صدق أو لا تصدق :
الصوفى الشلمغانى يبيح الزنا واللواط ويعتقد أنه إله الآلهة
وإبراهيم الدسوقى بيده أبواب الجنة والنار يغلقها ويفتحها كيف شاء .
والصوفى أبو يزيد البسطامى يقول : إن بطشى أشد من بطش الله .
والصوفى التلمسانى -لعنه الله- يقول: القرآن كله شرك .
والسيد البدوى يأسر الفرنجة وهو على سطح منزله فى
طنطا فيأتون من الشام وهم يطيرون
.هذه سلسلة مقالات عن التصوف " اثنا عشر مقالة "
ملحوظة: لمن يريد المزيد من المراجع والأسانيد على ما سيذكر من غرائب في هذه السلسلة من المقالات , أن يتصل بالمؤلف على عنوانه البريدي الالكتروني ,
التصوف عقيدة تختلف عن الإسلام جذرياً ولا تمت لديننا الحنيف بصلة، وإنما تدثر الصوفيون بدثار الإسلام استمالة للناس وخداعاً للعامة واجتذاباً للسلاطين وأولى الأمر. ومن يطالع كتب الصوفيين التى سجلوا فيها ديانتهم وبهتانهم يكشف بيسر مدى ما هم عليه من ضلال وإفك مبين. ولما كان المرء مخبوءا تحت لسانه، فذلك قولهم ، اسمع إبراهيم الدسوقى المدفون فى دسوق إذ يقول: " أنا بيدى أبواب النار أغلقتها، وبيدى جنة الفردوس فتحتها، ومن زارنى اسكنته جنة الفردوس" . ويقول : " لقد وليت القطبائية – أى أصبح قطباً – فرأيت المشرقيْن والمغربيْن وما تحت النجوم، وصافحت جبريل عليه السلام " . ويقول الحسن الشاذلى (شيخ المرسى أبى العباس) فى حزبه : (اللهم أدرج أسمائى تحت أسمائك، وصفاتي تحت صفاتك، وأفعالي تحت أفعالك، وأغنني حتى تغنى بي، وأحينى حتى تحيا بى) . تعالى الله عما يصفون . ويقول المرسى أبو العباس المدفون فى الإسكندرية : لو كٌشف عن حقيقة الولي لعٌبد، لأن أوصافه من أوصافه- أى أوصاف الله – ونعوته من نعوته . ويقول الصوفى الشهير أبو يزيد البسطامي : "طاعتك لى يا رب أعظم من طاعتى لك"، كما يقول : "بطشى أشد من بطش الله بى" ، وذلك لما سمع قارئاً يقرأ "إن بطش ربك لشديد". وقال لبعض مريديه : "لأن ترانى مرة خير لك من أن ترى ربك ألف مرة". ويقول الشبلى : "ما فى الجبة إلا الله"، يقصد أنه هو الله .ويقول الدسوقي : "إنني سددت أبواب جهنم السبعة بفوطتى، وفتحتها لأعدائى وأدخلتهم فيها، وفتحت أبواب الجنة الثمانية بيدى، وأدخلت أمة محمد صلى الله عليه وسلم فيها، وصنج الميزان بيدى أصيِّر حسنات مريدى أثقل من سيئاته، ومسستها بيدى فصارت سيئات المنكرين علىّ أثقل من حسناتهم ولو كانوا مطيعين" , أى أنه سيمارس الغش والتدليس في الآخرة وبين يدي الله تعالى يوم الحساب. وذلك قليل من كثير مما ورد في كتبهم قاتلهم الله .واستأذن حياء القارئ وغيرته على الدين إذ استطرد ، " كان الصوفى ابن أبى الغراقيد وهو محمد بن على الشلمغانى، يعتقد أنه إله الآلهة، وقال : إن الله تعالى حلَّ فى آدم وابليس. وألًّف كتابه الحاسة السادسة صرَّح فيه برفض الشريعة وإباحة اللواط، وزعم أنه ايلاج نور الفاضل في المفضول، ولذا أباح أتباعٌه نساءهم له، طمعاً فى إيلاج نوره فيهن. ,....... "وأن الحكمة أن يٌمتحن الناس بإباحة فروج نسائهم، وأنه يجوز أن يجامع الإنسان من شاء من ذوى رحمه، ورحم صديقه وابنه بعد أن يكون على مذهبه . وكان- قاتله الله – يسمىِّ محمداً صلى الله عليه وسلم، وموسى عليه السلام بالخائنيْن، زعماً منه أن هارون أرسل موسى، وأن علياً كرم الله وجهه أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم، فخاناهما وحكم الفقهاء بقتله، فصلب في خلافه الراضي سنة 322 هجرية" . ويقول ابن عربى وهو محيي الدين محمد بن على الأندلسي المعروف بالشيخ الأكبر والكبريت الأحمر وهو إمام الصوفيين، المولود سنة 560 هـ فى مرسيه – بلد المرسى أبى العباس – يقول : "الرجل والمرأة صورتان من صور الله، يعنى حقيقته تتجلى في صورتىْ رجل وامرأة – تعالى الله علوا كبيراً عما يصفون – وفى حالة المواقعة يسمى الرجل فاعلاً والمرأة منفعله" .ويقول ابن الفارض المعروف عند الصوفية باسم سلطان العاشقين، وقد ادعى الألوهية أيضاً كدأب أقطاب الصوفيين، قال في قصيدته المطوَّلة (حوالى 800 بيت) والمعروفة باسم التائية والتى يخاطب فيها الله تعالى بضمير المؤنث، قال: (إن لٌبْنَى وبثينة وعزَّة وليلى – عاشقات شهيرات – ما هن إلا الذات الإلهية تعينت في صورة الغوانى العاشقات، وأن قيساً وجميلاً وكثيرِّ وعامرا، عشاق أولئك النسوة، ما هم إلا الذات الإلهية تعينت في صورة هؤلاء العشاق. فمن خصائص الإله الصوفي أنه يتجلى في صورة رجل عاشق، وفي صورة امرأة عاشقة، وأنه حين يعشق فإنما يعشق نفسه، فهو العاشق والمعشوق والعشق .. وبهذا لقبوه – أى ابن الفارض – بسلطان العاشقين". وللصوفيين غير ذلك من سخيف الأقوال ما يستنطق الأفواه بذمهم .تلك كانت بعض كفرياتهم وأباطيلهم التى ادعوا فيها الألوهية واجترأوا بها على الله جل جلاله. كما لم يفتهم الاجتراء على سيدنا محمدً صلى الله عليه وسلم والافتراء عليه. يقول ابن عجيبة فى شرحه لحكم ابن عطاء الله السكندرى، يقول : "وأما واضع هذا العلم – أى التصوف – فهو النبى صلى الله عليه وسلم، علّمه الله له بالوحى والإلهام، فنزل جبريل أولاً بالشريعة، فلما تقررت نزل ثانياً بالحقيقة، فخص بها بعضاً دون بعض" ، وهذا اتهام صريح للرسول صلى الله عليه وسلم بأنه لم يبلغ بعض ما أٌنزل اليه، وبأنه هوى مع الهوى فخص به بعضاً" وما أفدح بهتانهم أن التصوف مما أوحى به للنبى . كذلك اجترأوا على القرآن الكريم، فيقول التلمسانى أحد اقطاب الصوفية : "القرآن كله شرك، والتوحيد فى كلامنا"- أى فى كلام الصوفيين .
ومن يتأمل أقوال المتصوفين يرى أنهم مرضى نفسيون وعقليون. قال أبو يزيد البسطامى، وهو من أقطابهم،: وما النار؟ والله لئن رأيتها لأطفئنها بطرف مرقعتى. ويقول فى موضع آخر : سبحانى سبحاني، أنا ربي الأعلى. وسٌئل عن اللوح المحفوظ، فقال: أنا اللوح المحفوظ. ويقول : "إنى أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدونِ" . "وقال الشبلى: إن لله عباداً لو بزقوا على جهنم لأطفأوها"
وليس أدل على أنهم كفرة عٌتَهَاء من قولهم : (إن رتبة الكمال لا تحصل إلا لمن رأى أهله – زوجته – مع أجنبى – أى يضاجعها – فلم يقشعر جلده، فإن اقشعر جلده فهو ملتفت إلى حظ نفسه ولم يكمل إيمانه بعد) . انتهى المقال الأول في أباطيل الصوفية ويليه بإذن الله أحد عشر مقالا .
نبيل هلال
الصوفى الشلمغانى يبيح الزنا واللواط ويعتقد أنه إله الآلهة
وإبراهيم الدسوقى بيده أبواب الجنة والنار يغلقها ويفتحها كيف شاء .
والصوفى أبو يزيد البسطامى يقول : إن بطشى أشد من بطش الله .
والصوفى التلمسانى -لعنه الله- يقول: القرآن كله شرك .
والسيد البدوى يأسر الفرنجة وهو على سطح منزله فى
طنطا فيأتون من الشام وهم يطيرون
.هذه سلسلة مقالات عن التصوف " اثنا عشر مقالة "
ملحوظة: لمن يريد المزيد من المراجع والأسانيد على ما سيذكر من غرائب في هذه السلسلة من المقالات , أن يتصل بالمؤلف على عنوانه البريدي الالكتروني ,
التصوف عقيدة تختلف عن الإسلام جذرياً ولا تمت لديننا الحنيف بصلة، وإنما تدثر الصوفيون بدثار الإسلام استمالة للناس وخداعاً للعامة واجتذاباً للسلاطين وأولى الأمر. ومن يطالع كتب الصوفيين التى سجلوا فيها ديانتهم وبهتانهم يكشف بيسر مدى ما هم عليه من ضلال وإفك مبين. ولما كان المرء مخبوءا تحت لسانه، فذلك قولهم ، اسمع إبراهيم الدسوقى المدفون فى دسوق إذ يقول: " أنا بيدى أبواب النار أغلقتها، وبيدى جنة الفردوس فتحتها، ومن زارنى اسكنته جنة الفردوس" . ويقول : " لقد وليت القطبائية – أى أصبح قطباً – فرأيت المشرقيْن والمغربيْن وما تحت النجوم، وصافحت جبريل عليه السلام " . ويقول الحسن الشاذلى (شيخ المرسى أبى العباس) فى حزبه : (اللهم أدرج أسمائى تحت أسمائك، وصفاتي تحت صفاتك، وأفعالي تحت أفعالك، وأغنني حتى تغنى بي، وأحينى حتى تحيا بى) . تعالى الله عما يصفون . ويقول المرسى أبو العباس المدفون فى الإسكندرية : لو كٌشف عن حقيقة الولي لعٌبد، لأن أوصافه من أوصافه- أى أوصاف الله – ونعوته من نعوته . ويقول الصوفى الشهير أبو يزيد البسطامي : "طاعتك لى يا رب أعظم من طاعتى لك"، كما يقول : "بطشى أشد من بطش الله بى" ، وذلك لما سمع قارئاً يقرأ "إن بطش ربك لشديد". وقال لبعض مريديه : "لأن ترانى مرة خير لك من أن ترى ربك ألف مرة". ويقول الشبلى : "ما فى الجبة إلا الله"، يقصد أنه هو الله .ويقول الدسوقي : "إنني سددت أبواب جهنم السبعة بفوطتى، وفتحتها لأعدائى وأدخلتهم فيها، وفتحت أبواب الجنة الثمانية بيدى، وأدخلت أمة محمد صلى الله عليه وسلم فيها، وصنج الميزان بيدى أصيِّر حسنات مريدى أثقل من سيئاته، ومسستها بيدى فصارت سيئات المنكرين علىّ أثقل من حسناتهم ولو كانوا مطيعين" , أى أنه سيمارس الغش والتدليس في الآخرة وبين يدي الله تعالى يوم الحساب. وذلك قليل من كثير مما ورد في كتبهم قاتلهم الله .واستأذن حياء القارئ وغيرته على الدين إذ استطرد ، " كان الصوفى ابن أبى الغراقيد وهو محمد بن على الشلمغانى، يعتقد أنه إله الآلهة، وقال : إن الله تعالى حلَّ فى آدم وابليس. وألًّف كتابه الحاسة السادسة صرَّح فيه برفض الشريعة وإباحة اللواط، وزعم أنه ايلاج نور الفاضل في المفضول، ولذا أباح أتباعٌه نساءهم له، طمعاً فى إيلاج نوره فيهن. ,....... "وأن الحكمة أن يٌمتحن الناس بإباحة فروج نسائهم، وأنه يجوز أن يجامع الإنسان من شاء من ذوى رحمه، ورحم صديقه وابنه بعد أن يكون على مذهبه . وكان- قاتله الله – يسمىِّ محمداً صلى الله عليه وسلم، وموسى عليه السلام بالخائنيْن، زعماً منه أن هارون أرسل موسى، وأن علياً كرم الله وجهه أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم، فخاناهما وحكم الفقهاء بقتله، فصلب في خلافه الراضي سنة 322 هجرية" . ويقول ابن عربى وهو محيي الدين محمد بن على الأندلسي المعروف بالشيخ الأكبر والكبريت الأحمر وهو إمام الصوفيين، المولود سنة 560 هـ فى مرسيه – بلد المرسى أبى العباس – يقول : "الرجل والمرأة صورتان من صور الله، يعنى حقيقته تتجلى في صورتىْ رجل وامرأة – تعالى الله علوا كبيراً عما يصفون – وفى حالة المواقعة يسمى الرجل فاعلاً والمرأة منفعله" .ويقول ابن الفارض المعروف عند الصوفية باسم سلطان العاشقين، وقد ادعى الألوهية أيضاً كدأب أقطاب الصوفيين، قال في قصيدته المطوَّلة (حوالى 800 بيت) والمعروفة باسم التائية والتى يخاطب فيها الله تعالى بضمير المؤنث، قال: (إن لٌبْنَى وبثينة وعزَّة وليلى – عاشقات شهيرات – ما هن إلا الذات الإلهية تعينت في صورة الغوانى العاشقات، وأن قيساً وجميلاً وكثيرِّ وعامرا، عشاق أولئك النسوة، ما هم إلا الذات الإلهية تعينت في صورة هؤلاء العشاق. فمن خصائص الإله الصوفي أنه يتجلى في صورة رجل عاشق، وفي صورة امرأة عاشقة، وأنه حين يعشق فإنما يعشق نفسه، فهو العاشق والمعشوق والعشق .. وبهذا لقبوه – أى ابن الفارض – بسلطان العاشقين". وللصوفيين غير ذلك من سخيف الأقوال ما يستنطق الأفواه بذمهم .تلك كانت بعض كفرياتهم وأباطيلهم التى ادعوا فيها الألوهية واجترأوا بها على الله جل جلاله. كما لم يفتهم الاجتراء على سيدنا محمدً صلى الله عليه وسلم والافتراء عليه. يقول ابن عجيبة فى شرحه لحكم ابن عطاء الله السكندرى، يقول : "وأما واضع هذا العلم – أى التصوف – فهو النبى صلى الله عليه وسلم، علّمه الله له بالوحى والإلهام، فنزل جبريل أولاً بالشريعة، فلما تقررت نزل ثانياً بالحقيقة، فخص بها بعضاً دون بعض" ، وهذا اتهام صريح للرسول صلى الله عليه وسلم بأنه لم يبلغ بعض ما أٌنزل اليه، وبأنه هوى مع الهوى فخص به بعضاً" وما أفدح بهتانهم أن التصوف مما أوحى به للنبى . كذلك اجترأوا على القرآن الكريم، فيقول التلمسانى أحد اقطاب الصوفية : "القرآن كله شرك، والتوحيد فى كلامنا"- أى فى كلام الصوفيين .
ومن يتأمل أقوال المتصوفين يرى أنهم مرضى نفسيون وعقليون. قال أبو يزيد البسطامى، وهو من أقطابهم،: وما النار؟ والله لئن رأيتها لأطفئنها بطرف مرقعتى. ويقول فى موضع آخر : سبحانى سبحاني، أنا ربي الأعلى. وسٌئل عن اللوح المحفوظ، فقال: أنا اللوح المحفوظ. ويقول : "إنى أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدونِ" . "وقال الشبلى: إن لله عباداً لو بزقوا على جهنم لأطفأوها"
وليس أدل على أنهم كفرة عٌتَهَاء من قولهم : (إن رتبة الكمال لا تحصل إلا لمن رأى أهله – زوجته – مع أجنبى – أى يضاجعها – فلم يقشعر جلده، فإن اقشعر جلده فهو ملتفت إلى حظ نفسه ولم يكمل إيمانه بعد) . انتهى المقال الأول في أباطيل الصوفية ويليه بإذن الله أحد عشر مقالا .
نبيل هلال
إضغط هتا للعوده للصحه الرئيسيه
إضغط هنا للأتصال بنا

12عددالتعليقات =
مقال ممتاز ونرجو ان تتحفنا بمقالات مماثله فنحن فى حاجه ماسصه لمثل هذه المقالات
لاحول ولا قوة الا بالله
عندنا في الشام (شام شريف)اناس
حللت بطرقة ما الرشوة وأسمته هبة
وسرد المتكلم قصة حدثت مع الامام النووي وأحد سفهاء الشام حين سرق طاقية النووي حينها طلب الامام من السفيه
القصة طويلة والشرح يعجزني كوني كنت من تلامذة ومريدي الدكتور :غفر الله له ولي كونه يتكلم هذه الأيام كشيخ الأزهر (الامام الآكبر )لم يعد هناك رجال مثل المرحوم الشيخ الكشك
فإن اكبر دليل على عدم وثوق هذا الرأي للكاتب أنه لم يظهر عنوانه او سيرته مكانته بين العلماء وكذا قد انتقد أكابر الأولياء ايضا في هذه المقالة وعنوان المقالة ايضا خطأ في علم النحو ولعله لا يعرف ذلك
فقد ابتليت طوائف من الناس بعقائد فاسدة زائغة مضلة ليست من الإسلام، وأدخلت على الناس باسم الدين ليهون على أصحابها التلبيس على الأمة فى عقائدها.
ولما كان التحذير من الغشاش الذى يغش فى البيوع واجباً كان التحذير ممن يغش المسلمين فى دينهم أوجب، فلذلك نقوم بتبيان عقائد أناس قد انتشرت مؤلفاتهم بين كثير من العامة. ومن هؤلاء أشخاص وجماعات يتسترون باسم الإسلام وهم له مخالفون، وعقائدهم وعقائد اليهود والنصارى واحدة فى مؤلفاتهم وأفكارهم.. وهؤلاء هم (المكفرون).
إن الانقضاض على الأمة الإسلامية وانتهاك مقدساتها وتفتيت وحدة أراضيها وشرذمة بنيها وتشريدهم وتقتيلهم كان دوما هدفاً رئيسياً للغزو الاستعمارى الغاشم لبلادنا من قبل القوى الحاقدة على الإسلام والمسلمين منذ البعثة المحمدية، فالهجمات الاستعمارية الشرسة كانت الغاية منها محاربة الإسلام ومقاتلة أتباع النبى الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام. ولا ينبغى لنا أن نغفل عن دور اليهود فى نشر المكائد وبث بذور التفرقة والتشتت بين المسلمين سابقاً وحديثاً.
فمن هنا، كان تعاظم نمو الحركات المتطرفة المتسترة باسم الإسلام فى النصف الثانى من القرن العشرين يأتى منسجماً تمام الانسجام مع ما يخطط له أعداء الأمة من أجل ضربها وإضعافها وزرع بذور الخلاف فى صفوفها، وبإمكاننا القول: إن هذه الحركات المتطرفة الهدامة -التى يمدها المكفرون بالمال الحرام والفكر الضال- هى مرتكز أساس فى هذا المخطط الاستعمارى التفتيتى.
لقد تعددت الأساليب والوسائل التى يستخدمها أعداء الحق فى محاربتهم له، ولكن الأسلوب الأخطر الذى يتبعه الحاقدون كان أسلوب التشويش على عقائد المسلمين عن طريق استخدام أدواتهم المحليين المنتسبين إلى الإسلام ممن ألبسوهم زى العلماء ليفسدوا على الناس دينهم، ويموهوا عليهم لنشر عقائد الضلال والفساد باسم العلم والعلماء.
هذا الأسلوب هو لب بحثنا ومن خلاله نسلط الأضواء على بعض الأشخاص والجماعات التكفيرية التى استخدمتهم قوى الحقد من اليهود وأمثالهم لبث سمومهم فى مجتمعات المسلمين، ويظهر لك جلياً واضحاً اتفاقهم مع اليهود والنصارى فى المعتقد والممارسات. كتكفيرهم للمخالفين لهم مع ادعائهم بأنهم الفرقة الناجية، ومن إدخالهم عقيدة التثليث فى الإسلام، ومن أنهم خلاصة أهل العصر من المسلمين، مع ما سيظهر لك من أن تطرفهم باسم الدين ونمو حركاتهم داخل المجتمعات الإسلامية هو من أبرز وجوه التآمر على الإسلام.
لقد أقبل الناس على الإسلام- الذى رأوه- كما يقول"مونتيه-: (عقلانى الجوهر، بأوسع معانى هذه الكلمة..) أقبلوا عليه (دون أية محاولة للإرغام والاضطهاد..)- كما يقول"أرنولد"، فى كتابه (الدعوة إلى الإسلام).
فالمد الدينى الإسلامى، التاريخى، كانت له أسبابه المنطقية والواقعية.. إفلاس للمسيحية التى أخرجتها الثقافة الهلينية عن حقيقتها الإلهية، وعقدتها حتى أعجزتها عن تلبية الاحتياجات الإيمانية والروحية للإنسان.. فى ذات الوقت الذى شهد حيوية الإسلام وبساطته وعقلانيته.. فكان أن دخل نصارى الشرق فى الإسلام أفواجاً، دونما اضطهاد أو إكراه..
