوجب الطريقين على المتعلم وأجملهما بمن فقه شيئاً )لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون(.

رجال الطرق الصوفية(الدعوة والداعية، ص80 )

وأما رجال الطرق الصوفية فقد كانوا كثرة كثيرة فى هذا البلد الطيبة- الإسماعيلية- قلوب أهله، وكان يتردد عليهم الكثير من الشيوخ، ولا أنسى مجالس الشيخ حسن عبد الله المسلمى والشيخ عبود الشاذلى، والشيخ عبد الوهاب الدندراوى وغيرهم، وفى هذه الفترة زار الإسماعيلية الشيخ عبد الرحمن سعد وهو من خلفاء الشيخ الحصافى، فهو أخونا فى الطريق حينذاك، وكان يدرس ويعظ، ويرأس بعد ذلك حلقة الذكر، فقصد المسجد ولم أكن أعرفه ولا يعرفنى ودرس ووعظ، ثم دعا الناس إلى الذكر، فرأيت أسلوب الطريقة الحصافية وتعرفت إليه أخيراً.

ولكن الحق أننى لم أكن متحمساً لنشر الدعوة على أنها طريق خاص لأسباب أهمها: أننى لا أريد الدخول فى خصومة مع أبناء الطرق الأخرى، وأننى لا أريد أن تكون محصورة فى نفر من المسلمين، ولا فى ناحية من نواحى الإصلاح الإسلامى، ولكنى حاولت جاهداً أن تكون دعوة عامة قوامها العلم والتربية والجهاد، وهى أركان الدعوة الإسلامية الجامعة، ومن أراد بعد ذلك تربية خاصة فهو وما يختار لنفسه، ولكنى مع هذا أكرمت الشيخ عبد الرحمن وأحسنت استقباله، ودعوت الراغبين فى الطريق إلى الأخذ عنه والاستماع إليه حتى سافر.

كما تعرفت فى هذه الفترة إلى السيد محمد الحافظ التيجانى الذى جاء إلى الإسماعيلية خصيصاً ليحذر من دسائس البهائيين ومكايدهم، وقد كان لهم فى هذا الوقت دعوة ودعاة فى هذه النواحى، تقوى وتشتد وتنتشر، فأبلى البلاء الحسن فى تحذير الناس منهم، وكشف خدعهم وأباطيلهم والرد عليهم، وقد أعجبت بما رأيته من علمه وفضله ودينه وغيرته وناقشته طويلاً- وكنا نسهر ليالى عدة- فيما يأخذ الناس على التيجانية من غلو ومبالغة ومخالفات، فكان يؤول ما يحتمل التأويل، وينفى ما يصطدم بالعقيدة الإسلامية الصافية ويبرأ منه أشد البراءة.

كانت طريقتى مع هؤلاء الشيوخ الكثيرين الذين يزورون الإسماعيلية أن أتأدب معهم بأدب الطريق وأخاطبهم بلسانها، ثم إذا خلونا معاً شرحت لكل منهم حال المسلمين وجهلهم بأوليات دينهم، وتفكك رابطتهم، وغفلتهم عن مصالحهم الدينية والدنيوية، وما يهددهم من أخطار جسام فى كيانهم الدينى بزحف الإلحاد والإباحية على معسكراتهم، وفى كيانهم الدنيوى بغلبة الأجانب على خيرات بلادهم، وكان المعسكر غرب الإسماعيلية، ومكاتب شركة قناة السويس فى شرقها مدداً لا ينضب من الأمثلة على ذلك، أذكرهم بالتبعة التى على كاهلهم لهؤلاء الأتباع الذين وثقوا بهم وأسلموهم قيادهم، ليدلوهم على الله ويرشدوهم إلى الخير، ثم أطلب إليهم فى النهاية التربية الإسلامية الصحيحة، وجمع كلمتهم على عزة الإسلام والعمل على إعادة مجده.

ولا زلت أذكر مقابلة قابلت فيها الشيخ عبد الوهاب الدندراوى رحمه الله، فرأيت شاباً فى سنى تقريباً، فى العشرين أو الحادية والعشرين من عمره، وفيه صلاح وخير، فجلست معه موقراً إياه كل التوقير، حتى إذا انتهى المجلس العام طلبت أن أخلوا به فى حجرة خاصة، ولما دخلت خلعت طربوشى فوضعته على كرسى وخلعت عمامته ووضعتها إلى جوار الطربوش، وهو يستغرب هذا العمل الذى لم يفاجأ به من أحد من قبل، وقلت له: يا أخى لا تنتقدنى فى هذا العمل فإنما فعلته لأقضى على الفارق الشكلى بينى وبينك، ولأخاطب فيك الشاب المسلم عبد الوهاب الدندراوى فقط، أما الشيخ عبد الوهاب الدندراوى فقد تركناه فى المجلس العام، إنك يا أخى فى العشرين من عمرك، وكلك والحمد لله شباب وقوة وحماسة.. ها أنت ذا ترى هذه الجموع، التى جمعها الله عليك، لتقضى الليل فى ذكر ونشيد، ثم لا شئ بعد ذلك، والكثير منهم شأنه من شأن غيره من المسلمين؛ جهالة بالدين، وبعد عن الشعور بعزة الإسلام وكرامته فهل ترضى هذا؟.