والذين يتتبعون تاريخ التنصير وجهود المنصرين، وخاصة فى المحيط الإسلامى، يشعرون بالازدراء لهؤلاء الذين حلموا بالمستحيل، عندما توهموا إمكانية إخراج المسلمين من الإسلام إلى النصرانية.. فمع قدم محاولات التنصير ونشاط المنصرين إلا أن استعصاء الإسلام والمسلمين على هذه المحاولات قد ظل سببا فى إحساس المسلمين بانعدام جدية، ومن ثم خطر، هذه المحاولات!..
لكن الغارة الاستعمارية الغربية الحديثة على العالم الإسلام، وإن لم تصحبها تغيرات فى الإيمان النصرانى ونهضة فى التدين بالنصرانية، وصحوة نصرانية بين النصارى، قد صحبها مد فى نشاط التنصير فى عالم الإسلام؟!..
وهذا هو اللا منطق واللا أخلاق فى المد التنصيرى الذى جاءنا من الغرب، منذ النصف الثانى من القرن التاسع عشر الميلادى.. والذى تتصاعد موجاته وتتزايد مخاطره منذ منتصف القرن العشرين!!..
والفرقة التكفيرية التى ما هى فى الحقيقة إلا فتنة يقف ورائها الاستعمار البغيض- كما يدل على ذلك تاريخها- تستهدف:
1- الحط من مكانة وأهمية الشخصيات الدينية منعاً من التفاف الناس حولها، وحول آثارها ومبادئها.
2- إبراز الإسلام فى صورة الدين الجاف الجامد الذى لا يقبل التطبيق فى العصور المختلفة.
3- إيجاد الفرقة والاختلاف فى صفوف المسلمين للحيلولة دون وحدتهم، وتآخيهم.
4- محو آثار الرسالة بهدف تعريض أصالتها للإبهام والغموض الذى من شأنه أن يحول الإسلام إلى قضية أسطورية لا جذور واضحة لها فى التاريخ.
ومن هنا تحتم على المفكرين المسلمين المخلصين التصدى لهذا المخطط الاستعمارى الخطير، الذى تستر وراء قناع مذهبى، واتخذ من "التوحيد" واجهة لمقاصده.
لقد جاء التنصير والمنصرون فى ركاب الغزاة..وليس تعبيرا عن صحوة إيمانية نصرانية فى المجتمعات الغربية.. بل لقد كان الأمر على العكس من ذلك تماماً.. فمع تصاعد إفلاس النصرانية وكنائسها فى الغرب، بعد أن عزلتها العلمانية عن كل معارف وتطبيقات العمران الحضارى، بل وحتى عن معايير الأخلاق الإنسانية، يتزايد مد النشاط التنصيرى، وبين المسلمين على وجه التحديد؟!..
بل إن اللا منطق واللا أخلاق فى هذه المفارقة يتزايدان عندما نعلم أن تصاعد النشاط التنصيرى قد حدث لإجهاض اليقظة الإيمانية والصحوة الدينية بين المسلمين؟!.. فبدلا من أن تركز الكنائس الغربية جهودها لإنقاد الدين والتدين فى بلادها، وتخليص إنسانها من المادية والشك واللا أدرية والإلحاد والانحلال الذى يفتك بدنياه وبحضارته، فضلا عن بوار آخرته.. وبدلا من تركيزها النشاط فى بؤر المادية والوثنية.. نراها تصعد من نشاطها لتنصير المسلمين الموحدين، الذين يشهدون يقظة إسلامية تزيد من التزامهم بحدود الدين وأخلاقيات الإيمان!!..
ونحن لا نميل إلى اتهام هذه الكنائس الغربية بـ "العبثية" فى موقفها هذا الذى يمثل مفارقة من المفارقات الغريبة.. وإنما نرى فى حمى التنصير التى تملكتها، وخاصة فى العقود الأخيرة- والتى جسدها مؤتمر كولورادو فى مايو 1978م- جزءاً من ذلك التصاعد فى هيمنة الحضارة الغربية العلمانية، على حضارات الأمم الأخرى، وعلى الحضارة الإسلامية بالذات.. فمفهوم ومنطقى- من وجهة نظر الهيمنة الغربية- أن تتصاعد الضغوط الغربية لتحول بين اليقظة الإسلامية وبين النهضة الحضارية التى تسد ثغرات التدخل الغربى والاختراق الأجنبى.. ومفهوم كذلك ومنطقى أن تحرك قوى ودوائر ومؤسسات هذه الهيمنة الغربية، كنائس الغرب ومؤسسات التنصير فيه لتعلن هى الأخرى حربها الدينية، التى تصاعد بها مؤتمر كولورادو من (التنصير فى صفوف المسلمين) إلى (تنصير كل المسلمين، وطى صفحة الإسلام، واقتلاعه من الجذور)؟!!.
* * *
إننا أمام خطر حقيقى.. ومخطط خطير وخبيث.. يستهدف أغلى ما نملك- إسلامنا- .. ويستهدف وجودنا الذى يتمحور حول الإسلام؟!.
وهو خطر قديم، قدم الإسلام.. لكنه قد بلغ- بعد تجنيد المكفرين- مستوى لم يبلغه عبر التاريخ الطويل لصراعنا مع الغرب الحضارى، وصراع إسلامنا مع النصرانية واليهودية.. وإذا كانت يقظتنا الإسلامية المعاصرة هى أمضى أسلحتنا فى مقاومة هذا الخطر.. بل وفى نقل المعركة إلى قلب الغرب ذاته!.. فإن الثغرات التى فتحها الغرب فى جدار المقاومة الإسلامية- من الفكر العلمانى والمادى.. إلى تغريب النصرانية الشرقية، وإغراء كنائسها لتكوين أوكارا للتنصير.. إلى التبعية السياسية والاقتصادية والعسكرية.. إلى الكيان الصهيونى- الذى يتخذ له الآن موقعا فى مقاومة الإسلام بعد انهيار الشيوعية.. إلخ ..- إن هذه الثغرات التى فتحها الغرب فى جدار المقاومة الإسلامية، هى أخطر نقاط الضعف فى هذه المواجهة التى فرضها علينا المنصرون.. وإذا كانت يقظتنا الإسلامية هى مصدر قوتنا.. فإنها، أيضاً، هى السبيل لسد ثغرات الاختراق؟!.. بشرط أن نقضى على السوس الذى ينخر فينا من داخلنا والمتمثل فى المكفرين وأتباعهم.. وهذا ما نبهنا إليه سماحة السيد عز الدين ماضى أبو العزائم t بقوله: (تكفير+ تبشير= تنصير) وهذه الحقيقة.. بقدر ما هى مفتاح انتصارنا على هذا المخطط التنصيرى.. بقدر ما ستظل مجرد كلمات وحبر على ورق، إذا لم توضع على أرض الواقع "حياة" متجسدة فى عمل من خلال " المؤسسات" التى تفل حديد بروتوكولات قساوسة التنصير، وبروتوكولات حكماء صهيون، المجسـد هو الآخر فى "عمل" تمارسه "مؤسسات" ؟..
لذلك فإننا ندعو علماء الأمة ومفكريها أن يكون هذا الكتيب (ورقة عمل) لتقرير حجم الخطر المحدق بالإسلام والمسلمين بسبب هذا المخطط الجهنمى الكبير.
ثم هم- وهذا مهم جداً- قد اختلطت نصرانيتهم باليهودية- التى حدثتنا آيات القرآن عن أن أهلها- مع المشركين- هم أشد الناس عداوة للذين آمنوا (المائدة: 82،83). ويشهد على هذا التحول:
أ- النشأة (النصرانية- البروتستانتية) للمشروع الصهيونى؟!
ب- والمصالحة (النصرانية- اليهودية) فى مواجهة الإسلام والمسلمين؟! والشواهد عليها كثيرة.. من تبرئة اليهود من دم (صلب) المسيح، وهو مخالف لعقيدة (الخطيئة) النصرانية!.. إلى الاشتراك فى الخدمات الكنسية والصلوات بين الأحبار والقساوسة.. فضلاً عن التحالف فى مواجهة الإسلام، مع الوثنية المغولية قديماً، ومع الصهيونية، والعلمانية، واللا دينية حديثاً!!
جـ- ووصول الخلط والاختلاط إلى مستوى (الدين- الملفق) (اليهودى- النصرانى) أو الدين الإنجيلى (البروتستانت)، الذى أصبح أهله فى الغرب الآن يعدون بعشرات الملايين؟!
فنحن أمام خطر قديم.. يبلغ فى درجاته مستويات غير مسبوقة.. وتلك هى كلمتنا الكاشفة لهذا الخطر.. والداعية إلى مواجهته، على النحو اللائق بالذين أنعم الله عليهم بنعمة الإسلام.. وأشركهم معه- سبحانه وتعالى- ومع رسوله- r -فى"العزة": )..ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون( (المنافقون:8).
وجعلهم "الأعلون" بالإيمان بالإسلام: )ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين( (آل عمران: 139). وبها نكون قد بلغنا.. والله على ذلك شهيد.. وبها ندعو إلى مواجهة الخطر- بما بيناه..- وإنا لمنتظرون.. وعلى الله قصد السبيل.. فهو حافظ الدين.. ندعوه إلى تسديد خطانا على درب إقامة هذا الدين .. إنه سميع مجيب الدعاء.
شيخ الطريقة العزمية
السيد علاء أبو العزائم
الفصل الأول
تكفير
قد يطلق على بعض من الذنوب اسم الكفر أو الشرك أو النفاق أو نحو ذلك تعظيما للذنب، وتحذيراً منه، وتشبيهاً لمؤاخذته لعظمتها بمؤاخذة الكفر، وبيانا لأن مقتضى الإسلام والإيمان ألا يفعل ذلك الذنب، أو لأنه ربما انْجَرَّ بالذنب تلو الذنب إلى الكفر كما ورد فى الحديث:( إن فى قلب المؤمن نكتة بيضاء فإذا عصى الله اسود منها جانب وهكذا، إلى أن يتم سوادها، فذلك الذى طبع الله عليه) (ابن ماجة وأحمد).
كما جاء التهديد بالنار واللعن على ترك بعض المستحبات أو فعل بعض المكروهات، بياناً لتأكيد الاستحباب حتى كأنها واجبة، ولشدة الكراهية حتى كأنها محرمة، أو لأن التهاون بها ربما يجر إلى التهاون بالواجب وفعل المحرم كقول الحديث: (إن من ترك فرق شعره فرق بمنشار من نار) ونظير ذلك اللعن على فعل المكروه كلعن المحلل والمحلل له.
ومما ورد من إطلاق الكفر ونحو ذلك على الذنب فى القرآن قوله تعالى:)ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين( (آل عمران: 97). وفى الأحاديث قولهr: (لا ترجعوا بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) (البخارى ومسلم). وقوله r : (اثنان فى الناس هما بهما كفر، الطعن فى النسب، والنياحة على الميت) (البخارى ومسلم). وفى الحديث: (لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن) (البخارى وأبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجة) فهذا الحديث ينفى الإيمان عن المسلم فى حالة تلبسه بالمعصية لا مطلقاً، فدل أن المراد أن تلبسه بالمعصية خلاف مقتضى الإيمان، فنفى الإيمان عنه فى تلك الحال مجاز، تشبيها لمن لا يعمل بمقتضى إيمانه بغير المؤمن، نظير( لا صلاة لجار المسجد إلا فى المسجد) (البيهقى والدار قطنى والحاكم).
فمن فعل كل ما سبق عمداً استحلالاً لها فقد كفر، وإلا فهو زجر وتهويل.
إن الإسلام قول باللسان وعمل بالأركان، فمن كان مشركاً وتشهد الشهادتين ولم يأت بأعمال الإسلام لا يحكم بإسلامه، بخلاف المسلم الموحد المولود على فطرة الإسلام الملتزم بأحكامه الفاعل لها، إذا عصى بترك فرض يعتقد بوجوبه ويعلم أنه عاص بتركه.
وإن من تخرص من المكفرين بقوله تعالى: )فاقتلوا المشركين... فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم( (التوبة: 5). فالآية واردة حكماً فى الحالة الأولى، ولا يرد حكمها فى الحالة الثانية حالة ترك بعض شعائر الإسلام، فإيجاب القتال لا شاهد فيه على حلية قتل تارك الفرائض كسلاً فضلاً عن كفره، فإنه إن صح جواز القتال على ترك بعض الشعائر حتى المستحبة كالأذان والجماعة لاربط له بترك الفرض كسلاً.
ومن ثم فإنه لا يجوز الإقدام والتهجم بتكفير المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم وأعراضهم بأخبار غير ظاهرة، وبأقوال المكفرين.
أدلة توزيع الكفر والشرك بسخاء على المسلمين من كتب المكفرين
إن حكم المكفرين بكفر وشرك جميع المسلمين هو أساس مذهبهم ومحوره الذى يدور عليه لا يتحاشون منه، وكتبهم مشحونة بالتصريح به تصريحاً لا يقبل التأويل. ويعتمد المكفرون فى تكفير المسلمين على أقوال ابن تيمية فى رسالته"الواسطة" ورسالة "زيارة القبور"، ومنه أخذ المكفرون تكفير المسلمين، وعلى أساسه بنوا وزادوا، وصرح بذلك المكفرون فى عدة مواضع من رسائل الهدية السنية الخمس وغيرها.
1- يهجم ابن تيمية على قلوب كثير من المسلمين ويحكم عليهم بالشرك، وتخبط فى تعريف العبادة وعطف الاتباع على لفظ الجلالة فى قوله تعالى: )حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين( (الأنفال:64). فهو يظن أن المعنى حسبك الله والمؤمنون معه، وهذا غلط فاحش من ابن تيمية، ولكن المعنى الصحيح أى: حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين (راجع ص 306 من فتاوى ابن تيمية "المجلد الثانى").
2- كما يتضح من قول ابن عبد الوهاب فى رسالة "الأربعة قواعد"، ورسالة "كشف الشبهات" ففيها يقول: (إن شرك المسلمين أغلظ من شرك عبدة الأصنام، لأن أولئك يشركون فى الرخاء ويخلصون فى الشدة، وهؤلاء شركهم دائم فى الحالتين، ولأن أولئك يدعون مع الله أناساً مقربين عنده وأشجاراً وأحجاراً غير عاصية، وهؤلاء يدعون مع الله أناساً من أفسق الناس). وقد أطلق ابن عبد الوهاب فى رسالته (كشف الشبهات) اسم الشرك والمشركين على عامة المسلمين- عدا المكفرين- فيما يزيد على أربعة وعشرين موضعاً. وأطلق عليهم أيضاً اسم الكفر والكفار، وعباد الأصنام، والمرتدين، والمنافقين، وجاحدى التوحيد وأعداء الله، ومدعى الإسلام، وأهل الباطل، والذين فى قلوبهم زيغ والجهال والجهلة. راجع كتاب كشف الشبهات لابن عبد الوهاب.
وكان محمد بن عبد الوهاب إذا اتبعه أحد وكان قد حج حجة الإسلام يقول له: حج ثانياً فإن حجتك الأولى فعلتها وأنت مشرك فلا تقبل ولا تسقط عنك الفرض. وإذا أراد أحد الدخول فى عقيدته يقول له بعد الشهادتين: اشهد على نفسك أنك كنت كافراً، وعلى والديك أنهما ماتا كافرين، وعلى فلان وفلان- ويسمى جماعة من أكابر العلماء الماضيين- أنهم ماتوا كافرين، فإن شهد قبله وإلا قتله، وكان يصرح بتكفير الأمة منذ ستمائة سنة ويكفر من لا يتبعه، ويسميهم المشركين ويستحل دماءهم وأموالهم (راجع كتاب خلاصة الكلام، ص 229، 230)- راجع أيضاً كتاب (الدرر السنية فى الرد على الوهابية) للسيد أحمد بن زينى دحلان، ص81، 82. ط. لجنة البحوث والدراسات بالطريقة العزمية.
3- وصرح بذلك محمد بن إسماعيل الأمير اليمنى الصنعانى أحد ذيول المكفرين فى كتابه (رسالة تطهير الاعتقاد) فى عدة مواضع بأن كفر المسلمين كفر أصلى لا كفر ردة وصرح بالتكفير جملة. وأطلق الصنعانى فى كتابه (تطهير الاعتقاد)، اسم الشرك والمشركين على عامة المسلمين وذلك فيما يزيد عن ثلاثين موضعاً، وأطلق عليهم اسم الإلحاد والكفر والكفر الأصلى، وأنهم عبدوا غير الله وزادوا على عبادة الأصنام، وأطلق اسم الإله والصنم والوثن والند لله على من يستغيثون ويتبركون بالأنبياء والأولياء فى نحو عشرة مواضع.. راجع ص 7، 9، 17، 20، 22، من كتاب (تطهير الاعتقاد).
4- وأطلق أصحاب الهدية السنية- الهدية السنية: هى مجموع الرسائل التى تشرح دعوة محمد بن عبد الوهاب ومبادئها فى اثنى عشر مجلد، طبعتها جامعة محمد بن سعود بمناسبة مولد محمد بن عبد الوهاب المسمى أسبوع ابن عبد الوهاب-على المسلمين اسم الشرك، والإشراك، والشرك بالله، والشرك الأكبر، وأعظم الشرك، والشرك الوخيم، ومتخذى الشريك، والشرك الموجب لحلية المال والدم، والمشركين والمشركات، وأقبح المشركين، وأن ما عليه المسلمون هو من الجاهلية، فيما يزيد عن عشرين موضعاً، ووصفوهم بعبادة غير الله فيما يزيد عن عشرة مواضع، وسموا من يتوسل ويتبرك بالأنبياء والأولياء بالأصنام والأوثان، والأنداد لله فيما يزيد عن اثنى عشر موضعاً. راجع كتاب الهدية السنية ص 10، 15، 19، 20، وص 22، 28، 30، 34إلى ص 55، ومن ص 57إلى ص 107.
إن المكفرين قد هجموا على قلوب المسلمين فى ثرثرتهم السابقة، فإذا أحب الناس نبياً من الأنبياء أو ولياً من الأولياء حكموا عليهم بالشرك، لأنهم يعتبرون محبة الأنبياء والأولياء نوعاً من العبادة لغير الله، بينما التوحيد والإشراك يكونان فى أحوال القلب، وما فى القلوب لا يعلمه إلا علام الغيوب. وبالغوا فى حكمهم الفاجر بقول ابن تيمية: وإن كان يقول إنه يحبه لله، فهو كافر عنده. لأنه لا يصدق أقوال المسلمين وظواهرهم، ولا يكتفى منهم بما اكتفى به رسول الله r منهم فى قوله r: (إنى لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم) (رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة وأحمد).
وقوله r موبخاً مولاه أسامة - لما قتل الأعرابى الذى كان من المشركين بعد قوله: (لا إله إلا الله) حين رفع السيف عليه، معتذراً بأنه قالها خوفاً من السيف - : (هلا شققت عن قلبه حتى تعلم أنه قالها لذلك) (البخارى ومسلم وأحمد).
المكفرون فى خدمة من؟
- هل فكر المكفرون يوما بمصالح المسلمين الكبرى؟.
- هل فكروا يوما فى التصدى للمطامع الاستعمارية فى بلادنا الإسلامية؟.
- هل شغلهم الغزو الغربى لبلاد المسلمين؟.
- ماذا قدموا فى مواجهة النفوذ الصليبى والصهيونى فى بلاد الإسلام؟.
- ما هو موقفهم من الولاء للغرب, وفتح الأبواب أمامه ليبسط يديه على ثروات المسلمين وعلى سيادتهم وكرامتهم؟.
لم يعد شيئاً من ذلك خفيا على أحد, فما أن يفتح المسلم عينيه إلا ويدرك أن المكفرين هم أول خدام الاستعمار الغربى فى بلاد المسلمين.. وليس هذا فقط, بل إنك لو تتبعت تراث مؤسس مذهب التكفير وقادة التكفير الأوائل من بعده فلا تجد فيه أثراً لعمارة الأرض، وإقامة العدل, وإنصاف المظلوم، ومكافحة الفقر والجهل. ولا تجد فيه أثراً لتحسين وجه الحياة، وتحقيق التقدم العلمى والاقتصادى والاجتماعى، ولا أثراً للسلم والرخاء.
بل لا تجد فيه سوى تكفير المسلمين ورميهم بالشرك, وإيجاب قتالهم واستباحة دمائهم وأموالهم!!.
إن المكفرين برعوا فى إخراج أبناء المسلمين من الكليات العملية كالطب والهندسة والصيدلة والعلوم وغيرها، حتى يتمكن غير المسلمين من احتكار هذه الكليات لأبنائهم، وحتى لا يخرج من بين أبناء المسلمين عالم ينفع أمته، بل تحتاج الأمة إلى الطبيب والعالم غير المسلم وهو بدوره لن يقدم علمه إلا مقابل التنصير، إن المكفرين برعوا فى إبراز أمة الإسلام فى صورة الجهل والتخلف، وليس أدل على ذلك من فتوى ابن باز فى كتابه (الأدلة النقلية والحسية على جريان الشمس وسكون الأرض وإمكان الصعود إلى الكواكب) طبع مؤسسة مكة للطباعة والإعلام 1395هـ، توزيع الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة يقول فيها: (إن من يقول إن الأرض تدور كافر ضال مضل يستتاب فإن تاب، وإلا قتل كافرا مرتدا، ويكون ماله فيئا لبيت مال المسلمين، كما نص على مثل هذا أهل العلم والإيمان فى باب حكم المرتد).
إن شيوخ التكفير لا يشغلهم مئات المليارات من أموال المسلمين التى صرفها أمراؤهم على دور القمار، وصالات الفسق والعهر، ولو أنهم صرفوها فى بناء أمة قوية لما وصل بنا الحال إلى أن يحتل الغرب بلادنا!!.
إن كل الذين يشغلهم هو وجود قبر هنا، ومسجد هناك، ورجل يقول: يا نبى الرحمة اشفع لى عند الله!!.
هذا هو شغلهم الشاغل لا غير, وهذا هو همهم الوحيد الذى انطلقوا تحت غطائه يسفكون دماء المسلمين ويستبيحون المحرمات ويثيرون الفتن واحدة بعد الأخرى، ولا يهمهم بعد ذلك أن تكون بلاد المسلمين غرضا للأعداء من مشركين وكفار وصليبيين وصهاينة.
وعلى هذا النهج الفاسد تسير أتباعهم اليوم، بل وأصبح عداؤهم للأمة الإسلامية واضحاً وصريحاً، ونلمس ذلك فى الكتيب الذى ألفه مفتى المكفرين- عبد العزيز بن باز-وتابعه -محمد بن صالح العثيمين- بعنوان: (فتاوى مهمة لعموم الأمة) هذا الكتاب يقسم المسلمين إلى ثلاث طوائف: كافر, ومشرك, ومبتدع.
فالمشرك: من يحلف بغير الله حتى ولو كان بالنبى r, وكذلك من يزور روضات الأولياء والصالحين, ويتوسل بهم أو بالنبى r, ومن يدعو عند روضاتهم يعتبر عابدا لغير الله وهو شرك أكبر, ولا يجوز زيارة روضة النبى r, بل يجوز زيارة مسجده, ويحرم تعليق الصور بالمنازل وغيرها, ويحرم زيارة النساء للقبور.
والكافر: الشيعة الذين يبلغ عددهم أربعمائة مليون مسلم- فى نظر الشيخين ابن باز و العثيمين - رافضة, والرافضة كفار. والمرأة المتزوجة وزوجها لا يصلى- يستوى التهاون مع إنكار الصلاة- ينفسخ نكاحها لأنها صارت أجنبية عنه, ويجب عليها أن تذهب إلى أهلها حتى ولو كانت ذات أولاد منه, لأن زوجها كفر بعد إسلامه, ولا حق للزوج الكافر فى حضانة المسلم, وإن صلى زوجها عادت إليه مادامت فى العدة, وإن مرت العدة تعود إليه إن شاءت بعقد جديد.
والمبتدع: من يبنى المساجد على القبور, وكذلك القباب على القبور, ومن يقرأ القرآن عندها, والمحتفل بالموالد لإحياء ذكرى الصالحين, وكذلك من يحتفل بالمولد النبوى الشريف, أو بليلة القدر, أو ليلة الإسراء والمعراج, أو ليلة النصف من شعبان.
وعلى هذا التقسيم: لن يفلت مسلم واحد من الشرك أو الكفر أو البدعة.
فإلى متى هذا العبث بالدين وتشتيت الأمة الإسلامية؟.
- ولماذا تصدر مثل هذه الكتب فى هذا الوقت الذى نحن فى أمسّ الحاجة إلى الوحدة ولم الشمل الإسلامى لمواجهة هذه الحملة الشرسة ضد الإسلام والمسلمين؟
- هل هز مشاعر شيوخ التكفير وأمرائهم ما جرى لبيت المقدس, ولمسلمى البوسنة والهرسك والشيشان ولبنان وأفغانستان والعـراق, كما هزهم روضة سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب t الذى كان الصحابة يزورونه ويصلون عنده؟!.
- أم أثارهم التسلط الأمريكى على منابع النفط فى بلادنا الإسلامية, كما أثارهم روضة ريحانة الرسول الحسين بن على u الذى كان الصالحون يشدون الرحال لزيارته وحتى فى زمن الإمام أحمد بن حنبل كما ثبت نقله عن ابن تيمية؟!.
- وهل سيثيرهم الحصار المفروض على السودان وغيرها من بلاد المسلمين بلا حجة وبلا أدنى ذريعة يمكن قبولها, كما أثارهم ما وجدوه من هدايا علقت عند روضة الرسول الأكرم r فسرقوها؟!.
إنها لمن دواعى الأسى أن تنفق كل هذه الأوقات والجهود والأموال والطاقات الفكرية فى الخوض فى سفاسف الأمور, وتوافه الكلام, التى لا ينشدُّ لها إلا الجهلة والغوغاء والعاطلون من الناس..
وإليك بعض الأمثلة التى شغلوا أنفسهم بها:
- جاء فى كتاب التوحيد على طريقة السؤال والجواب - تأليف محمد المرزوقى بن عبد المؤمن - نشر رابطة العالم الإسلامى (التكفيرية), مؤسسة مكة للطباعة والإعلام ص 79:
س: ما حكم أهل الطرق, هل هم من أولياء الرحمن أم من أولياء الشيطان؟.
ج: بل هم من أولياء الشيطان.
س: ولم قلت ذلك؟
ج: لأنهم خالفوا الله وخالفوا رسوله r الذى طاعته طاعة لله ومخالفته مخالفة لله.
- جاء فى الكتاب السابق ص 119 , 122, 138:
س: ما حكم حالق اللحية؟.
ج: حالق اللحية منافق فاسق خارج عن طاعة الله وطاعة رسوله r, والفاعل والمفعول فى ذلك سواء, الفاعل الحالق, والمفعول المحلوق له.
س: هل تجوز إمامته أم لا؟
ج: لا تجوز إمامته ولا شهادته ولا صحبته خليلا لك, لقول الرسول r: (المرء مع من أحب), وإذا قدمته إماما لك فقد عظمته وتعظيمه لا يجوز.
س: هل يجوز أن يكون حالق اللحية مؤذنا أم لا؟
ج: كما لا تجوز إمامته كذلك لا يجوز كونه مؤذنا.
س: ولم لا يجوز ذلك؟.
ج: لأنه خائن, والخيانة نقض ما جعل عليه أمينا سواء فى أمور الدين أو الدنيا.
- جاء فى الكتاب السابق ص 140:
س: ما حكم من يترك الشوارب ولا يقصها؟
ج: إنه مخالف لله ولرسوله r مثل حالق اللحية فى جميع ما قدمناه فيه.
س: وهل تجوز إمامته أم لا؟
ج: لا تجوز إمامته ولا شهادته ولا صحبته لغير ضرورة شرعية.
س: ولم قلت ذلك؟
ج: لأنه عاص لله ولرسوله r عصيانا ظاهرا لا شبهة فيه ولا إشكال.
إن الذى جعل المكفرين يجدون شغلهم الشاغل فى هذه المواضع عدة أمور كلها تصدق عليهم:
منها: أنهم يعملون على ضحالة فكر المسلمين وضيق أفقهم، حتى لا يحسنون شيئا إلا هذا النوع من الكلام, ولا تستوعب أذهانهم سوى هذا المدى من التفكير.
ومنها: أنهم يعملون لترسيخ العجز عن فهم الحياة وعن مواكبة العصر.. حتى يصبح المسلمون عاجزين تماما عن التقدم فى البحوث الدينية والعلمية والاجتماعية تقدما مقبولا فى هذا العصر الحديث, ويعم الجهل والفقر، فينكبون على الكلام البالى والمهترئ فيبالغون فى تعظيمه وتقديسه لكى يجدوا لأنفسهم منفذا يطلون منه على هذا العالم المتقدم..
ويا ليت المكفرين نجحوا فى تقديم المعلومات والأحكام الشرعية الصحيحة للناس إذ ليس من شروط الإمامة أو الشهادة أو الأذان أو الصحبة فى الإسلام إطلاق اللحية أو قص الشارب.. ولو كانوا صادقين فليأتوا لنا ببينة, وإن كانوا منصفين فليقرأوا شروط الإمامة والأذان والشهادة والصحبة وسوف ينقلب إليهم البصر خاسئا وهو حسير.
ومنها: ضيق صدورهم وامتلاء قلوبهم بالحقد وكراهية الخير وحب الشر لهذه الأمة.. فمن تتبع لهجاتهم ونبراتهم المتشنجة والمتوترة, وانشدادهم انشدادا فى غير محله، وتهورهم فى الخطاب, لمس فيهم الضحالة وضيق الأفق والحقد والبغض والهمجية والتخلف بكل معانيها.
ومنها: موالاتهم الصريحة والعلنية لأعداء الإسلام.. وهذا موضوع لا يحتاج إلى بيان وليس هو بخاف على أحد, فليس بين فئات المسلمين من يدين بالولاء للصليبية والصهيونية كما يدين لهم المكفرون, وأفعالهم العملية تؤكد ذلك, فهم يخضعون لهم، ويتقربون إليهم، ويدافعون عن عملائهم الخونة, وما يزال هذا هو دينهم الذى لا يرتضون له بدلا, وليس أدل على ذلك من وجود قوات صليبية وصهيونية فى منطقة النفط بالجزيرة العربية.
إن وجودهم فى بلاد الإسلام فتح ولا يزال يفتح الأبواب أمام الصهاينة والصليبية المعتدية لتنفذ كيف تشاء فى الكيان الإسلامى, فتمزق وتنهب وتدمر وتحاصر وتبسط نفوذها, وهؤلاء يمهدون لها كل شئ ويساندون إخوانهم الخونة فى كل مكان.
إنهم الجرثومة الخبيثة التى مهدت للغرب سابقا أن يزرع إسرائيل اللقيطة فى قلب هذه الأمة.. وهم الذين ساندوا على الدوام جميع الأنظمة العميلة للغرب ووقفوا معها بوجه حركات التحرر الأبية.
وهم الجرثومة الخبيثة التى تمهد لتثبيت أقدام المعسكر الغربى فى قلب العالم الإسلامى.. ولتثبيت إسرائيل اللقيطة حتى لا يفكر أحد فى إزالتها.
وهم الأيادى اللعينة التى يحركها الغرب لمواجهة أهل الصلاح فى الأمة الإسلامية, ومساندة الأنظمة العميلة والمنافقة التى تتولى قمعهم بالنار والحديد.
هذه هى حقيقة ما أنجزه المكفرون وما ينجزونه اليوم وما يدينون به لمستقبلهم!!.
إنهم يخشون الأمة الإسلامية كما تخشاها إسرائيل, لأن مصيرهم أصبح رهينا بمصير إسرائيل.
الأدلة القطعية على عمالة الدولة الوهابية
عن مذكرات حاييم وإيزمان أول رئيس لدولة الكيان الصهيونى فى فلسطين
قال: (إنشاء الكيان السعودى هو مشروع بريطانيا الأول.. والمشروع الثانى من بعده إنشاء الكيان الصهيونى بواسطته)، ويضيف نقلاً عن تشرشل الرئيس الأسبق للحكومة البريطانية، والذى كان له دور أساسى وبارز فى قيام الكيان الوهابى السعودى، والكيان العنصرى الصهيونى: (فى 11/3/1932 قال تشرشل: أريدك أن تعلم يا وايزمان أننى وضعت مشروعاً لكم ينفذ بعد نهاية الحرب (الحرب العالمية الثانية) يبدأ بأن أرى ابن سعود سيداً على الشرق الأوسط وكبير كبرائه، على شرط أن يتفق معكم أولاً، ومتى قام هذا المشروع، عليكم أن تأخذوا منه ما أمكن وسنساعدكم فى ذلك، وعليك كتمان هذا السر، ولكن انقله إلى روزفلت، وليس هناك شىء يستحيل تحقيقه عندما أعمل لأجله أنا، وروزفلت رئيس الولايات المتحدة الأمريكية).
هكذا أسس الإنجليز مشروع دولة آل سعود ومكنوهم من جزيرة العرب حيث الحرمين الشريفين وقبلة المسلمين، كخطوة مرحلية لإقامة الدولة الصهيونية وتمكينها من القدس ثالث الحرمين وأولى القبلتين والأرض التى بارك الله حولها، لأسباب لا تخفى على أحد، وهى إعاقة قيام الدولة العربية الموحدة كمشروع أساس لإقامة دولة الإسلام العالمية. ولا زال الأمر على حاله بالرغم من المتغيرات الدولية وأهمها تحول مركز القيادة من بريطانيا إلى أمريكا وبروز الأفكار البراجماتية الأنجلو سكسونية التى تحرك السياسة الأمريكية، والتى بدأت تعلم تمام العلم انتهاء مهمة النظام السعودى بعد أن تحققت جميع الأغراض التى أسس لأجلها، وهى تدمير المشروع القومى، وتشويه الدين الإسلامى، وإحكام قبضتها على المنطقة، ولم تعد قادرة على تحمل استهجان الرأى العام العالمى والمجتمع الدولى المطالب بضرورة تغيير هذا النظام الجاهلى بعد أن تمكنت الصهيونية من فلسطين وأهلها، تفعل بها وبهم ما تشاء دون رقيب أو حسيب، والخطر بات يهدد الحرمين الشريفين والصامت على الحق لا شك أنه شيطان أخرس.
يقول جون فيلبى فى كتابه (40 عاماً فى البحرية): (إن قضية فلسطين لم تكن تبدو (لآل سعود) بأنها تستحق تعريض العلاقات الممتازة التى تربطهم مع بريطانيا وأمريكا) (وكان أساس الاتفاق لإنشاء الوجود السعودى أن تقوم سياسة آل سعود على عدم تدخلهم بأى شكل من الأشكال ضد مصالح بريطانيا وأمريكا واليهود فى البلاد العربية والإسلامية وأهمها فلسطين)، والحق لا بد أن يقال فقد حزن عبد العزيز حزناً شديداً فى أعقاب هزيمة الجيوش العربية فى فلسطين، وقد كشف جون فيلبى سر هذا الحزن الشديد قائلاً: (كان انتقال الجزء العربى الذى احتفظ به من فلسطين إلى مملكة الأردن أمراً أكثر مما يستطيع عبد العزيز استساغته.. لأنه كان يريد ضمه إليه أو إلى الكيان الصهيونى.. (ولأنها إرادة الإنجليز فلم يستطع معارضتها) ولكنه عارض بشدة إنشاء حكومة عموم فلسطين فى غزة التى كانت تحت سيطرة الحكومة المصرية) هذا هو الموقف المتخاذل لآل سعود، ولكن التاريخ يسجل بطولة الكتيبة العربية التى خرجت أفراداً من الجزيرة العربية سراً واستشهد معظمها.
ولمعرفة من هو جون فيلبى ننقل لكم ما يلى من وثائق المخابرات البريطانية وكتاب (تاريخ آل سعود):
(بعد مصرع قائد جيش آل سعود الذى أسسه الإنجليز النقيب شكسبير على أيدى قوات ابن الرشيد، أمرت المخابرات البريطانية الحاكم الفعلى لمنطقة الخليج العربى والجزيرة (السير بيرسى كوكس اليهودى) بدعم آل سعود وتعيين سكرتيره الخاص العقيد جون فيلبى خلفاً للنقيب شكسبير، وتسليمه المسؤولية للعمل بكل وسيلة تمكنه من دحر خصوم ابن سعود).. (وقد تفرغ فيلبى للعمل على إقامة مشروع بريطانيا الأول فى المنطقة، وإعادة تنظيم الجيش السعودى وتمويله بالأموال والأسلحة والذخائر، وإعادة إحياء الأفكار الجاهلية الوهابية بعد أن تظاهر جون فيلبى باعتناقها وأطلق على نفسه اسم محمد بن عبد الله فيلبى، وبدأ فى جولات لإيجاد أنصار له فى كل بلدة وقبيلة وقرية فى أنحاء جزيرة العرب، وإيجاد عملاء لتزويده بالمعلومات عن خصومه من أحرار الجزيرة، مع بث أفكار الدعوة الجاهلية الوهابية، وبث الإشاعات المرجفة والتركيز على كسب العديد من الوجهاء ورجال الدين الأدعياء والأغبياء، وسارت الأمور بقيادته على أحسن ما تريده الحكومة البريطانية الأمر الذى نال عليه الثناء الكثير، خاصة بعد أن تمكن من إسقاط حكم ابن الرشيد فى حائل، وإسقاط عرش الحسين بن على فى الحجاز، بل إنه أمَّ المسلمين فى صلاة الفجور عند فتح مكة، وأنشأ إمارة شرق الأردن ونقل لها عبد الله ابن الحسين، وكلف الإنجليز أشخاصاً غيره لمراقبة وتوجيه عبد الله وتنظيم الإمارة الجديدة، إلا أن هؤلاء الأشخاص لم يستطيعوا ترويض عبد الله بن الحسين الذى اعتقد أنه أمير حقاً يمكنه التحرك حسب إرادته بعيداً عن الخط المرسوم له، وبدأ فى اتخاذ الأردن قاعدة لإعادة الهجوم لاستعادة العرش الهاشمى فى الحجاز الذى منحه الإنجليز لآل سعود، ومن أجل ذلك رأت الحكومة البريطانية ضرورة ذهاب فيلبى إلى الأردن فى مهمة ترويضية، ويقول جون فيلبى فى ذلك: (بعد شهرين من وصولى إلى الأردن قمت بجولة فى أنحاء فلسطين، وكانت الثورة الفلسطينية فى بدايتها، ويعيش الإنجليز فى قلق منها، فحاول بعضهم توسيط الأمير عبد الله لدى الثوار الفلسطينيين بإيقاف الثورة، فحبذت الفكرة لعلمى أن عبد الله سيفشل فى وساطته لعدم نفوذه بين الفلسطينيين، وبالتالى سيكون الجو مهيئاً لصديقنا العزيز عبد العزيز فتنجح وساطته وترتفع أسهمه لدى الإنجليز، وهذا ما تم فعلاً بعد فشل عبد الله فى وساطته، اقترحت توسيط عبد العزيز الذى أقسم لثوار فلسطين بأن أصدقاءنا الإنكليز تعهدوا بحل القضية لصالح الفلسطينيين وأنه يتحمل مسؤولية هذا العهد، وقد نقل لهم ذلك ابنه فيصل (الذى أصبح ملكاً فيما بعد)، وقد كان لنجاح هذه الوساطة صداها لدى الإنجليز واليهود، وكانت المنعطف الأكبر فى تاريخ فلسطين، وعزز ذلك النجاح الباهر كافة آرائى بعبد العزيز أمام رؤسائى بل وحتى خصومى الذين ما زال بعضهم يؤيد الهاشميين ويعتبرهم أصلح للمصالح الغربية من آل سعود).
ويضيف فيلبى: (أثناء رحلتى عرجت على تل أبيب وقابلت ديفيد بن جوريون الذى كان فرحاً لنجاح وساطة آل سعود التى أوقفت الثورة الفلسطينية، إلا أنه أبدى قلقه عن ابتعادى عن عبد العزيز، فقلت لبن جوريون إننا لم نعد نخشى على عبد العزيز آل سعود، فلديه من الحصانة ما يكفى لتطعيمى وتطعيمك،.. كما أن ابتعادى هذه الأيام لصالحه من أجل ترويض خصومه فى شرق الأردن).
ولتطمين بن جوريون قلت له: (قبل أيام أخرجت جيش الإخوان الوهابيين لتأديب عبد الله حتى هددوا كيانه، وعندما استنجد بى أوعزت لعبد العزيز بإيقاف جيش الإخوان قبل أن يدخلوا الأردن، وقد وجدوا صعوبة فى صد هذا الجيش البدوى الشرس، فاضطررت إلى إعطاء الأمر للطائرات الحربية البريطانية المرابطة فى الأردن لتأديبهم، وبعد ذلك تخلى عبد الله عن أفكاره الوطنية والقومية فى غزو الحجاز واكتفى بما قسم الله له، ويستطرد جون فيلبى فى مذكراته قائلاً: (عندما قررت الذهاب إلى الحجاز فى مهمة حج لقضاء حاجة، حملنى بن جوريون رسالة إلى عبد العزيز آل سعود نصها: (يا صاحب الجلالة.. يا أخى فى الله والوطن، إن مبلغ العشرين ألف جنيه إسترلينى ما هو إلا إعانة منا لدعمك فيما تحتاج إليه فى تصريف شؤون ملكك الجديد فى هذه المملكة الشاسعة المباركة، وإنى أحب أن أؤكد لك :أنه ليس فى هذا المبلغ ذرة من الحرام، فكله من تبرعات يهود بريطانيا وأوروبا الذين قد دعموك لدى الحكومة البريطانية فى السابق ضد ابن الرشيد وكافة خصومك، وجعلت بريطانيا تضحى بصديقها السابق حسين لأجلك، لكونه رفض حتى إعطاء قطعة من فلسطين لليهود الذين شردوا فى العالم) وقد استفسر منى عبد العزيز عن بعض العبارات الواردة، فأفهمته أن اليهود هم حكام بريطانيا بالفعل، إنهم الحكم والسلطة والصحافة والمخابرات ولهم النفوذ الأقوى وكانوا وراء دعمك، وكانوا ووراء الاستمرار فى صرف مرتبك حتى الآن عن طريق المكتب الهندى، كما كانوا فى السابق وراء قطع المرتب لاختبارك هل ترفض أو لا ترفض التوقيع بإعطاء فلسطين لليهود). وقد حملنى عبد العزيز رسالة إلى ابن جوريون هذا نصها: (الأخ بن جوريون، إننا لن ننسى فضل أمنا وأبونا بريطانيا العظمى، كما لم ننس فضل أبناء عمنا اليهود فى دعمنا وفى مقدمتهم السير بيرسى كوكس، وندعوا الله أن يحقق لنا أقصى ما نريده، ونعمل من أجله، لتمكين هؤلاء اليهود المساكين المشردين فى أنحاء العالم لتحقيق ما يريدون من مستقر لهم يكفيهم هذا العناء).