فقال: وماذا أصنع؟!.

قلت: العلم والتنظيم والرقابة، وتربيتهم على سيرة سلفنا الصالح، وتاريخ أبطالنا المجاهدين، وكان كلام طويل بيننا حول هذه المعانى، تأثر به الشيخ تأثراً عميقاً، وتعاهدنا معاً على العمل، أخوين لخدمة الإسلام العام وتركيز دعوته فى النفوس، كل فى ميدانه ومحيطه، وأشهد أنه ما جاء الإسماعيلية بعد ذلك إلا بدأ بزيارتى وتطمينى بأنه على العهد مقيم حتى توفى رحمه الله وجزاه عن الوفاء خيراً.

الخلاصة:

وخلاصة هذا الفصل أن الشيخ حسن البنا الساعاتى وجماعته تقربت من الصوفية فى البداية لأن المجتمع المصرى كان صوفيا، ويلفظ أى جسم غريب عن التصوف، فأعلن الشيخ وأتباعه صوفيتهم فى البداية ثم تحولوا بعد ذلك، وتنكروا للصوفية والتصوف، وفاء الوهابية والمدد النجدى، تنفيذاً للمخطط الإنجليزى للملك عبد العزيز آل سعود!!.
http://www.islamwattan.com/indexwb1.php

8:38 PM  
Anonymous عبدالله المصري said...

بسم الله الرحمن الرحيم

أخاطبكم بصفتكم أحد أنشط بؤر التفاعل فى هذا الوطن , وأعلم أنكم توقنون كما أوقن ويوقن كل شريف مخلص فى هذا البلد أننا نعيش لحظة فارقة بين تاريخ وتاريخ , وأن ما هو آت أيا ما كان إنما يمثل نتيجة تفاعلنا مع هذه اللحظة الفارقة فى تاريخ مصر , وفى كل الأحوال تنحصر تلك النتيجة فى احتمالين اثنين فإما النجاح وإما الفشل , فان كان النجاح فقد انتقلنا إلى زمن لم نكن نحلم ببلوغه وذلك لتواضع أحلامنا دائما إذا ما قورنت بما لهذا البلد من قوة , وان كان الفشل فقد انتقلنا إلى زمن سنتحسر فيه على أيامنا هذه وذلك لتواضع إدراكنا بأبعاد ومخاطر الكارثة التى يحياها هذا البلد .
كذلك فلا يمكننا تجنب المخاطرة وتفويت هذه اللحظة الفارقة لأن عواقب استمرار الحال على ما هو عليه أخطر وأفدح من عواقب المحاولة والفشل .
وكونى جزءا من هذا الجسد المواجه بحتمية التحرك والمحاصر بهذه المخاطر والتهديدات فقد استعنت بالله وقمت بعمل بحث بعنوان ( ثورة الإخلاص وطريق الخلاص ) وهو بحث عن طريق نهضة مصر والعرب وصيغة العقد الاجتماعي المرتقب , اعتمدت فيه على حسابات العقل والمنطق المجردة من الهوى والمصالح الشخصية لضمان الوصول إلى النتيجة الصحيحة التى لا يمكن لعاقل ردها .
وعلى ذلك فهذا البحث وفى أفضل الأحوال قادر بفضل الله وحده على توحيد الصف المصري خلف فكرة قائدة واحدة تنجو به من هلاك محقق وتنهض به إلى ما يستحق , وفى أسوأ الأحوال فهو قادر على ترشيد التفاعل بين القوى الوطنية أفرادا وجماعات من خلال مناقشة بعض المواقف المشكوك فى إخلاصها أو ولائها أو إدراكها للواقع الذى نحياه .
ولكونكم أحد أنشط بؤر التفاعل فى هذا الوطن فأنا أهتم كثيرا باطلاعكم على هذا البحث الذى نشر فى كتاب وتقوم بتوزيعه وكالة الأخبار ويمكنكم زيارة المدونة المسجل عليها البحث من خلال العنوان التالى :
http://www.thawrtalekhlas.blogspot.com /
وفقنا الله وإياكم لما فيه خير البلاد والعباد .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
باسم محمد عبد الله

6:55 PM  
Anonymous قلم جاف said...

أستاذ نبيل .. أين أنت؟

9:21 AM  

Post a Comment

إضغط هتا للعوده للصفحه الرئيسيه