من هم الوهابيون؟ وما هى الوهابية؟
"الوهابيون" هم كل من ينتسب إلى أراء محمد عبد الوهاب الذى أجج فى أواسط القرن الثانى عشر الهجرى فى نجد حربا ضد المدارس والمذاهب الفكرية الإسلامية التى تخالفه الرأى والرؤية مثل الصوفية والأشعرية، معتبرا تلك الممارسات شركا أعظم بالله تعالى، وكفرا مخرجا عن الملة، ثم تحالف مع أحد أمراء نجد وهو بن سعود وأسس معه ما عرف بالدولة السعودية الأولى سنة 1157 وفى حين كان أتباع هذه المدرسة السابقون يطلقون على أنفسهم اسم الموحدون أو المسلمون فى مقابل المشركين، فإن خصومهم كانوا يطلقون عليهم اسم الخوارج، أما أتباع هذه المدرسة المعاصرون فيفضلون استخدام اسم السلفية والسلفيون، وقد شاع أيضا استخدام الوهابية من الطرفين كاسم علم عليهم من باب أنهم يشكلون تياراً مميزا له خصائصه ومصنفاته وشيوخه، وهو يختلف عن التيار العام للسلفية فى كثير من الأمور، لذلك فقد استخدمه أتباع المذهب مثل محمد بن عبد اللطيف، وسليمان سمحان الذى قال: (نعم نحن وهابية نسقى لمن غاظنا المرا). وقال عبد العزيز بن باز (هذا لقب مشهورا لعلماء التوحيد علماء نجد ينسبونهم إلى الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب لأنه دعا إلى الله عز وجل فى النصف الثانى من القرن الثانى عشر.. وصار أتباعه ومن دعا بدعوته ونشأ على هذه الدعوة فى نجد يسمى بالوهابى).
ورغم التزام الدولة السعودية بالفكر الوهابى، وتدريسه فى المدارس والجامعات، إلا أنها تحاول منذ فترة طويلة التخلى عن اسم (الوهابية) الذى يقف عائقا أمام طموحها لقيادة العالم الإسلامى، حيث تصر على أنها تنتمى للتراث الإسلامى السنى العام، ولا تتبنى مذهبا خاصا باسم (الوهابية)، وفى هذا المجال صرح عبد العزيز بن سعود فى 11/5/1929 قائلا: "يسموننا بالوهابيين، ويسمون مذهبنا (الوهابى)، باعتبار أنه مذهب جديد أو عقيدة جديدة، ولم يأت محمد بن عبد الوهاب بالجديد، فعقيدتنا هى عقيدة السلف الصالح التى جاء فى كتاب الله وسنة رسوله وما كان عليه السلف الصالح؟!!.
وقال فهد عام 1989: "إن الوهابية ليست مذهبا وإنهم ينعتون بالوهابية مدحا تارة وذما تارة أخرى، فى حين أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يقم إلا بالدعوة لتطهير العقيدة من البدع والضلالات"
وهكذا يقول وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية السعودى صالح بن عبد العزيز آل الشيخ بتاريخ 18/12/2001: "إن ما يدعونه بالوهابية ويزعمون أننا عليه هى منهج السلف وجوهر الدين، وليس هناك داع لتسميتها بذلك لأنها ليست مذهبا جديداً"، ويؤكد إنه "ليس هناك مذهب اسمه الوهابية" وأن الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذى ينسب إليه تأسيس هذه الحركة فى القرن الثامن عشر" لم يأت بجديد، بل إحياء مذهب السلف الذى يحرص على أن يكون الدين خالصا من الشوائب والبدع". وعبر صالح آل الشيخ عن أسفه لأن "الوهابية تستخدم اليوم لوصف المملكة لكى يقال أنها دولة متشددة" وفى نفس الوقت أكد الوزير على ضرورة "التمسك بثوابت المملكة وعلى رأسها التزامنا بالدعوة السلفية التى تمنحنا فرصة الانطلاق إلى العالم باتزان وبرؤية ذات أفق واسع؟!!". وشدد على أن "حفاظنا على المملكة إنما هو بالمحافظة على هذه الدعوة، وهذا الفهم السلفى للشريعة والعقيدة الإسلامية".
ويقول عبد الرحمن بن سليمان الرويشد فى (الهدية السنية): (لم يكن إطلاق كلمة "الوهابية" التى يراد بها التعريف بأصحاب الفكرة السلفية شائع الاستعمال فى وسط السلفيين، بل كان أكثرهم يتهيب إطلاقها على الفكرة السلفية، وقد يتورع الكثيرون من نعت القائمين بها بذلك الوصف باعتباره وصفا عدوانيا، وبمرور الزمن تحول هذا اللقب بصورة تدريجية إلى مجرد لقب لا يحمل أى طابع للإحساس باستقرار المشاعر، وأصبح هذا اللقب شائعا ورائجا بين الكتاب والمؤرخين الشرقيين والغربيين على حد سواء، ولذا فقد فضلت استخدام هذا الاسم ليس من باب الذم أو المدح وإنما من باب الدقة فى التعريف).
الخــــاتمة
إن كتب التاريخ زاخرة بأكثر مما كتبناه فى هذا الكتاب، وما نقلناه عن صحاح المصادر احتراماً لعقل القارىء، ولن يخفى عن بصيرة المتابع النابه، فظاعة ما ارتكبه حلف الشيطان بين أحفاد أبى جهل (الوهابية) وأحفاد ابن سلول (آل سعود) فى حق الإسلام والمسلمين، ولم نفعل ذلك من أجل التشهير بأحد، أو لأن لنا مطامع سوى مرضاة الله سبحانه وتعالى، وغيرتنا على أمة الإسلام التى سلمت أمرها إلى حكام تحركهم القوى المعادية كيفما تشاء، وما نقلناه، قلوبنا مطمئنة إلى أنه الحقيقة كما هى، لتضع كل مسلم أمام مسؤولياته، والانتباه لما يحاك ضده وضد وطنه وأهله ودينه، وهذا الوباء الذى استشرى وخرب عقول شباب الأمة بترهات تدفعه إلى تكفير أهله، والتنصل من ثراته وتشويه هويته إلى درجة يقتل فيها الأبرياء دون ذنب، وتقمع فيها الأفكار التى قد تكون منقذة للأمة من كبوتها ولا تؤمن سوى بالعنف والتدمير وسيلة للتدافع والحوار، وتهدد كل وحدة وطنية، وتكفر كل مسلم دون سند أو حجة، وتتآمر على كل حركة وطنية وتفتعل الأزمات والفتن لتشويه الصالحين من نجباء الأمة وقادتها، ولا يمكننا فى هذا المقام إلا تنبيه كل مسلم بقول الله تعالى: )إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين( (الحجرات: 6). والتأكيد على أن الحقيقة ضالة المسلم أينما وجدها أخذ بها، وأن الساكت على الحق شيطان أخرس، مع الإصرار وفى تلك الظروف بأن العنف ليس من طباع المسلم المأمور بأن يدفع بالتى هى أحسن، ويدعوا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ولينصرن الله من ينصره إنه على كل شىء قدير، ويبقى السؤال الملح ما الذى يجب علينا فعله لإنقاذ الحرمين الشريفين وأولى القبلتين مما يحاك ضدهم؟!. أليست هذه من أولى مسؤوليات المسلمين شعوباً وحكاماً فى وقتنا الحاضر.
والله ولى التوفيق.
http://www.islamwattan.com/indexwb1.php
الافتتاحية
الحمد لله رب العالمين، أمر بالتقوى فى سرائر الأمر وخفيات العمل، حتى ذهب المتقون بعاجل الدنيا وآجل الآخرة، فشاركوا أهل الدنيا فى دنياهم، ولم يشاركهم أهل الدنيا فى آخرتهم، سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت، وأكلوها بأفضل ما أكلت، ثم انقلبوا عنها بالزاد المبلغ والمتجر الرابح، أصابوا لذة زهد الدنيا فى دنياهم، وتيقنوا أنهم جيران الله غداً فى آخرتهم، لا ترد لهم دعوة، ولا ينقص لهم نصيب من لذة.
والصلاة والسلام على النور المبين، الذى سرى سره فى القلوب فملأها يقيناً، وظهر للبصائر فاطمأنت القلوب بما شهدت، ونطقت الألسنة بحقيقة التوحيد، فوهبت لمن شهدوا الإيقان والمزيد بما شهد به.. سيدنا ومولانا محمد.
اللهم صلَّ وسلم وبارك عليه وآله وصحبه وورثته، صلاة تشرح بها صدورنا، وتيسر بها أمورنا، وتجملنا بها بجمال رضوانك الأكبر، وفضلك العظيم، ومنتك يا رب العالمين.
أما بعد:
كم لقى الصفوة من أهل التصوف فظائع الأقاويل وشنائع الأباطيل.. من أهل الجهالة الذين خالفوا الأمر الإلهى الأول الذى تعبد الله به أوليائه.. اقرأ.. فما طالعوا كتاباً ولا قرأوا صحيفة ولا أثراً مما حبرته همم العارفين، وأملته أشواق العابدين الساجدين.
ولو أنهم قرأوا لألجم الحق باطلهم، وأغرق النور ليلهم الدامس، الذى امتلأ بحيات الأكاذيب، وعقارب الحقد، وحشرات الجهالة والعناد، وجراثيم العمالة لأعداء الإسلام. ولو أنهم أزاحوا التحجر الآخذ بعقولهم، والعناد الآسر بنفوسهم، وقرأوا لأئمة السلف لأكلت النار صحائف الاتهام التى يمسكونها، ثم أتت على أيديهم العابثة فأحرقتها وهم لا يشعرون من هول ما يفاجئهم من سطوع الحق وعزة أهله.
سنة الله الماضية فى عباده، وخواص أوليائه، أن يبتليهم بالمغرضين، ويرميهم بالمعرضين والمعترضين، يكيلون التهم، ويثيرون الظلم.. وما ذاك بضائر أهل الحق، ولا بمنتقص أرباب السلوك، فقد ملأ ضمائرهم نوراً، وأشبع سرائرهم راحة وسروراً إخبار الحق عز شأنه: )وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُواًّ مِّنَ المُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً( (الفرقان:31) وطاف بخواطرهم، واستقر بأفئدتهم قول الصادق المصدوق r: (أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى المرء على قدر دينه).
ويظل التصوف شامخاً.. ويطل عبر العصور سامقاً يفوح أريجه ويندى عبيره.. ويستطيبه الأولياء والأصفياء والصالحون، وتقتبس القلوب السليمة من أنواره، ولا يضر ضوء الشمس أنه لا يعترف به الخفاش، ولا ينقص الشهد الخالص أنه مر فى فم المريض، ولا يحجب الحق البين على قلوب أهله أنه ثقيل على البهائم والشياطين.. اللهم إنى أعوذ بك من غضبك الذى تحجب به الأنوار عن قلوب من غضبت عليهم.. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
إن الهدف الأساس من هذه السلسلة المباركة من الكتب هو جمع كلمة المسلمين ووحدتهم، وإيجاد روح المحبة والتعاون بينهم حتى نتفرغ لأعدائنا، ونستجمع قوتنا لتخليص أرضنا السليبة، ومؤازرة إخواننا المسلمين فى فلسطين وأفغانستان والعراق والشيشان، وفى كل مكان من أرض الله يذكر في اسمه، لأن عدونا واحد، وهدفنا واحد، وإلهنا واحد، وديننا واحد، ونبينا واحد، ومصيرنا واحد، وقبلتنا واحدة.
الوهابية يخدمون أعداء الأمة:
إن أول ما يريد أعداؤنا منا الخلاف وضياع الوقت فى الجدال وتمزيق الأمة، حتى ننشغل بأمور جانبية نضخمها حتى تستغرقنا ولا نرى سواها من الأمور الكبيرة التى يجب علينا أن نجاهد من أجلها.
يقول على بن محمد بن سنان المدرس بالمسجد النبوى الشريف فى كتاب (المجموع المفيد فى عقيدة التوحيد) ص 55 ما يلى: (أيها المسلمون لا ينفع إسلامكم إلا إذا أعلنتم الحرب الشعواء على هذه الطرق الصوفية، وقضيتم عليها فأخرجتموها من بين جنوبكم وقلوبكم ومجالسكم ومجامعكم ومساجدكم وزواياكم، حاربوها قبل أن تحاربوا اليهود فإنها روح اليهود والمجوس، تغلغلت فى جسم الإسلام فزلزلته وأوهنته).
ويقول كبير مرتزقتهم فى مصر محمد حامد الفقى مؤسس جماعة أنصار السنة: (هذه الطرق الصوفية ليست من الإسلام فى شىء، والإسلام لا يعرف هذا التصوف بتقاليده وطقوسه وشطحاته وأسراره وبواطنه، بل جاءه دخيلا من متصوفة الفرس والهند وغيرهم، ممن ورثوه عن الوثنيين القدماء التى لا تزال بقاياهم فى الهند والصين ومختلف بقاع الأرض، وهى صورة طبق الأصل فى عقائدها وطقوسها مما يسمونه التصوف الإسلامى حذو النعل بالنعل، فما عرف اسم التصوف والصوفية إلا بعد القرن الأول الهجرى).
وفى ختام فتواه يطالب المسلمين جميعاً أن يعلنوا الحرب الشعواء على الصوفية بجميع ألوانها، وفى كل طرقها، لأن إسلامهم لن ينفع إلا بذلك.
ويقول محمد المرزوقى بن عبد المؤمن فى كتاب (التوحيد على طريقة السؤال والجواب) نشر رابطة العالم الإسلامى (الوهابية)، طباعة مؤسسة مكة للطباعة والإعلام ص 79:
س: ما حكم أهل الطرق، هل هم من أولياء الرحمن أم من أولياء الشيطان؟
ج: بل هم من أولياء الشيطان.
س: ولم قلت ذلك؟
ج: لأنهم خالفوا الله وخالفوا رسوله r الذى طاعته طاعة لله، ومخالفته مخالفة لله.
ويقول عبد الرحمن عبد الخالق فى كتابه (فضائح الصوفية) ص42: (إعلم أولاً أن التصوف بحر من القاذورات، فقد جمع المتصوفة كل أنواع الكفر والزندقة التى توجد فى فلسفات الهند وإيران واليونان، وكل مكر القرامطة والفرق الباطنية، وكل خرافات المنحرفين، وكل دجل المدجلين، وكل وحى الشياطين، ووضعوا كل ذلك فى إطار التصوف وعلومه ومبادئه وكشوفه. فلا يتصور عقلك عقيدة كفرية فى الأرض إلا تجدها فى التصوف).
قد يخطىء بعض الناس فى الحكم على الصوفية بعد قراءة ما قاله فراخ الوهابية، ويظن أن الصوفية طائفة خارجة عن الإسلام، وذلك ربما يكون بحسن نية لما يسمعه ممن لا علم لهم بحقائق الأمور، لذلك لا بد من تجلية هذا الأمر فى أذهان من التبس عليهم شأنهم.
بالنسبة للتسمية (التصوف) التى كثر حولها الخلاف، فنكتفى بما قاله الإمام الشاطبى ناقلا عن أبى القاسم القشيرى فى كتاب (الاعتصام) ج1 ص 89 ما يلى: (إنهم إنما اختصوا باسم التصوف انفراداً به عن أهل البدع، فذكر أن المسلمين بعد رسول الله r لم يسم أفاضلهم فى عصرهم باسم علم سوى الصحبة، إذ لا فضيلة فوقها، ثم سمى من يليهم التابعين، ثم اختلف الناس وتباينت المراتب، فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية فى الدين: الزهاد والعباد، قال: ثم ظهرت البدع وادعى كل فريق أن فيهم زهاداً وعباداً، فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفاسهم مع الله والحافظون قلوبهم عن الغفلة باسم التصوف).
وقد ذكر الشيخ محمد الحافظ التجانى فى كتابه (أهل الحق): (قال ابن تيمية فى رسالته الصوفية والفقراء ص 81 طبع المنار سنة 1928 عن اصطلاح القوم: وهم يسيرون بالصوفية إلى معنى الصديق، وأفضل الخلق بعد الأنبياء الصديقون، ولا مشاحة فى الاصطلاح، فمن جمع بين صفاء العلم فى أعلى مرتبة من الشهود الجامع لعلم اليقين وعين اليقين، وصفاء العمل فى أسمى مرتبة من الإخلاص، وصفاء الحال فى ذروة الصدق والحب الإلهى والمحبوبية، فادعه من الربانيين أو قل من الصديقين، أو ادعه صوفياً فلا جناح عليك، فالمسمى واحد، وإن اختلفت الأسماء).
أما عن تعريف الصوفية فيقول الإمام المجدد السيد محمد ماضى أبو العزائم فى رسالته (عقيدة النجاة) ص 17: (الصوفية هم الذين صفت قلوبهم من شوائب الكون، وتطهرت نفوسهم من رجس الشهوات، وتعلقت هممهم بالله تعالى، ففنوا عن كل ما سواه، ووجهوا وجوههم شطره، لم تحجبهم الكائنات عن شهود مبدعها، ولم تشغلهم الآيات الجلية عن فهم إشاراتها وذوق معانيها. هم عبيد الله السائرون على منهج نبيه r، وهم الذين تلقوا أسرار التوحيد وأنوار الحكمة بقلوب واعية ونفوس صافية من العلماء العارفين بالله، ورثة رسول الله r وآله).
الصوفية أتباع الكتاب والسنة والسلف الصالح:
إنه من الأمور البديهية، والمسلمات الثابتة التى لا اختلاف فيها أن المسلم يجب أن يحمل حاله على أحسن الوجوه، وأن نلتمس له المعاذير لتبرير وجهة نظره، إذا وجدنا إلى ذلك سبيلا، وخاصة إذا نفى عن نفسه الباطل، وأعلن ولو بصفة إجمالية أنه يريد الحق، ويؤمن به، وذلك يتجلى فيما قاله r لأسامة بن زيد وقد قتل رجلا بعد أن نطق بالشهادة: (هلا شققت عن قلبه)[رواه البخارى].
وظل r يعنفه ويلومه على ذلك، مع أن حالة الرجل ونطقه بالشهادة بعد أن تمكن منه أسامة بن زيد قد توحى بأنه قالها تقية، بعد أن تمكن منه، وانتصر عليه.. ولكن الإسلام يضع لنا منهجاً ربانياً قويماً، ولأن نخطىء فى العفو خير من أن نخطىء فى العقوبة، ويجب علينا أن نكل بواطن الناس إلى الله، ونحكم للمسلم بما أعلنه عن نفسه وجعله شعاره وعنوان عقيدته، وليس لنا أن نحمل حاله على شىء آخر مهما كانت الأسباب، وهكذا الأمر ينطبق على حالة الصوفية وما يصلنا من أقوالهم وأحوالهم، فإنك لو سألت أى واحد من هؤلاء القوم، أو ممن ينتسب إليهم هل هناك أدنى مخالفة للكتاب والسنة يعتقدها الصوفية؟ لأجابك الجميع بشدة ويقين: إنه ليس للصوفية أى ابتداع فى الدين أو مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله r وآله.
وإليك بعض أقوال أئمتهم:
1) يقول الإمام أبو القاسم الجنيد الملقب بسيد الطائفة: الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى آثار رسول الله r. وقال: من لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به فى هذا الأمر لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة.
2) وقال سهل بن عبد الله: كل فعل يفعله العبد بغير اقتداء – أى بالمعصوم r - فهو عيش النفس، أى: من هوى النفس، لا يقبله الله تعالى.
3) وقال أبو العباس أحمد بن أبى الحوارى: من عمل عملاً بلا اتباع سنة رسول الله r فباطل عمله.
4) وقال أبو الحسن النورى: من رأيتموه يدعى مع الله عز وجل حالة تخرجه عن حد العلم الشرعى فلا تقربوا منه.
5) وقال ابن عطاء الله السكندرى: من ألزم نفسه آداب السنة نور الله قلبه بنور المعرفة، ولا مقام أشرف من مقام متابعة الحبيب r فى أوامره وأفعاله وأخلاقه.
6) وقال أبو حمزة البغدادى: لا دليل على الطريق إلى الله إلا متابعة الرسول r فى أحواله وأقواله وأفعاله.
7) وقال أبو القاسم النصر آباذى عالم خراسان: أصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة، وترك الأهواء والبدع وترك الرخص والتأويلات.
8) وقال حجة الإسلام أبو حامد الغزالى عن الصوفى: إن سالك سبيل الله قليل، والمدعى فيه كثير، ونحن نعرفك علامتين له، الأولى: أن تكون جميع أفعاله موزونة بميزان الشرع موقوفة على توقيفاته إيراداً وإصداراً وإقداماً وإحجاماً، إذ لا يمكن سلوك هذا السبيل إلا بعد التلبس بمكارم الشريعة كلها. والثانية: لا يصل فيه إلا من واظب على جملة النوافل، فكيف يصل إليه من أهمل الفرائض؟.
9) وقال الإمام التسترى: أصول طريقنا سبعة: التمسك بالكتاب، والاقتداء بالسنة، وأكل الحلال، وكف الأذى، وتجنب المعاصى، ولزوم التوبة، وأداء الحقوق.
10) وقال أبو حفص أحد كبار الصوفية: من لم يزن أفعاله وأحواله فى كل وقت بالكتاب والسنة، ولم يتهم خواطره فلا يعد فى ديوان الرجال.
11) وقال الشيخ محى الدين بن عربى: لا يرتجى الوصول من لم يتابع الرسول r.
12) ويقول أبو يزيد البسطامى: لو نظرتم إلى رجل أعطى من الكرامات حتى يرقى فى الهواء، فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهى وحفظ الحدود وأداء الشريعة.
13) ويقول السيد أبو الحسن الشاذلى: إذا تعارض كشفك مع الكتاب والسنة فتمسك بالكتاب والسنة ودع الكشف، وقل لنفسك إن الله تعالى ضمن لى العصمة فى الكتاب والسنة ولم يضمنها فى جانب الكشف ولا الإلهام ولا المشاهدة إلا بعد عرضها على الكتاب والسنة.
14) ويقول الإمام المجدد السيد محمد ماضى أبو العزائم: (القرآن المجيد مورد آل العزائم الروى، وروضهم الجنى، وحوضهم المورود، وكوثرهم المشهود، وميزان أحوالهم، ومرجع مقاماتهم، يسألونه قبل العمل، فإن أذن سارعوا، وإن منع تركوا واستغفروا).
ويقول: (من رغب عن سنته r ولو عمل بكل الكتاب فهو هالك، ومن أقام سنته واهتدى بهديه وتابعه نجا وحظى بحظوة الشهود).
ويقول: (كل من خالف الكتاب والسنة وادعى أنه عالم فهو كاذب).
وغير ذلك من الأقوال الكثيرة التى تبين أن الاستقامة على الشريعة المطهرة هى أفضل من أى كرامة عند أئمة الصوفية.
الدس والافتراء على الصوفية:
وبناء على ذلك ترى أن كل ما يخالف الإسلام فى شىء فلا تصح نسبته إلى الصوفية والتصوف، وإنما هو من ضلالات المدعين الذين انتسبوا للتصوف زوراً وبهتاناً، أو من الأمور المدسوسة على كتبهم بقصد الطعن فى هؤلاء القوم وتشويه صورتهم ومنهجهم، كما حدث فى كتب التفسير من الإسرائيليات التى تتنافى مع ما عرف عن هؤلاء المفسرين من حرص على بيان الحق، والبعد عن هذه المرويات، ولذلك فإنا نرى أن الهوة بين المعارضين للتصوف والصوفية نشأت من اقتناعهم بأن هذه الأقوال الباطلة هى من صميم آراء الصوفية، ولو أنهم وضعوا الأمور فى نصابها، ونظروا نظرة فاحصة مستبصرة لوجب عليهم ألا يلصقوا هذه الأقوال الشنيعة بهؤلاء القوم، وأن يحسنوا الظن بهم وخاصة أنهم قد لقوا ربهم، وأصبحوا بين يدى الله تعالى، وأفضوا إلى ما قدموا.
وإليك بعض الأمثلة على ذلك الدرس والافتراء على هؤلاء القوم:
1) يقول الشيخ عبد الوهاب الشعرانى فى كتابه لطائف المنن: (وما منَّ الله تبارك وتعالى به علىَّ صبرى على الحسدة والأعداء لما دسوا فى كتبى كلاماً يخالف ظاهر الشريعة، وذلك لما صنفت كتاب (البحر المورود فى المواثيق والعهود) وكتب عليه علماء المذاهب الأربعة بمصر، وتسارع الناس لكتابته، فكتبوا منه نحو أربعين نسخة. غار من ذلك الحسدة فاحتالوا على بعض المغفلين من أصحابى، واستعاروا منه نسخته، وكتبوا لهم منها بعض كراريس ودسوا فيها عقائد زائفة، ومسائل خارقة لإجماع المسلمين، وحكايات وسخريات عن جحا وابن الراوندى، وسبكوا فى ذلك غضون الكتاب فى مواضع كثيرة، حتى كأنهم المؤلف، ثم أخذوا تلك الكراريس وأرسلوها إلى سوق الكتبيين فى يوم السوق – وهو مجمع طلبة العلم – فنظروا فى تلك الكراريس، ورأوا اسمى عليها، فاشتراها من لا يخشى الله تعالى ثم دار بها على علماء جامع الأزهر، فأوقع ذلك فتنة كبيرة، ومكث الناس يدورون فى المساجد والأسواق وبيوت الأمراء نحو سنة، وانتصر لى الشيخ شهاب الدين اللقانى، وشيخ الإسلام الحنبلى، والشيخ شهاب الدين بن الحلبى، كل ذلك وأنا لا أشعر، فأرسل لى شخص من المحبين بالجامع الأزهر وأخبرنى الخبر، فأرسلت نسختى التى عليها خطوط العلماء، فنظروا فيها فلم يجدوا فيها شيئاً مما دسه هؤلاء الحسدة.. إلخ). (لطائف المنن والأخلاق جـ 2 ص 190).
وقد ذكر ذلك أيضاً المؤرخ الكبير عبد الحى بن العماد الحنبلى فى كتابه (شذرات الذهب) جـ 8 ص 374 حيث قال: (وحسده طوائف فدسوا عليه كلمات تخالف ظاهر الشرع، وعقائد زائفة ومسائل تخالف الإجماع، فخذلهم الله، وأظهره الله عليهم، وكان مواظباً على السنة، ومبالغاً فى الورع.. إلخ).
ومن ذلك يتبين لنا واضحاً جلياً أن كل ما نراه فى الكتب منسوباً إليهم وهو مخالف للشرع كما فى الطبقات الكبرى للشعرانى، فهو من وضع الزنادقة، وقد جاء ذلك فى كتاب (حقائق عن التصوف) للشيخ عبد القادر عيسى ص 508.
2) وكذلك دسوا على الشيخ محيى الدين بن عربى رحمه الله، قال الشعرانى: (كان t متقيداً بالكتاب والسنة ويقول: كل من رمى ميزان الشريعة من يده لحظة هلك) إلى أن قال: (وجميع ما عارض من كلامه ظاهر الشريعة، وما عليه الجمهور فهو مدسوس عليه كما أخبرنى بذلك سيدى أبو طاهر المغربى، ثم أخرج لى نسخة الفتوحات المكية التى قابلها على نسخة الشيخ التى بخطه فى مدينة قونية، فلم ير فيها شيئاً مما كنت توقفت فيه وحذفته حين اختصرت الفتوحات) كما جاء فى اليواقيت والجواهر جـ 1 ص9.
وذكر العلامة ابن عابدين الفقيه الحنفى وصاحب أكبر موسوعة فى الفقه الحنفى: أن الراجح عنده بالنسبة لما ورد فى كتب الشيخ محى الدين بن عربى مما يخالف الشرع بأنه مفترى عليه، ولذلك تجد نص عبارة الحصكفى صاحب الدر المختار جـ 3 ص 303: (لكن الذى تيقنته أن بعض اليهود افتراها على الشيخ قدس الله سره).
3) بل إن ابن تيمية نفسه يعترف بالدس على السيدة رابعة العدوية حيث يقول: (وأما ما ذكر عن رابعة عن قولها عن البيت إنه الصنم المعبود فى الأرض فهو كذب على رابعة المؤمنة التقية..) وذلك فى كتاب (مجموعة الرسائل والمسائل) لابن تيمية جـ 1 ص 80.
شهادة علماء الإسلام:
إن فراخ الوهابية فى اعتراضها على الصوفية خالفت إجماع علماء الإسلام فى ذلك، وها نحن نضع بين أيديهم شهادة علماء الأمة الإسلامية لمنهج التصوف ولسلوك الصوفية، ونبدأهم بالأئمة الأربعة لعلم الفقه، وهم تلاميذ مباشرون أو غير مباشرين لإمام الأئمة سيدى جعفر الصادق t.
1) نقل الفقيه الحنفى الحصكفى صاحب الدر المختار أن أبا على الدقاق رحمه الله تعالى قال: أنا أخذت هذه الطريقة من أبى القاسم النصر آباذى، وقال أبو القاسم: أنا أخذتها من الشبلى، وهو من السرى السقطى، وهو من معروف الكرخى، وهو من داود الطائى، وهو أخذ العلم والطريقة من أبى حنيفة t، وكل منهم أثنى عليه وأقر بفضله، ثم قال صاحب الدر معلقاً: فيا عجبا لك يا أخى ألم يكن لك أسوة حسنة فى هؤلاء السادات الكبار؟ أكانوا متهمين فى هذا الإقرار والافتخار، وهم أئمة هذه الطريقة وأرباب الشريعة والحقيقة؟ ومن بعدهم فى هذا الأمر فلهم تبع، وكل ما خالف ما اعتمدوه مردود مبتدع، وذلك فى كتاب الدر المختار جـ 1 ص 43 وعليه حاشية ابن عابدين.
2) وقال الإمام مالك: ( من تفقه ولم يتصوف فقد تفسق، ومن تصوف ولم يتفقه فقد تزندق، ومن جمع بينهما فقد تحقق) وذلك فى كتاب (الشفا للقاضى عياض) شرح ملا على القارى جـ 5 ص 408، وذكرها أيضاً فى كتابه (عين العلم وزين الحلم) جـ 1 ص 33، ونقلها كذلك العلامة العدوى على شرح الإمام أبى الحسن فى الفقه المالكى جـ 2 ص 195.
3) وجاء عن الإمام الشافعى قوله: (حبب إلىَّ من دنياكم ثلاث: ترك التكلف، وعشرة الخلق بالتلطف، والاقتداء بطريق أهل التصوف) وذلك فى كتاب: (كشف الخفا ومزيل الإلباس فيما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس) للعجلونى ج 1 ص 341.
4) ونقل العلامة محمد السفارينى الحنبلى عن إبراهيم بن عبد الله القلانسى أن الإمام أحمد بن حنبل قال عن الصوفية: (لا أعلم أقواماً أفضل منهم، قيل: إنهم يستمعون ويتواجدون؟ قال: دعوهم يفرحوا مع الله ساعة). وهذا فى كتاب: غذاء الألباب شرح منظومة الآداب جـ 1 ص 120.
فهذه أقوال الأئمة الأربعة – رضى الله تعالى عنهم – فى بيان فضل علم التصوف ومنزلة السادة الصوفية فى الإسلام.
نماذج أخرى من العلماء:
1) قال المفسر الكبير فخر الدين الرازى فى كتابه (اعتقادات فرق المسلمين والمشركين) جـ 2 الباب الثامن فى أحوال الصوفية: (والمتصوفة قوم يشغلون بالفكر وتجرد النفس عن العلائق الجسمانية، ويجتهدون ألا يخلو سرهم وبالهم عن ذكر الله تعالى فى سائر تصرفاتهم وأعمالهم، منطبعون على كمال الأدب مع الله تعالى، وهؤلاء هم خير فرق الآدميين).
والإمام فخر الرازى هو من تعرف الأمة مكانته العلمية وفقهه ومؤلفاته وعقيدته الإسلامية الصحيحة.
2) وجاء فى كتاب (نور التحقيق) للشيخ حامد صقر ص 96: قال سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام رضى الله تعالى عنهم: (قعد القوم من الصوفية على قواعد الشريعة التى لا تنهدم دنياً وأخرى، وقعد غيرهم على الرسوم).
والعز بن عبد السلام هو العالم العظيم والمجاهد الكبير والفقيه المعروف، وقد شهد له جل علماء الإسلام بأنه سلطان العلماء.
3) وقال الشيخ تاج الدين السبكى عالم الأصول فى كتابه (مفيد النعم ومبين النقم) ص 119 متحدثاً عن الصوفية: (والحاصل أنهم أهل الله وخاصته الذين ترتجى الرحمة بذكرهم، ويستنزل الغيث بدعائهم، فرضى الله عنهم وعنا بهم).
والإمام السبكى من كبار الفقهاء وعلماء الأصول المدافعين عن السنة بإجماع كثير من العلماء.
4) وقال الإمام جلال الدين السيوطى فى كتابه (تأييد الحقيقة العلية) ص 57: (وقد تأملت الأمور التى أنكرها أهل الشرع على الصوفية فلم أر صوفيا محققا يقول بشىء منها، وإنما يقول بها أهل البدع والغلاة الذين ادعوا أنهم صوفية وليسوا منها). والإمام السيوطى هو المحدث والمفسر والفقيه وعالم القراءات والحافظ الذى شهد له الجميع.
5) ويقول الشيخ (محمد أبو زهرة) فى مجلة لواء الإسلام العدد 12 سنة 1960 ص 758: (ولذلك أوجب أن نتجه إلى الصوفية كعلاج أخير لوقاية الشباب من الفساد، ولا أعتبر أن هناك علاجاً أجدى منها).
والشيخ أبو زهرة من الفقهاء المعاصرين المشهورين بالحيدة والإنصاف.
6) وقال الإمام النووى شارح صحيح مسلم وصاحب كتاب رياض الصالحين: (أصول طريق التصوف خمسة: تقوى الله فى السر والعلن، واتباع السنة فى الأقوال والأفعال، والإعراض عن الخلق فى الإقبال والإدبار، والرضى عن الله فى القليل والكثير، والرجوع إلى الله فى السراء والضراء) وذلك فى كتابه (المقاصد فى التوحيد والعبادة وأصول التصوف) ص 20. والإمام النووى هو علامة عصره وحجة كبرى فى الفقه الشافعى وعلم الحديث.
موقف أئمة السلفية من الصوفية:
إن الوهابية التى تنتمى- هكذا تقول- إلى السلفية، وإلى ابن تيمية تحديداً، سوف تظهر لها مفأجاة كبرى فى هذا الكتاب فى حكم أئمتها على الصوفية، ونحن نسألهم هل أنتم متبعون أم مبتدعون؟.. فإن كنتم متبعين فامدحوا الصوفية كما مدحها شيوخكم، وإن كنتم مبتدعين، فأنتم خوارج وعملاء لأعداء الإسلام الذين يريدون تفريق الأمة.. وها هى شهادة شيوخكم فى الصوفية تملأ جنبات هذا الكتاب، ومنهم: ابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، ومحمد بن عبد الوهاب، ومحمود خطاب السبكى، وحسن البنا، ونحن فى انتظار ردكم على سؤالنا السابق.
معلوم أن الصوفية عند أئمة الحركة السلفية وسادتهم طائفة إسلامية مثل بقية الطوائف الإسلامية الأخرى كالمحدثين والفقهاء والمتكلمين والمؤرخين والمجاهدين وغيرهم، فيهم المصيب والمخطىء، والصالح والطالح، والأصلى والمزيف.
ولكن إذا أطلق اللفظ فإنه يراد به دائماً: الصالح والمصيب والصحيح منهم، فمثلا لو قلنا: (المحدثون) فالمراد بهم عند الجميع: المحدثون الصالحون الذين حفظوا على الأمة أحاديث رسول الله r وخدموها وبلغوها ونشروها بالطريقة المرضية كالأئمة: البخارى ومسلم والترمذى وابن حجر العسقلانى والسيوطى وابن ماجه وأبو داود والإمام أحمد وغيرهم.
ولا يراد بكلمة (المحدثون) مطلقاً، عند أى أحد أولئك (الدجالون الكذابون الوضاعون) المنتسبون إلى هذه الطائفة الكريمة، والذين قد بين فسادهم ودجلهم أئمة الجرح والتعديل فى كل عصر وزمان هذا كما هو معلوم للجميع.
وهكذا هو الحال فى الفقهاء والمتكلمين والمجاهدين والمؤرخين وغيرهم من طوائف المسلمين.
وهكذا يجب أن يكون الحال فى الصوفية أيضاً.
فعندما يقال: (الصوفية) فحتماً يكون المراد منهم: الفضيل بن عياض ومعروف الكرخى وأبو سليمان الدارانى وبشر الحافى وعبد القادر الجيلانى والجنيد البغدادى وغيرهم ممن سار على نهجهم القويم.
ولا يراد (بالصوفية) البتة أولئك (الدجالون المخرفون المخالفون لكتاب الله وسنة رسوله r، الدخلاء على التصوف وقطاع الطريق إلى الله والدار الآخرة).
بل الذى ندين الله سبحانه وتعالى به، وما نعتقده والحمد لله وبفضله وتوفيقه فى قرارة نفوسنا، وما وجدنا عليه مشايخنا رحمهم الله هو أنه حتى هؤلاء السادة الكرام الفضيل وبشر والدارانى والجنيد والغزالى والجيلانى وغيرهم من الأئمة الكبار وأمثالهم ومن سواهم كلهم يؤخذ من قولهم ويترك إلا المصطفى الصادق المصدوق r وآله.
فالحجة دائماً كتاب الله تعالى وسنة رسوله r، فمن وجدناه موافقاً لهما ولأصولهما وتعاليمهما فعلى الرأس والعين، ومن خالفهما وخالف أصولهما وتعاليمهما فنضرب به عرض الحائط، كائنا من كان، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وبما أن هذه الفتنة: أى مخالفة التصوف والصوفية بدأت تنشط فى بعضهم باسم السلفية أيضاً، كان لزاماً على العلماء ورثة الأنبياء وأهل الحق أن يبذلوا جهودهم لردعها ومكافحتها فإنهم هم المسئولون عن ذلك، حيث إنه من أهم واجباتهم، ولا مجال للتقصير فى ذلك لأهميته.
وقد قال r: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين) رواه البيهقى فى كتاب المدخل عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذرى مرسلا.
وعن أبى سعيد الخدرى t عن رسول الله r قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) رواه مسلم.
وعن أبى سعيد الخدرى t أيضاً (فى حديث طويل) أن رسول الله r قال: (ولا يمنعن أحدا منكم هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه) وفى رواية: (إن رأى منكراً أن يغيره) رواه الترمذى، كذا فى المشكاة.
وقد بدأ العلماء والحمد لله مكافحة هذه الفتنة فى كل مكان أداء للواجب الشرعى، وإحقاقاً للحق فجزاهم الله خيراً وزادهم توفيقاً وسداداً، ونصرهم بنصره.
وقد قمنا بجمع أقوال (أئمة الحركة السلفية) فى التصوف وأموره المتنوعة ومدحهم للسادة الصوفية والثناء عليهم، حتى يثبت للجميع أن هذا القول: (بأن التصوف كله باطل، وأن الصوفية طائفة زائغة لا علاقة لها بالإسلام، بل هم أعداء له، وأن أصلهم من اليونان وبوذية الهند.. إلخ)، نسبته إلى أئمة السلفية كذب وبهتان، وليعلم يقيناً أن من ادعى ذلك فإما أنه جاهل مغرور أو كذاب مفتون.
مع أن ما تركناه من كلامهم فى نفس الموضوع أكثر بكثير جداً مما ذكرناه.
وإنما هى نماذج فقط مما ورد فى كلامهم عن التصوف والصوفية، وقد حاولنا أن نقدم كلام (أئمة الحركة السلفية) السابق ذكرهم نقياً جلياً، ولم نعلق على شىء من ذلك إلا ما كان للضرورة الشديدة جداً حتى يتوضح الموقف الصحيح لهم.
ونرجو البارئ الكريم أن يجعله سبباً لإظهار الحق، ولرفع الغشاوة عن القلوب والأبصار بفضل الله وكرمه.
كما نسأله سبحانه أن يحيينا ويميتنا ويحشرنا على ما كان عليه الفرقة الناجية تحت لواء إمامهم وسيدهم ومولاهم وقائدهم وحبيبهم حبيب رب العالمين وسيد الأنبياء والمرسلين الرحمة للعالمين، والأسوة الحسنة فى جميع الشئون لجميع المؤمنين.
فاللهم إن قلوبنا وجوارحنا ونواصينا بيدك لم تملكنا منها شيئاً، فإذا فعلت ذلك بنا فكن يا ربنا يا كريم أنت ولينا واهدنا إلى سواء السبيل.
واللهم ألهمنا مراشد أمورنا، وأعذنا من شرور أنفسنا، وخذ بقلوبنا إليك، ووفقنا لم تحبه وترضاه من القول والعمل والنية والهدى، إنك على كل شىء قدير.. آمين.
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله أجمعين إلى يوم الدين. وجعلنا من أحبابه برحمته وجوده، إنه أرحم الراحمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
شعبان 1426هـ لجنة البحوث والدراسات
سبتمبر 2005م بالطريقــة العزميــة
الفصل الأول
أحمد بن تيمية الحرَّانى
من كلام المحققين المعاصرين يقول الدكتور أحمد بن محمد بنانى من كتابه (موقف الإمام ابن تيمية من التصوف والصوفية) طبعت جامعة أم القرى بمكة المكرمة منه الطبعة الأولى عام 1406هـ.
تحت عنوان (ملخص الرسالة) ما نصه:
(هذه الرسالة (موقف الإمام ابن تيمية من التصوف والصوفية) تتناول كما هو واضح من عنوانها بعضاً مما كتبه الصوفية من موضوعات وما جرى بينهم من أبحاث ومناقشات، وتعرض من ذلك من وجهة نظرهم، وما استدلوا به على آرائهم، ثم تبين موقف الإمام ابن تيمية فى ذلك الموضوع من نقد أوتأييد أو إجمال أو تفصيل.
وفى أثناء ذلك يتضح الرأى الصحيح المستحق للتأييد من الرأى السقيم المستحق للإنكار، ومن مجموع كل ذلك يتضح موقف الإمام ابن تيمية الإجمالى من التصوف والصوفية.
وقد ظهر لى أن الإمام ابن تيمية لم يكن يعادى التصوف على إطلاقه، بل أنكر منه ما لا يوافق الكتاب والسنة، وما لم يكن مأثوراً عن أحد من الصحابة والتابعين.
وقد تبين لنا فى موضوعات البحث المسماة عند الصوفية بالمقامات والأحوال أن الإمام ابن تيمية أكثر علماً وأدق تعبيراً وأكثر تفصيلا فى بعضها عن غيره ممن كتب فى هذه الموضوعات من الصوفية وغيرهم.. إلخ).
كما أنه قال فى خاتمة الكتاب ما نصه:-
(ثانياً: إن موضوع رسالتنا هو إظهار موقف الإمام ابن تيمية من التصوف وهل هو حق أم لا؟
وقد تبين لنا فى الرسالة: أن الإمام ابن تيمية اتخذ ميزاناً حقاً صادقاً فى محاسبة هؤلا ألا وهو الكتاب والسنة، فمن سار على هذا المنهج دون أن ينحرف عنه قيد أنملة فهو على الحق وعلى الصراط المستقيم، وجدير بالثناء والتقدير، ومن انحرف منهم من هذا الطريق السوى حاد عن ذلك الصراط المستقيم حكم الإمام ابن تيمية ببطلان عمله ورأيه) أ.هـ- رغم أن الباحث نصًّب ابن تيمية وصياً على المسلمين، وقائماً على شرع الله تعالى يصوًّب من يشاء، ورغم أخطاء ابن تيمية التى ذكرناها فى كتب سابقة فى حق الرسول وأهل البيت، بل وفى حق الإله، لأنه صاحب عقيدة التجسيم والتشبيه، إلا أننا نعرض أقواله فى حق الصوفية حتى يرتدع من يزعمون أنهم أتباعه، ثم يكفرون السادة الصوفية.
ومن كلام المؤلفين المحققين المعاصرين ما ذكره المحقق الدكتور ماجد عرسان الكيلانى الأستاذ بكلية التربية بجامعة الملك عبد العزيز – فرع المدينة المنورة – من كتابه (الفكر التربوى عند ابن تيمية) يقول الدكتور الكيلانى فى صفحة (18) ما نصه:-
(وأهمية أعمال – هنرى لاوست – أنه أول باحث أجنبى استهدف مجابهة اللهجة المعادية لابن تيمية فى دوائر الدراسات الغربية وتقديم صورة أفضل وأكثر واقعية عن هذا المفكر المسلم ومكانته فى تاريخ الفكر الإسلامى.
ولقد سار على منهاج لاوست هذا: البروفسور جورج مقدسى فى مقالاته الثلاث التى كتبها عن ابن تيمية بأسلوب علمى مركز.
وكانت المقالة الأولى بعنوان:
Ibn Taymiya’s Autigraph Manuscript on Istihsan.
أى (مخطوطة ابن تيمية عن الاستحسان)
والمقالة الثانية بعنوان:
Ibn Taymiya: A Sufi of the Qadiria Order.
أى (ابن تيمية صوفى من الطريقة القادرية)
أما المقالة الثالثة فكانت بعنوان:
The Tanbih of Ibn Taymiya on Dialectic.
أى (تنبيه ابن تيمية عن التفكير الجدلى).
وفى جميع هذه المقالات الثلاث حاول جورج مقدسى أن يثبت خطأ ما أورده - دونكان ماكدونالد – من ملاحظات عدائية تجاه ابن تيمية، حين زعم أن ابن تيمية لم يكن إلا رجلاً أنانياً (وليس لديه من نفع لطريق الزهد أو الفلسفة أو الدين، وأنه لم يقصد إلا نفع نفسه).
ويرد جورج مقدسى على هذا الاتهام بالقول: (إن طريق ابن تيمية والدرجة العالية من الفهم الشامل للإسلام لديه لا يرفضان مكانة الزهد والتصوف إذا كانت محتويات الزهد ومضامين التصوف صحيحة النقل صائبة المحتوى، وما زال - مقدسى - مستمراً فى أبحاثه فى هذا الميدان وللرجل شغف بابن تيمية سوف يقود إلى أبحاث عميقة مطولة) أ.هـ.
ابن تيمية قادرى الطريقة:
وقال فى صفحة (177) ما نصه:-
(تباين الباحثون فى موقف ابن تيمية من الصوفية واختلفوا اختلافاً كبيراً، وما زال النقاش حول هذا الموضوع يدور على صفحات الكتب والمجلات المتخصصة، فلقد صوَّره البعض – كما فعل المستشرق د. ب. ماكدونالد - على أنه العدو اللدود للصوفية والحياة الروحية سواء.
وآخرون ما زالوا يصرون على أن ابن تيمية لم يكن معادياً للصوفية، وأنه هو نفسه كان صوفياً تلقى صوفيته من الطريقة القادرية.
والواقع أن ما استهدفه ابن تيمية هو إبراز الجوهر الأصلى للتصوف كمدرسة تربوية هدفها الأساس تهذيب النفس وتطهيرها من أخلاقها الذميمة، ولذلك عارض كل انحراف طرأ على التصوف فيما يخص هذا الهدف، وكل ما يخالف القرآن والسنة فى هذا المجال.
وانطلاقاً من هذه القاعدة أظهر ابن تيمية احتراماً كبيراً لروَّاد الزهد وشيوخ التصوف الذين التزموا بالقرآن والسنة من أمثال الفضيل بن عياض، وإبراهيم بن أدهم، والسرى السقطى، والجنيد، وحماد الدباس، والشيخ عبد القادر الكيلانى، وعدى بن مسافر.
وأما ما ذكره – جورج مقدسى – حول انتساب ابن تيمية للقادرية فقد استند فيه إلى سلسلة شيوخ ابن تيمية التى تبدأ بموفق الدين بن قدامة تلميذ الشيخ عبد القادر المباشر وخريج المدرسة القادرية فى بغداد.
واستند كذلك إلى الاحترام والتقدير اللذين يبثهما ابن تيمية فى كتاباته للشيخ عبد القادر، فهو فى رسائله وكتبه يشير إلى الشيخ عبد القادر بنفس المستوى الذى يشير فيه إلى الإمام ابن حنبل من خلال الألقاب التى يسبغها عليه، فهو (قطب العارفين) وهو (شيخنا أبو محمد قدس الله روحه) وهو (أعظم زمانه أمراً بالتزام الشرع)- ابن تيمية - الفتاوى - كتاب علم السلوك مجلد 10 صفحة 448- و (الشيخ عبد القادر ونحوه من أعظم مشايخ زمانهم أمراً بالتزام الشرع والأمر والنهى وتقديمه على الذوق، ومن أعظم المشايخ أمراً بترك الهوى والإرادة النفسية)- ابن تيمية - الفتاوى - المصدر نفسه ص 488.
وإذا ضرب ابن تيمية مثلا قال: (ولهذا كان الشيخ عبد القادر ونحوه من المشايخ)- ابن تيمية - الفتاوى - المصدر نفسه ص (668)- وهو كثير الاستشهاد به كنموذج يقتدى به فى الاعتقاد والسلوك.
وكذلك شرح ابن تيمية مقتطفات كثيرة من أقوال الشيخ عبد القادر وشرح كتابه فتوح الغيب فى مئات الصفحات التى تضمنها المجلد العاشر من الفتاوى والمسمى – كتاب علم السلوك – وخلال هذه الشروح يقدم ابن تيمية الشيخ عبد القادر كنموذج يجسد الإلتزام الصحيح بالكتاب والسنة.
وهناك بعض الإشارات فى كتب ابن تيمية تدل على أنه كان لأسرته صلة روحية بالشيخ عبد القادر – فمثلا يذكر فى كتاب – علم السلوك – ما يلى:
[حدثنى أبى عن محى الدين النحاس وأظننى سمعتها منه أنه رأى الشيخ عبد القادر فى منامه وهو يقول إخباراً عن الحق تعالى: (من جاءنا تلقيناه..) ثم معنى فى شرح هذه العبارة فى صفحة (2)]. أ.هـ.
وقال فى صفحة (179) ما نصه:
(ومهما كان الأمر فإن الموقف الذى اتخذه ابن تيمية من الصوفية تميز بأمرين:
الأول: إنه تعامل مع الصوفية بنفس الأسلوب الذى تعامل به مع الفقهاء والمذاهب الفقهية وعلماء الكلام، فهو يرى أن شيوخ التصوف الأوائل قيدوا علومهم وتربيتهم بالكتاب والسنة.
أما المتأخرون فقد ضل كثير منهم بتأثير الأفلاطونية الجديدة التى تسربت إلى الفكر الإسلامى عامة خلال ترجمة العلوم اليونانية وانحرفوا بعيداً عن الطريق الصحيح للزهد والتربية الروحية - ابن تيمية - الفتاوى - علم السلوك أيضاً مجلد 10 ص 486 – 516 .
والثانى: أن ابن تيمية لم يرفض التصوف جملة، وإنما انتقد ما طرأ عليه من خروج عن الأهداف الأولى ومناهج التربية والسلوك الأولى، وفى ذلك يقول: (والصوفية بنوا أمرهم على الإرادة ولا بد منها، لكن بشرط أن تكون إرادة الله وحده بما أمر- ابن تيمية - الفتاوى – أصول الفقه مجلد 19 ص 172).
ويقول أيضاً: (وما وقع فى هؤلاء من فساد الإعتقاد والأعمال أوجب إنكار طوائف لأصل طريقة المتصوفة بالكلية حتى صار المنحرفون صنفين: صنف يقر بحقها وباطلها، وصنف ينكر حقها وباطلها، كما عليه طوائف من أهل الكلام والفقه.
والصواب: إنما هو الإقرار بما فيها وفى غيرها من موافقة الكتاب والسنة، والإنكار لما فيها وفى غيرها من مخالفة الكتاب والسنة- ابن تيمية - الفتاوى – علم السلوك الجزء (10) ص (82)- ) أ.هـ.
كلمات ابن تيمية فى التصوف
ونشرع الآن بتوفيق الله تعالى فى ذكر قطع متنوعة من كلام ابن تيمية بنفسه وذلك من مؤلفاته المختلفة تتعلق بأمور التصوف، ويأتى فيها ذكر السادة الصوفية وأحوالهم – نبدأ أولا بمؤلفه الجامع المبسوط.
1- (مجموع فتاوى ابن تيمية) جمع وترتيب: عبد الرحمن ابن محمد بن قاسم العاصمى النجدى الحنبلى، وساعده ابنه محمد، الطبعة الأولى سنة 1381هـ بمطبعة الرياض – المجلد الحادى عشر صفحة (5) ذكر فيه:
الصوفية والأحوال:
(سئل شيخ الإسلام قدس الله روحه عن (الصوفية) وأنهم أقسام، و (الفقراء) أقسام، فما صفه كل قسم؟ وما يجب عليه ويستحب له أن يسلكه؟
فأجاب: الحمد لله، أما لفظ (الصوفية) فإنه لم يكن مشهوراً فى القرون الثلاثة، وإنما اشتهر التكلم به بعد ذلك.
وقد نقل التكلم به عن غير واحد من الأئمة والشيوخ: كالإمام أحمد بن حنبل وأبى سليمان الدارانى وغيرهما.
وقد روى عن سفيان الثورى أنه تكلم به، وبعضهم يذكر ذلك عن الحسن البصرى.
وتنازعوا فى (المعنى) الذى أضيف إليه الصوفى فإنه من أسماء النسب كالقرشى والمدنى وأمثال ذلك.
فقيل: إنه نسبة إلى (أهل الصُفة) وهو غلط، لأنه لو كان كذلك لقيل: (صُفَّى).
وقيل: نسبة إلى الصف المقدم بين يدى الله، وهو أيضاً غلط، فإنه لو كان كذلك لقيل: (صَفَّى).
وقيل: نسبة إلى الصفوة من خلق الله وهو غلط، لأنه لو كان كذلك لقيل: (صفوى).
وقيل: نسبة إلى صوفة بن بشر بن أد بن طابخة قبيلة من العرب كانوا يجاورون بمكة من الزمن القديم، ينسب إليهم النساك، وهذا وإن كان موافقاً للنسب من جهة اللفظ فإنه ضعيف أيضاً لأن هؤلاء غير مشهورين ولا معروفين عند أكثر النساك، ولأنه لو نسب النساك إلى هؤلاء لكان هذا النسب فى زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم أولى، ولأن غالب من تكلم باسم (الصوفى) لا يعرف هذه القبيلة ولا يرضى أن يكون مضافاً إلى قبيلة فى الجاهلية لا وجود لها فى الإسلام.
وقيل: وهو المعروف – إنه نسبة إلى لبس الصوف.
فإنه أول ما ظهرت الصوفية من البصرة، وأول من بنى دويرة الصوفية بعض أصحاب عبد الواحد بن زيد، وعبد الواحد من أصحاب الحسن البصرى وكان فى البصرة من المبالغة فى الزهد والعبادة والخوف ونحو ذلك ما لم يكن فى سائر أهل الأمصار، ولهذا كان يقول: فقه كوفى وعبادة بصرية.
وقد روى أبو الشيخ الأصبهانى بإسناده عن محمد بن سيرين أنه بلغه أن قوماً يفضلون لباس الصوف، فقال: إن قوماً يتخيرون الصوف يقولون: إنهم متشبهون بالمسيح بن مريم وهدى نبينا أحب إلينا، وكان النبى r يلبس القطن وغيره، أو كلاماً نحوا من هذا.
ولهذا غالب ما يحكى من المبالغة فى هذا الباب إنما هو من عباد أهل البصرة، مثل حكاية من مات أو غشى عليه فى سماع القرآن ونحوه، كقصة زرارة بن أوفى قاضى البصرة فإنه قرأ فى صلاة الفجر )فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ( (المدثر:8) فخر ميتاً.
وكقصة أبى جهير الأعمى الذى قرأ عليه صالح المرى فمات، وكذلك غيره ممن روى أنهم ماتوا باستماع قراءته، وكان فيهم طوائف يصعقون عند سماع القرآن، ولم يكن فى الصحابة من هذا حاله، فلما ظهر ذلك أنكر ذلك طائفة من الصحابة والتابعين: كأسماء بنت أبى بكر، وعبد الله بن الزبير، ومحمد بن سيرين و نحوهم.
والمنكرون لهم مأخذان:
1- منهم من ظن ذلك تكلفاً وتصنعاً، يذكر عن محمد بن سيرين أنه قال: ما بيننا وبين هؤلاء الذين يصعقون عند سماع القرآن إلا أن يقرأ على أحدهم وهو على حائط فإن خر فهو صادق.
2- ومنهم من أنكر ذلك لأنه رآه بدعة مخالفاً لما عرف من هدى الصحابة كما نقل عن أسماء وابنها عبد الله.
والذى عليه جمهور العلماء: أن الواحد من هؤلاء إذا كان مغلوباً عليه لم ينكر عليه، وإن كان حال الثابت أكمل منه.
ولهذا لما سئل الإمام أحمد عن هذا فقال: قرىء القرآن على يحيى بن سعيد القطان فغشى عليه، ولو قدر أحد أن يدفع هذا عن نفسه لدفعه يحيى بن سعيد فما رأيت أعقل منه، ونحو هذا.
وقد نقل عن الشافعى أنه أصابه ذلك، وعلى بن الفضيل بن عياض قصته مشهورة، وبالجملة فهذا كثير ممن لا يستراب فى صدقه.
لكن الأحوال التى كانت فى الصحابة هى المذكورة فى القرآن وهى: وجل القلوب ودموع العين واقشعرار الجلود..
وقد يذم حال هؤلاء من فيه من قسوة القلوب والرين عليها والجفاء عن الدين ما هو مذموم، وقد فعلوا. ومنهم من يظن أن حالهم هذا أكمل الأحوال وأتمها وأعلاها.
وكلا طرفى هذه الأمور ذميم.
بل المراتب ثلاث:
(أحدها): حال الظالم لنفسه الذى هو قاسى القلب، لا يلين للسماع والذكر، وهؤلاء فيهم شبه من اليهود.
(والثانية): حال المؤمن التقى الذى فيه ضعف عن حمل ما يرد على قلبه، فهذا الذى يصعق صعق موت أو صعق غشى، فإن ذلك إنما يكون لقوة الوارد وضعف القلب عن حمله.
وقد يوجد مثل هذا فى من يفرح أو يخاف أو يحزن أو يحب أموراً دنيوية يقتله ذلك أو يمرضه أو يذهب بعقله.
ومن عباد الصور من أمرضه العشق أو قتله أو جننه وكذلك فى غيره، ولا يكون هذا إلا لمن ورد عليه أمر ضعفت نفسه عن دفعه بمنزلة ما يرد على البدن من الأسباب التى تمرضه أو تقتله أو كان أحدهم مغلوباً على ذلك..
فهذه الأحوال التى يقترن بها الغشى أو الموت أو الجنون أو السكر أو الفناء حتى لا يشعر بنفسه ونحو ذلك، إذا كانت أسبابها مشروعة وصاحبها صادقاً عاجزاً عن دفعها كان محموداً على ما فعله من الخير وما ناله من الإيمان، معذوراً فيما عجز عنه وأصابه بغير اختياره، وهم أكمل ممن لم يبلغ منزلتهم لنقص إيمانهم وقسوة قلوبهم، ونحو ذلك من الأسباب التى تتضمن ترك ما يحبه الله أو فعل ما يكرهه الله.
(والثالثة): من لم يزل عقله مع أنه قد حصل له من الإيمان ما حصل لهم أو مثله أو أكمل منه، فهو أفضل منهم.
وهذه حال الصحابة رضى الله عنهم، وهو حال نبينا r، فإنه أسرى به إلى السماء، وأراه الله ما أراه، وأصبح كبائت لم يتغير عليه حاله، فحاله أفضل من حال موسى r الذى خر صعقاً لما تجلى ربه للجبل.
وحال موسى حال جليلة علية فاضلة، لكن حال محمد r أكمل وأعلى وأفضل.
والمقصود: أن هذه الأمور التى فيها زيادة فى العبادة والأحوال خرجت من البصرة، وذلك لشدة الخوف.
فإن الذى يذكرونه من خوف عتبة الغلام وعطاء السليمى وأمثالهما أمر عظيم، ولا ريب أن
الصوفية والأحوال:
(سئل شيخ الإسلام قدس الله روحه عن (الصوفية) وأنهم أقسام، و (الفقراء) أقسام، فما صفه كل قسم؟ وما يجب عليه ويستحب له أن يسلكه؟
فأجاب: الحمد لله، أما لفظ (الصوفية) فإنه لم يكن مشهوراً فى القرون الثلاثة، وإنما اشتهر التكلم به بعد ذلك.
وقد نقل التكلم به عن غير واحد من الأئمة والشيوخ: كالإمام أحمد بن حنبل وأبى سليمان الدارانى وغيرهما.
وقد روى عن سفيان الثورى أنه تكلم به، وبعضهم يذكر ذلك عن الحسن البصرى.
وتنازعوا فى (المعنى) الذى أضيف إليه الصوفى فإنه من أسماء النسب كالقرشى والمدنى وأمثال ذلك.
فقيل: إنه نسبة إلى (أهل الصُفة) وهو غلط، لأنه لو كان كذلك لقيل: (صُفَّى).
وقيل: نسبة إلى الصف المقدم بين يدى الله، وهو أيضاً غلط، فإنه لو كان كذلك لقيل: (صَفَّى).
وقيل: نسبة إلى الصفوة من خلق الله وهو غلط، لأنه لو كان كذلك لقيل: (صفوى).
وقيل: نسبة إلى صوفة بن بشر بن أد بن طابخة قبيلة من العرب كانوا يجاورون بمكة من الزمن القديم، ينسب إليهم النساك، وهذا وإن كان موافقاً للنسب من جهة اللفظ فإنه ضعيف أيضاً لأن هؤلاء غير مشهورين ولا معروفين عند أكثر النساك، ولأنه لو نسب النساك إلى هؤلاء لكان هذا النسب فى زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم أولى، ولأن غالب من تكلم باسم (الصوفى) لا يعرف هذه القبيلة ولا يرضى أن يكون مضافاً إلى قبيلة فى الجاهلية لا وجود لها فى الإسلام.
وقيل: وهو المعروف – إنه نسبة إلى لبس الصوف.
فإنه أول ما ظهرت الصوفية من البصرة، وأول من بنى دويرة الصوفية بعض أصحاب عبد الواحد بن زيد، وعبد الواحد من أصحاب الحسن البصرى وكان فى البصرة من المبالغة فى الزهد والعبادة والخوف ونحو ذلك ما لم يكن فى سائر أهل الأمصار، ولهذا كان يقول: فقه كوفى وعبادة بصرية.
وقد روى أبو الشيخ الأصبهانى بإسناده عن محمد بن سيرين أنه بلغه أن قوماً يفضلون لباس الصوف، فقال: إن قوماً يتخيرون الصوف يقولون: إنهم متشبهون بالمسيح بن مريم وهدى نبينا أحب إلينا، وكان النبى r يلبس القطن وغيره، أو كلاماً نحوا من هذا.
ولهذا غالب ما يحكى من المبالغة فى هذا الباب إنما هو من عباد أهل البصرة، مثل حكاية من مات أو غشى عليه فى سماع القرآن ونحوه، كقصة زرارة بن أوفى قاضى البصرة فإنه قرأ فى صلاة الفجر )فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ( (المدثر:8) فخر ميتاً.
وكقصة أبى جهير الأعمى الذى قرأ عليه صالح المرى فمات، وكذلك غيره ممن روى أنهم ماتوا باستماع قراءته، وكان فيهم طوائف يصعقون عند سماع القرآن، ولم يكن فى الصحابة من هذا حاله، فلما ظهر ذلك أنكر ذلك طائفة من الصحابة والتابعين: كأسماء بنت أبى بكر، وعبد الله بن الزبير، ومحمد بن سيرين و نحوهم.
والمنكرون لهم مأخذان:
1- منهم من ظن ذلك تكلفاً وتصنعاً، يذكر عن محمد بن سيرين أنه قال: ما بيننا وبين هؤلاء الذين يصعقون عند سماع القرآن إلا أن يقرأ على أحدهم وهو على حائط فإن خر فهو صادق.
2- ومنهم من أنكر ذلك لأنه رآه بدعة مخالفاً لما عرف من هدى الصحابة كما نقل عن أسماء وابنها عبد الله.
والذى عليه جمهور العلماء: أن الواحد من هؤلاء إذا كان مغلوباً عليه لم ينكر عليه، وإن كان حال الثابت أكمل منه.
ولهذا لما سئل الإمام أحمد عن هذا فقال: قرىء القرآن على يحيى بن سعيد القطان فغشى عليه، ولو قدر أحد أن يدفع هذا عن نفسه لدفعه يحيى بن سعيد فما رأيت أعقل منه، ونحو هذا.
وقد نقل عن الشافعى أنه أصابه ذلك، وعلى بن الفضيل بن عياض قصته مشهورة، وبالجملة فهذا كثير ممن لا يستراب فى صدقه.
لكن الأحوال التى كانت فى الصحابة هى المذكورة فى القرآن وهى: وجل القلوب ودموع العين واقشعرار الجلود..
وقد يذم حال هؤلاء من فيه من قسوة القلوب والرين عليها والجفاء عن الدين ما هو مذموم، وقد فعلوا. ومنهم من يظن أن حالهم هذا أكمل الأحوال وأتمها وأعلاها.
وكلا طرفى هذه الأمور ذميم.
بل المراتب ثلاث:
(أحدها): حال الظالم لنفسه الذى هو قاسى القلب، لا يلين للسماع والذكر، وهؤلاء فيهم شبه من اليهود.
(والثانية): حال المؤمن التقى الذى فيه ضعف عن حمل ما يرد على قلبه، فهذا الذى يصعق صعق موت أو صعق غشى، فإن ذلك إنما يكون لقوة الوارد وضعف القلب عن حمله.
وقد يوجد مثل هذا فى من يفرح أو يخاف أو يحزن أو يحب أموراً دنيوية يقتله ذلك أو يمرضه أو يذهب بعقله.
ومن عباد الصور من أمرضه العشق أو قتله أو جننه وكذلك فى غيره، ولا يكون هذا إلا لمن ورد عليه أمر ضعفت نفسه عن دفعه بمنزلة ما يرد على البدن من الأسباب التى تمرضه أو تقتله أو كان أحدهم مغلوباً على ذلك..
فهذه الأحوال التى يقترن بها الغشى أو الموت أو الجنون أو السكر أو الفناء حتى لا يشعر بنفسه ونحو ذلك، إذا كانت أسبابها مشروعة وصاحبها صادقاً عاجزاً عن دفعها كان محموداً على ما فعله من الخير وما ناله من الإيمان، معذوراً فيما عجز عنه وأصابه بغير اختياره، وهم أكمل ممن لم يبلغ منزلتهم لنقص إيمانهم وقسوة قلوبهم، ونحو ذلك من الأسباب التى تتضمن ترك ما يحبه الله أو فعل ما يكرهه الله.
(والثالثة): من لم يزل عقله مع أنه قد حصل له من الإيمان ما حصل لهم أو مثله أو أكمل منه، فهو أفضل منهم.
وهذه حال الصحابة رضى الله عنهم، وهو حال نبينا r، فإنه أسرى به إلى السماء، وأراه الله ما أراه، وأصبح كبائت لم يتغير عليه حاله، فحاله أفضل من حال موسى r الذى خر صعقاً لما تجلى ربه للجبل.
وحال موسى حال جليلة علية فاضلة، لكن حال محمد r أكمل وأعلى وأفضل.
والمقصود: أن هذه الأمور التى فيها زيادة فى العبادة والأحوال خرجت من البصرة، وذلك لشدة الخوف.
فإن الذى يذكرونه من خوف عتبة الغلام وعطاء السليمى وأمثالهما أمر عظيم، ولا ريب أن حالهم أكمل وأفضل ممن لم يكن عنده من خشية الله ما قابلهم أو تفضل عليهم.
ومن خاف الله خوفاً مقتصداً يدعوه إلى فعل ما يحبه الله وترك ما يكرهه الله من غير هذه الزيادة فحاله أكمل وأفضل من حال هؤلاء. وهو حال الصحابة رضى الله عنهم.
وقد روى أن عطاء السليمى t رؤى بعد موته فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: قال لى: (يا عطاء أما استحييت منى أن تخافنى كل هذا، أما بلغك أنى غفور رحيم).
وكذلك ما يذكر عن أمثال هؤلاء من الأحوال من الزهد والورع والعبادة وأمثال ذلك قد ينقل فيها من الزيادة على حال الصحابة رضى الله عنهم وعلى ما سنه الرسول r أمور، توجب أن يصير الناس طرفين:
1- قوم يذمون هؤلاء وينتقصونهم وربما أسرفوا فى ذلك.
2- وقوم يغلون فيهم ويجعلون هذا الطريق من أكمل الطرق وأعلاها.
والتحقيق: أنهم فى هذه العبادات والأحوال مجتهدون كما كان جيرانهم من أهل الكوفة مجتهدين فى مسائل القضاء والأمارة ونحو ذلك، وخرج فيهم الرأى الذى فيه من مخالفة السنة ما أنكره جمهور الناس.
وخيار الناس من (أهل الفقه والرأى) فى أولئك الكوفيين على طرفين:
1- قوم يذمونهم ويسرفون فى ذمهم.
2- وقوم يغلون فى تعظيمهم ويجعلونهم أعلم بالفقه من غيرهم، وربما فضلوهم على الصحابة، كما أن الغلاة فى أولئك العباد قد يفضلونهم على الصحابة. وهذا باب يفترق فيه الناس.
والصواب للمسلم: أن يعلم أن خير الكلام كلام الله وخير الهدى هدى محمد r، وخير القرون القرن الذى بعث فيهم، وأن أفضل الطرق والسبل إلى الله ما كان عليه هو وأصحابه.
ويعلم من ذلك أن على المؤمنين أن يتقوا الله بحسب اجتهادهم ووسعهم كما قال تعالى: )فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ( (التغابن: 16). وقال r: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)، وقال: )لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا( (البقرة: 286).
وإن كثيراً من المؤمنين – المتقين أولياء الله – قد لا يحصل لهم من كمال العلم والإيمان ما حصل للصحابة فيتقى الله ما استطاع ويطيعه بحسب اجتهاده، فلا بد أن يصدر منه خطأ – إما فى علومه وأقواله وإما فى أعماله وأحواله، ويثابون على طاعتهم ويغفر لهم خطاياهم فإن الله تعالى قال: )آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ( إلى قوله: )رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا( (البقرة:286،285) قال الله تعالى: قد فعلت.
فمن جعل طريق أحد من العلماء والفقهاء، أو طريق أحد من العباد والنساك أفضل من طريق الصحابة فهو مخطىء ضال مبتدع.
ومن جعل كل مجتهد فى طاعة أخطأ فى بعض الأمور مذموماً معيباً ممقوتاً فهو مخطىء ضال مبتدع- لاحظ هذه العبارة وقارن بينها وبين ما يتلفظ به الوهابية وذيولهم فى حق بعض سادات الصوفية، وإن سألتهم عن ذنبهم ذكروا لك أن كونهم صوفية هو أكبر ذنب لهم.
وإذا عرف أن منشأ (التصوف) كان من البصرة، وأنه كان فيها من يسلك طريق العبادة والزهد مما له فيه اجتهاد، كما كان فى الكوفة من يسلك من طريق الفقه والعلم ما له فيه اجتهاد، وهؤلاء نسبوا إلى اللبسة الظاهرة وهى لباس الصوف، فقيل فى أحدهم: (صوفى).
وليس طريقهم مقيداً بلباس الصوف، ولا هم أوجبوا ذلك ولا علقوا الأمر به، لكن أضيفوا إليه لكونه ظاهر الحال.
الصوفية والصديقية:
ثم (التصوف) عندهم له حقائق وأحوال معروفة قد تكلموا فى حدوده وسيرته وأخلاقه كقول بعضهم: الصوفى: من صفا من الكدر، وامتلأ من الفكر، واستوى عنده الذهب والحجر.
التصوف: كتمان المعانى وترك الدعاوى، وأشباه ذلك، وهم يسيرون بالصوفى إلى معنى (الصديق).
وأفضل الخلق بعد الأنبياء: الصديقون، كما قال تعالى: )فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً( (النساء: 69) ولهذا ليس عندهم بعد الأنبياء أفضل من الصوفى، لكن هو فى الحقيقة نوع من الصديقين.
فهو الصديق الذى اختص بالزهد والعبادة على الوجه الذى اجتهدوا فيه، فكان (الصديق) من أهل هذه الطريق، كما يقال: (صديقوا العلماء) و(صديقوا الأمراء)، فهو أخص من الصديق المطلق، ودون الصديق الكامل الصديقية من الصحابة والتابعين وتابعيهم.
فإذا قيل عن أولئك الزهاد والعباد من البصريين: إنهم صديقون فهو كما يقال عن أئمة الفقهاء من أهل الكوفة إنهم صديقون أيضاً، كل بحسب الطريق الذى سلكه من طاعة الله ورسوله بحسب اجتهاده، وقد يكونون من أجلَّ الصديقين بحسب زمانهم، فهم من أكمل صديقى زمانهم، والصديق فى العصر الأول أكمل منهم.
والصديقون درجات وأنواع.
ولهذا يوجد لكل منهم صنف من الأحوال والعبادات حققه وأحكمه وغلب عليه، وإن كان غيره فى غير ذلك الصنف أكمل منه وأفضل منه.
ولأجل ما وقع فى كثير منهم من الاجتهاد والتنازع، فيه تنازَعَ الناس فى طريقهم.
فطائفة ذمت (الصوفية والتصوف) وقالوا: إنهم مبتدعون خارجون عن السنة، ونقل عن طائفة من الأئمة فى ذلك من الكلام ما هو معروف، وتبعهم على ذلك طوائف من أهل الفقه والكلام.
وطائفة غلت فيهم وادعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء.
وكلا طرفى هذه الأمور ذميم- يلاحظ هذه العبارة المنتسبون إلى السلفية وخاصة إلى ابن تيمية.
(والصواب) أنهم مجتهدون فى طاعة الله، كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله.
ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده، وفيهم المقتصد الذى هو من أهل اليمين، وفى كل من الصنفين من قد يجتهد فيخطىء، وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب.
ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه عاص لربه.
وقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة، ولكن عند المحققين من أهل التصوف ليسوا منهم كالحلاج مثلا، فإن أكثر مشايخ الطريق أنكروه وأخرجوه عن الطريق مثل الجنيد بن محمد سيد الطائفة وغيره، كما ذكر ذلك الشيخ أبو عبد الرحمن السلمى فى (طبقات الصوفية) وذكره الحافظ أبو بكر الخطيب فى تاريخ بغداد. فهذا أصل التصوف.
ثم إنه بعد ذلك تشعب وتنوع، وصارت الصوفية ثلاثة أصناف:
صوفية الحقائق، وصوفية الأرزاق، وصوفية الرسم.
(1) فأما (صوفية الحقائق) فهم الذين وصفناهم.
(2) وأما (صوفية الأرزاق) فهم الذين وقفت عليهم الوقوف كالخوانك، فلا يشترط فى هؤلاء أن يكونوا من أهل الحقائق فإن هذا عزيز، وأكثر أهل الحقائق لا يتصفون بلزوم الخوانك ولكن يشترط فيهم ثلاثة شروط:-
أحدها: العدالة الشرعية بحيث يؤدون الفرائض ويجتنبون المحارم.
والثانى: التأدب بآداب أهل الطريق، وهى الآداب الشرعية فى غالب الأوقات، وأما الآداب البدعية الوضعية فلا يلتفت إليها.
والثالث: أن لا يكون أحدهم متمسكاً بفضول الدنيا، فأما من كان جماعاً للمال، أو كان غير متخلق بالأخلاق المحمودة، ولا يتأدب بالآداب الشرعية، أو كان فاسقاً فإنه لا يستحق ذلك.
(3) وأما (صوفية الرسم) فهم المقصرون على النسبة، فهمهم فى اللباس والآداب الوضعية ونحو ذلك.
فهؤلاء فى الصوفية بمنزلة الذى يقتصر على زى أهل العلم وأهل الجهاد ونوع ما من أقوالهم وأعمالهم بحيث يظن الجاهل حقيقة أمره أنه منهم وليس منهم.
الفقير والصوفى والولى:
(ثم بسط فى البحث عن لفظ (الفقير) حتى قال): لكن لما كان جنس الزهد فى الفقراء أغلب، صار الفقر فى اصطلاح كثير من الناس عبارة عن طريق الزهد وهو من جنس التصوف.
فإذا قيل: هذا فيه فقر أو ما فيه فقر لم يرد به عدم المال، ولكن يراد به ما يراد باسم الصوفى من المعارف والأحوال والأخلاق والآداب ونحو ذلك.
وعلى هذا الاصطلاح قد تنازعوا أيهما أفضل: الفقير أو الصوفى؟.
فذهب طائفة إلى ترجيح الصوفى كأبى جعفر السهروردى ونحوه، وذهب طائفة إلى ترجيح الفقير كطوائف كثيرين.
وربما يختص هؤلاء بالزوايا وهؤلاء بالخوانك ونحو ذلك.
وأكثر الناس قد رجحوا الفقير.
والتحقيق: أن أفضلهما أتقاهما، فإن كان الصوفى أتقى لله كان أفضل منه، وهو أن يكون أعمل بما يحبه الله وأترك لما لا يحبه، فهو أفضل من الفقير.
وإن كان الفقير أعمل بما يحبه الله وأترك لما لا يحبه كان أفضل منه، فإن استويا فى فعل المحبوب وترك غير المحبوب استويا فى الدرجة.
و(أولياء الله) هم المؤمنون المتقون سواء سمى أحدهم: فقيراً أو صوفيا أو فقيها أو عالماً أو تاجراً أو جندياً أو صانعاً أو أميراً أو حاكماً أو غير ذلك.
قال الله تعالى: )أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ( (يونس : 62).
2- وذكر فى (مجموع الفتاوى) الجزء الحادى عشر ص 25:
(وسئل: ما تقول الفقهاء رضى الله عنهم فى رجل يقول: (إن الفقر لم نتعبد به ولم نؤمر به ولا جسم له ولا معنى، وأنه غير سبيل موصل إلى رضا الله تعالى وإلى رضا رسوله، وإنما تعبدنا بمتابعة أمر الله واجتناب نهيه من كتاب الله وسنة رسوله r، وإن أصل كل شىء العلم والتعبد به والعمل به والتقوى والروع عن المحارم، و(الفقر) المسمى على لسان الطائفة والأكابر هو الزهد فى الدنيا يفيده العلم الشرعى فيكون الزهد فى الدنيا العمل بالعلم وهذا هو الفقر، فإذا الفقر فرع من فروع العلم والأمر على هذا، وما ثم طريق أوصل من العلم والعمل بالعلم على ما صح وثبت عن النبى r، ويقول: (إن الفقر المسمى المعروف عند أكثر أهل الزى المشروع فى هذه الأعصار من الزى والألفاظ والاصطلاحات المعتادة غير مرضى لله ولا رسوله) فهل الأمر كما قال أو غير ذلك؟ أفتونا مأجورين.
فأجاب ابن تيمية قائلاً: الحمد لله، أصل هذه المسألة أن الألفاظ التى جاء بها الكتاب والسنة علينا أن نتبع ما دلت عليه مثل لفظ الإيمان والبر والتقوى والصدق والعدل والإحسان والصبر والشكر والتوكل والخوف والرجاء والحب لله والطاعة لله وللرسول وبر الوالدين والوفاء بالعهد ونحو ذلك مما يتضمن ذكر ما أحبه الله ورسوله من القلب والبدن.
فهذه الأمور التى يحبها الله ورسوله هى الطريق الموصل إلى الله مع ترك ما نهى الله عنه ورسوله كالكفر والنفاق والكذب والإثم والعدوان والظلم والجزع والهلع والشرك والبخل والجبن وقسوة القلب والغدر وقطيعة الرحم ونحو ذلك.
فعلى كل مسلم أن ينظر فيما أمر الله به ورسوله فيفعله، وما نهى الله عنه ورسوله فيتركه، هذا هو طريق الله وسبيله ودينه الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وهذا (الصراط المستقيم) يشتمل على علم وعمل: علم شرعى وعمل شرعى.
فمن علم ولم يعمل بعلمه كان فاجراً، ومن عمل بغير علم كان ضالاً.
وقد أمرنا الله سبحانه أن نقول: )اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ( (الفاتحة:7،6) قال النبى r: اليهود مغضوب عليهم، والنصارى عبدوا الله بغير علم.
ولهذا كان السلف يقولون: احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون.
وكانوا يقولون: من فسد من العلماء ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من العباد ففيه شبه من النصارى.
فمن دعا إلى العلم دون العمل بالمأمور به كان مضلا.
ومن دعا إلى العمل دون العلم كان مضلا.
وأضل منهما من سلك فى العلم طريق أهل البدع فيتبع أموراً تخالف الكتاب والسنة يظنها علوماً وهى جهالات.
وكذلك من سلك فى العبادة طريق أهل البدع فيعمل أعمالاً تخالف الأعمال المشروعة يظنها عبادات وهى ضلالات.
فهذا وهذا كثير فى المنحرف المنتسب إلى فقه أو فقر، يجتمع فيه أنه يدعو إلى العلم دون العمل، والعمل دون العلم، ويكون ما يدعو إليه فيه بدع تخالف الشريعة.
وطريق الله لا تتم إلا بعلم وعمل، يكون كلاهما موافقاً للشريعة. فالسالك طريق (الفقر والتصوف والزهد والعبادة) إن لم يسلك بعلم يوافق الشريعة، وإلا كان ضالا عن الطريق، وكان ما يفسده أكثر مما يصلحه.
والسالك من (الفقه والعلم والنظر والكلام) إن لم يتابع الشريعة ويعمل بعلمه وإلا كان فاجراً ضالا عن الطريق.
فهذا هو الأصل الذى يجب اعتماده على كل مسلم.
وأما التعصب لأمر من الأمور بلا هدى من الله فهو من عمل الجاهلية: )وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ( (القصص: 50 ).
ولا ريب أن لفظ (الفقر) فى الكتاب والسنة وكلام الصحابة والتابعين وتابعيهم لم يكونوا يريدون به نفس طريق الله وفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه والأخلاق المحمودة ولا نحو ذلك، بل الفقر عندهم ضد الغنى.
و(الفقراء) هم الذين ذكرهم الله فى قوله: )إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ( (التوبة:60). وفى قوله: )لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ( (البقرة:273) وفى قوله: )لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ( (الحشر:8).
و(الغنى) هو الذى لا يحل له أخذ الزكاة، أو الذى تجب عليه الزكاة أو ما يشبه ذلك.
لكن لما كان الفقر مظنة الزهد طوعاً وكرهاً، إذ من العصمة أن لا تقدر، وصار المتأخرون كثيراً ما يقرنون بالفقر معنى الزهد.
والزهد قد يكون مع الغنى وقد يكون مع الفقر، ففى الأنبياء والسابقين الأولين ممن هو زاهد مع غناه كثير.
و(الزهد) المشروع ترك ما لا ينفع فى الدار الآخرة، وأما كل ما يستعين به العبد على طاعة الله فليس تركه من الزهد المشروع، بل ترك الفضول التى تشغل عن طاعة الله ورسوله هو المشروع.
وكذلك فى أثناء المائة الثانية صاروا يعبرون عن ذلك بلفظ (الصوفى) لأن لبس الصوف يكثر فى الزهاد.
3- وذكر أيضاً فى (مجموع الفتاوى) الجزء الحادى عشر صفحة (70):
(وأما المتأخرون (فالفقير) فى عرفهم عبارة عن السالك إلى الله تعالى كما هو (الصوفى) فى عرفهم أيضاً.
ثم منهم من يرجح مسمى (الصوفى) على مسمى (الفقير) لأنه عنده الذى قام بالباطن والظاهر.
ومنهم من يرجح مسمى (الفقير) لأنه عنده الذى قطع العلائق ولم يشتغل فى الظاهر بغير الأمور الواجبة، وهذه منازعات لفظية إصطلاحية.
و(التحقيق) أن المراد المحمود بهذين الاسمين داخل فى مسمى الصديق والولى والصالح ونحو ذلك من الأسماء التى جاء بها الكتاب والسنة، فمن حيث دخل فى الأسماء النبوية يترتب عليه من الحكم ما جاءت به الرسالة.
وأما ما تميز به مما يعده صاحبه فضلا وليس بفضل، أو مما يوالى عليه صاحبه غيره ونحو ذلك من الأمور التى يترتب عليها زيادة الدرجة فى الدين والدنيا فهى أمور مهدرة فى الشريعة إلا إذا جعلت من المباحات كالصناعات فهذا لا بأس به، بشرط أن لا يعتقد أن تلك المباحات من الأمور المستحبات.
وأما ما يقترن بذلك من الأمور المكروهة فى دين الله من أنواع البدع والفجور فيجب النهى عنه كما جاءت به الشريعة.
4- وذكر أيضاً فى (مجموع الفتاوى) الجزء الحادى عشر ص (194):
وليس لأولياء الله شىء يتميزون به عن الناس فى الظاهر من الأمور المباحات، فلا يتميزون بلباس دون لباس إذا كان كلاهما مباحاً، ولا بحلق شعر أو تقصيره أو ظفره إذا كان مباحاً كما قيل: (كم من صديق فى قباء، وكم من زنديق فى عباء).
بل يوجدون فى جميع أصناف أمة محمد r إذا لم يكونوا من أهل البدع الظاهرة والفجور.
فيوجدون فى أهل القرآن وأهل العلم، ويوجدون فى أهل الجهاد والسيف، ويوجدون فى التجار والصناع والزراع.
وقد ذكر الله أصناف أمة محمد r فى قوله تعالى: )إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَك وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى َآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّه وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ( (المزمل:20).
وكان السلف يسمون أهل الدين والعلم (القراء) فيدخل فيهم العلماء والنساك ثم حدث بعد ذلك اسم (الصوفية والفقراء).
وصار اسم (الفقراء) يعنى به أهل السلوك، وهذا عرف حادث. وقد تنازع الناس أيما أفضل مسمى (الصوفى) أو مسمى (الفقير)؟ ويتنازعون أيضاً أيما أفضل: الغنى الشاكر أو الفقير الصابر؟.
الكرامات وخوارق العادات:
5- وذكر أيضاً فى (مجموع الفتاوى) الجزء الحادى عشر ص (320)، بعد بحث عن الخارق قال ما نصه:-
فتلخص أن الخارق (كشفا كان أم تأثيراً) ثلاثة أقسام:
محمود فى الدين، ومذموم فى الدين، ومباح لا محمود ولا مذموم فى الدين.
فإن كان المباح فيه منفعة كان نعمة، وإن لم يكن فيه منفعة كان كسائر المباحات التى لا منفعة فيها كاللعب والعبث.
قال أبو على الجوزجانى- أحد كبار مشايخ السادة الصوفية وأئمتهم yه : كن طالباً للاستقامة لا طالباً للكرامة، فإن نفسك منجبلة على طلب الكرامة وربك يطلب منك الاستقامة.
قال الشيخ السهروردى فى عوارفه: وهذا الذى ذكره أًصل عظيم كبير فى الباب وسر غفل عن حقيقته كثير من أهل السلوك والطلاب.
وذلك أن المجتهدين والمتعبدين سمعوا عن سلف الصالحين المتقدمين وما منحوا به من الكرامات وخوارق العادات، فأبداً نفوسهم لا تزال تتطلع إلى شىء من ذلك، ويحبون أن يرزقوا شيئاً من ذلك، ولعل أحدهم يبقى منكسر القلب متهماً لنفسه فى صحة عمله حيث لم يكاشف بشىء من ذلك، ولو علموا سر ذلك لهان عليهم فيعلم أن الله يفتح على بعض المجاهدين الصادقين من ذلك باباً.
والحكمة فيه أن يزداد بما يرى من خوارق العادات وآثار القدرة تفنناً، فيقوى عزمه على هذا الزهد فى الدنيا، والخروج من دواعى الهوى.
وقد يكون بعض عباده يكاشف بصدق اليقين ويرفع عن قلبه الحجاب، ومن كوشف بصدق اليقين أغنى بذلك عن رؤية خرق العادات، لأن المراد منها كان حصول اليقين وقد حصل اليقين، فلو كوشف هذا المرزوق صدق اليقين بشىء من ذلك لازداد يقيناً.
فلا تقضى الحكمة كشف القدرة بخوارق العادات لهذا الموضع استغناء به، وتقتضى الحكمة كشف ذلك لآخر لموضع حاجته، وكان هذا الثانى يكون أتم استعداداً وأهلية من الأول.
فسبيل الصادق مطالبة النفس بالاستقامة، فهى كل الكرامة، ثم إذا وقع فى طريقه شىء خارق كان كأن لم يقع فما يبالى ولا ينقص بذلك، وإنما ينقص بالإخلال بواجب حق الاستقامة.
فتعلم هذا، لأنه أصل كبير للطالبين والعلماء الزاهدين ومشايخ الصوفية.
أذواق الصوفية من المصالح المرسلة:
6- وذكر أيضاً فى (مجموع الفتاوى) الجزء الحادى عشر ص 338:
(فالطريق العقلية والنقلية والكشفية والخبرية والنظرية: طريقة أهل الحديث وأهل الكلام وأهل التصوف، قد تجاذبها الناس نفياً وإثباتاً.
فمن الناس من ينكر منها ما لا يعرفه، ومن الناس من يغلو فيما يعرفه، فيرفعه فوق قدره وينفى ما سواه.
فالمتكلمة والمتفلسفة تعظم الطرق العقلية وكثير منها فاسد متناقض، وهم أكثر خلق الله تناقضاً واختلافاً، وكل فريق يرد على الآخر فيما يدعيه قطعياً.
وطائفة ممن تدعى السنة والحديث يحتجون فيها بأحاديث موضوعة وحكايات مصنوعة يعلم أنها كذب، وقد يحتجون بالضعيف فى مقابلة القوى.
وكثير من المتصوفة والفقراء يبنى على منامات وأذواق وخيالات يعتقدها كشفاً وهى خيالات غير مطابقة وأوهام غير صادقة )إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئاً( (النجم: 28).. فنقول:
أما طرق الأحكام الشرعية التى نتكلم عليها فى أصول الفقه فهى – بإجماع المسلمين- (الكتاب) لم يختلف أحد من الأئمة فى ذلك، كما خالف بعض أهل الضلال فى الاستدلال على بعض المسائل الاعتقادية.
والثانى: (السنة المتواترة) التى لا تخالف ظاهر القرآن، بل تفسره مثل أعداد الصلاة وأعداد ركعاتها، ونصيب الزكاة وفرائضها، وصفة الحج والعمرة، وغير ذلك من الأحكام التى لم تعلم إلا بتفسير السنة.
الطريق الثالث: (السنن المتواترة) عن رسول الله r إما متلقاة بالقبول يبن أهل العلم بها، أو برواية الثقات لها.
وهذه أيضاً مما اتفق أهل العلم على اتباعها من أهل الفقه والحديث والتصوف وأكثر أهل العلم، وقد أنكرها بعض أهل الكلام.
وأنكر كثير منهم أن يحصل العلم بشىء منها، وإنما يوجب العلم، فلم يفرقوا بين المتلقى بالقبول وغيره.
الطريق الرابع: (الإجماع) وهو متفق عليه من بين عامة المسلمين من الفقهاء والصوفية وأهل الحديث والكلام وغيرهم فى الجملة، وأنكره بعض أهل البدع من المعتزلة والشيعة، لكن المعلوم منه هو ما كان عليه الصحابة، وأما ما بعد ذلك فتعذر العلم به غالباً.
الطريق الخامس: (القياس على النص والإجماع) وهو حجة أيضاً عند جماهير الفقهاء، ولكن كثيراً من أهل الرأى أسرف فيه حتى استعمله قبل البحث عن النص، وحتى رد به النصوص وحتى استعمل منه الفاسد.
ومن أهل الكلام وأهل الحديث وأهل القياس من ينكره رأساً.
وهى مسألة كبيرة، والحق فيها متوسط بين الإسراف والنقض.
الطريق السادس: (الاستصحاب) وهو البقاء على الأصل فيما لم يعلم ثبوته وانتفاؤه بالشرع، وهو حجة على عدم الاعتقاد بالاتفاق، وهل هو حجة فى اعتقاد العدم؟ فيه خلاف.
الطريق السابع: (المصالح المرسلة) وهو أن يرى المجتهد أن هذا الفعل يجلب منفعة راجحة وليس فى الشرع ما ينفيه.
فهذه الطريق فيها خلاف مشهور، فالفقهاء يسمونها (المصالح المرسلة) ومنهم من يسميها (الرأى) وبعضهم يقرب إليها (الاستحسان)، وقريب منها: ذوق الصوفية ووجدهم وإلهاماتهم، فإن حاصلها أنهم يجدون فى القول والعمل مصلحة فى قلوبهم وأديانهم ويذوقون طعم ثمرته، وهذه مصلحة.
لكن بعض الناس يخص المصالح المرسلة بحفظ النفوس والأموال والأعراض والعقول والأديان، وليس كذلك.
بل المصالح المرسلة فى جلب المنافع وفى دفع المضار، وما ذكروه من دفع المضار عن هذه الأمور الخمسة فهو أحد القسمين.
وجلب المنفعة يكون فى الدينا وفى الدين، ففى الدنيا كالمعاملات والأعمال التى يقال فيها مصلحة للخلق من غير حظر شرعى.
وفى الدين ككثير من المعارف والأحوال والعبادات والزهادات التى يقال فيها مصلحة للإنسان من غير منع شرعى، فمن قصر المصالح على العقوبات التى فيها دفع الفساد عن تلك الأحوال ليحفظ الجسم فقط فقد قصر.
وهذا فصل عظيم ينبغى الاهتمام به، فإن من جهته حصل فى الدين اضطراب عظيم، وكثير من الأمراء والعلماء والعباد رأوا مصالح فاستعملوها بناء على هذا الأصل، وقد يكون منها ما هو محظور فى الشرع ولم يعلموه، وربما قدم على المصالح المرسلة كلاماً بخلاف النصوص، وكثير منهم من أهمل مصالح يجب اعتبارها شرعاً بناء على أن الشرع لم يرد بها، ففوت واجبات ومستحبات، أو وقع فى محظورات ومكروهات، وقد يكون الشرع ورد بذلك ولم يعلمه.
إصلاح القلب مقدم على العبادة:
7- وذكر أيضاً فى (مجموع الفتاوى) الجزء الحادى عشر ص 381:
(وسئل: أيما أولى: معالجة ما يكره الله من قلبك مثل الحسد والحقد والغل والكبر والرياء والسمعة ورؤية الأعمال وقسوة القلب وغير ذلك مما يختص بالقلب من درنه وخبثه، أو الاشتغال بالأعمال الظاهرة من الصلاة والصيام وأنواع القربات من النوافل والمنذورات مع وجود تلك الأمور فى قلبه؟ أفتونا مأجورين.
فأجاب: الحمد لله، من ذلك ما هو عليه واجب، وإن للأوجب فضل وزيادة كما قال تعالى فيما يرويه عنه رسوله r: (ما تقرب إلى عبدى بمثل أداء ما افترضت عليه).
ثم قال: (ولا يزال عبدى يتقرب إلىَّ بالنوافل حتى أحبه)، والأعمال الظاهرة لا تكون صالحة مقبولة إلا بتوسط عمل القلب، فإن القلب ملك والأعضاء جنوده، فإذا خبث الملك خبثت جنوده.
ولهذا قال النبى r: (ألا وإن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله).
وكذلك أعمال القلب لا بد أن تؤثر فى عمل الجسد، وإذا كان المقدم هو الأوجب [سواء] سمى باطناً أو ظاهراً فقد يكون ما يسمى باطناً أوجب مثل ترك الحسد والكبر فإنه أوجب عليه من نوافل الصيام.
وقد يكون ما سمى ظاهراً أفضل، مثل قيام الليل، فإنه أفضل من مجرد ترك بعض الخواطر التى تخطر فى القلب من جنس الغبطة ونحوها، وكل واحد من عمل الباطن والظاهر يعين الآخر، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وتورث الخشوع ونحو ذلك من الآثار العظيمة، هى أفضل الأعمال والصدقة، والله أعلم.
مكاشفات أهل الصفا:
8- وذكر أيضاً فى (مجموع الفتاوى) الجزء الحادى عشر ص (395):
(سئل: ما الحكمة فى أن المشتغلين بالذكر والفكر والرياضة ومجاهدة النفس وما أشبهه يفتح عليهم من الكشوفات والكرامات وما سوى ذلك من الأحوال – مع قلة علمهم وجهل بعضهم – ما لا يفتح على المشتغلين بالعلم ودرسه والبحث عنه؟ حتى لو بات الإنسان متوجهاً مشتغلاً بالذكر والحضور لا بد أن يرى واقعة أو يفتح عليه شىء، ولو بات ليلة يكرر على باب من أبواب الفقه لا يجد ذلك، حتى أن كثيراً من المتعبدين يجد للذكر حلاوة ولذة، ولا يجد ذلك عند قراءة القرآن مع أنه قد وردت السنة بتفضيل العالم على العابد لا سيما إذا كان العابد محتاجاً إلى علم هو مشتغل به عن العبادة، ففى الحديث (إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب)، وفى الحديث القدسى عن النبى r أنه قال: (إذا كان يوم القيامة يقول الله عز وجل للعابدين والمجاهدين: ادخلوا الجنة، فيقول العلماء: بفضل علمنا عبدوا وجاهدوا، فيقول الله عز وجل لهم: أنتم عندى كملائكتى، إشفعوا، فيشفعون ثم يدخلون الجنة) وغير ذلك من الأحاديث والآثار.
ثم إن كثيراً من المتعبدين يؤثر العبادة على طلب العلم مع جهله بما يبطل كثيراً من عبادته كنواقض الوضوء أو مبطلات الصلاة والصوم، وربما يحكى بعضهم حكاية فى هذا المعنى: بأن (رابعة العدوية) رحمها الله أتت ليلة بالقدس تصلى حتى الصباح، وإلى جانبها بيت فقيه يكرر على باب الحيض إلى الصباح، فلما أصبحت رابعة قالت له: يا هذا! وصل الواصلون إلى ربهم وأنت مشتغل بحيض النساء، أو نحوها.
فما المانع أن يحصل للمشتغلين بالعلم ما يحصل للمشتغلين بالعبادة مع فضله عليه؟.
فأجاب: الحمد لله رب العالمين، لا ريب أن الذى أوتى العلم والإيمان أرفع درجة من الذين أوتوا الإيمان فقط، كما دل على ذلك الكتاب والسنة.
والعلم الممدوح الذى دل عليه الكتاب والسنة هو العلم الذى ورثته الأنبياء كما قال النبى r: إن العلماء ورثة الأنبياء إن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر.
وهذا العلم ثلاثة أقسام:
(القسم الأول): (علم بالله وأسمائه وصفاته) وما يتبع ذلك، وفى مثله أنزل الله سورة الإخلاص وآية الكرسى ونحوهما.
(والقسم الثانى): (العلم بما أخبر الله به مما كان من الأمور الماضية وما يكون من الأمور المستقبلة، وما هو كائن من الأمور الحاضرة)، وفى مثل هذا أنزل الله آيات القصص والوعد والوعيد وصفة الجنة والنار ونحو ذلك.
(والقسم الثالث): (العلم بما أمر الله به من الأمور المتعلقة بالقوالب والجوارح من الإيمان بالله من معارف القلوب وأحوالها وأقوال الجوارح وأعمالها).
وهذا العلم يندرج فيه العلم بأصول الإيمان وقواعد الإسلام، ويندرج فيه العلم بالأقوال والأفعال الظاهرة، وهذا العلم يندرج فيه ما وجد فى كتب الفقهاء من العلم بأحكام الأفعال الظاهرة، فإن ذلك جزء من جزء من جزء من علم الدين، كما أن المكاشفات التى تكون لأهل الصفا جزء من جزء من جزء من علم الأمور الكونية.
والناس إنما يغلطون فى هذه المسائل لأنهم يفهمون مسميات الأسماء الواردة فى الكتاب والسنة، ولا يعرفون حقائق الأمور الموجودة، فرب رجل يحفظ حروف العلم التى أعظمها حفظ حروف القرآن ولا يكون له من الفهم، بل ولا من الإيمان ما يتميز به على من أوتى القرآن.
ولم يؤت حفظ حروف العلم كما قال النبى r فى الحديث المتفق عليه: (مثل المؤمن الذى يقرأ القرآن مثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب، ومثل المؤمن الذى لا يقرأ القرآن مثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل المنافق الذى يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذى لا يقرأ القرآن مثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها).
فقد يكون الرجل حافظاً لحروف القرآن وسوره، ولا يكون مؤمناً بل يكون منافقاً، فالمؤمن الذى لا يحفظ حروفه وسوره خير منه، وإن كان ذلك المنافق ينتفع به الغير كما ينتفع بالريحان، وأما الذى أوتى العلم والإيمان فهو مؤمن عليم فهو أفضل من المؤمن الذى ليس مثله فى العلم مثل اشتراكهما فى الإيمان، فهذا أصل تجب معرفته.
وههنا (أصل آخر) وهو: أنه ليس كل عمل أورث كشوفاً أو تصرفاً فى الكون يكون أفضل من العمل الذى لا يورث كشفاً وتصرفاً.
فإن الكشف والتصرف إن لم يكن مما يستعان به على دين الله وإلا كان من متاع الحياة الدنيا.
وقد يحصل ذلك للكفار من المشركين وأهل الكتاب، وإن لم يصل لأهل الإيمان الذين هم أهل الجنة، وأولئك أصحاب النار.
ففضائل الأعمال ودرجاتها لا تتلقى من مثل هذا، وإنما تتلقى من دلالة الكتاب والسنة، ولهذا كان كثير من الأعمال يحصل لصاحبه فى الدنيا رئاسة ومال، فأكرم الخلق عند الله أتقاهم، ومن عبد الله بغير علم فقد أفسد أكثر مما يصلح، وإن حصل له كشف وتصرف، وإن اقتدى به خلق كثير من العامة، وقد بسطنا الكلام فى هذا الباب فى مواضعه، فهذا (أصل ثان).
و(أصل ثالث) إن تفضيل العمل على العمل قد يكون مطلقاً مثل تفضيل أصل الدين على فرعه وقد يكون مقيداً.
فقد يكون أحد العملين فى حق زيد أفضل من الآخر، والآخر فى حق عمرو أفضل، وقد يكونان متماثلين فى حق الشخص، وقد يكون المفضول فى وقت أفضل من الفاضل، وقد يكون المفضول فى حق من يقدر عليه وينتفع به أفضل من الفاضل فى حق من ليس كذلك.
مثال ذلك أن قراءة القرآن أفضل من مجرد الذكر بسنة رسول الله r وإجماع الأمة- ولا اعتبار بمن يخالف ذلك من جهال العباد- ثم الركوع والسجود ينهى فيه عن قراءة القرآن، ويؤمر فيه بالذكر، وكذلك الذكر والدعاء فى الطواف وعرفة ونحوهما أفضل من قراءة القرآن.
وكذلك الأذكار المشروعة مثل ما يقال عند سماع النداء ودخول المسجد والمنزل والخروج منهما، وعند سماع الديكة والحمر ونحو ذلك أفضل من قراءة القرآن فى هذا الموطن.
وأيضاً فأكثر السالكين إذا قرأوا القرآن لا يفهمونه، وهم بعد لم يذوقوا حلاوة الإيمان الذى يزيدهم بها القرآن إيماناً، فإذا أقبلوا على الذكر أعطاهم الذكر من الإيمان ما يجدون حلاوته ولذته، فيكون الذكر أنفع لهم حينئذ من قراءة لا يفهمونها، ولا معهم من الإيمان ما يزداد بقراءة القرآن.
أما إذا أوتى الرجل الإيمان فالقرآن يزيده من الإيمان ما لا يحصل بمجرد الذكر، فهذا (أصل ثالث).
و(أصل رابع) وهو: أن الرجل قد يأتى بالعمل الفاضل من غير مقام بشروطه، ولا إخلاص فيه، فيكون بتفويت شرائطه دون من أتى بالمفضول المكمل.
فهذه الأصول ونحوها تبين جواب هذا السائل، وإن كان تفصيل ذلك لا تتسع له الورقة، والله أعلم.
الأبدال والأقطاب والنجباء:
9- وذكر أيضاً فى (مجموع الفتاوى) الجزء الحادى عشر ص (433):
(سئل عن الحديث المروى فى (الأبدال) هل هو صحيح أم مقطوع؟ وهل (الأبدال) مخصوص بالشام أم حيث تكون شعائر الإسلام قائمة بالكتاب والسنة يكون بها الأبدال بالشام وغيره من الأقاليم؟ وهل صحيح أن الولى يكون قاعداً فى جماعة ويغيب جسده؟ وما قول السادة العلماء فى هذه الأسماء التى تسمى بها أقوام من المنسوبين إلى الدين والفضيلة، ويقولون: هذا غوث الأغواث وهذا قطب الأقطاب وهذا قطب العالم وهذا القطب الكبير وهذا خاتم الأولياء؟.
فأجاب: أما الأسماء الدائرة على ألسنة كثير من النساك والعامة مثل (الغوث) الذى بمكة و(الأوتاد الأربعة) و(الأقطاب السبعة) و(الأبدال الأربعين) و(النجباء الثلاثمائة) فهذه أسماء ليست موجودة فى كتاب الله تعالى، ولا هى أيضاً مأثورة عن النبى r بإسناد صحيح ولا ضعيف يحمل (عليه) ألفاظ الأبدال، فقد روى فيهم حديث شامى منقطع الإسناد عن على بن أبى طالب t مرفوعاً إلى النبى r أنه قال: (إن فيهم يعنى أهل الشام الأبدال الأربعين رجلا، كلما مات رجل أبدل الله تعالى مكانه رجلا). ولا توجد هذه الأسماء فى كلام السلف كما هى على هذا الترتيب، ولا هى مأثورة على هذا الترتيب والمعانى عن المشايخ المقبولين عند الأمة قبولا عاماً.
وإنما توجد على هذه الصورة عن بعض المتوسطين من المشايخ، وقد قالها إما آثرا لها عن غيره أو ذاكراً.
وهذا الجنس ونحوه من علم الدين قد التبس عند أكثر المتأخرين حقه بباطله، فصار فيه من الحق ما يوجب قبوله، ومن الباطل ما يوجب رده، وصار كثير من الناس على طرفى نقيض.
قوم كذبوا به كله لما وجدوا فيه من الباطل. وقوم صدقوا به كله لما وجدوا فيه من الحق.
وإنما الصواب: التصديق بالحق والتكذيب بالباطل.. فأما لفظ (الغوث والغياث) فلا يستحقه إلا الله، فهو غياث المستغيثين فلا يجوز لأحد الاستغاثة بغيره، لا بملك مقرب ولا نبى مرسل- هذا القول تدليس من ابن تيمية فقد أجاز الله تعالى الاستغاثة بغيره فى قوله تعالى: } فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ{ (القصص: 15). فالله تعالى هو المستغاث خلقاً وإيجاداً، والنبى أو الولى هو المستغاث تسبباً وكسباً، فقد ذكر البخارى فى حديث الشفاعة يوم القيامة: (فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد..). ويصح أن يقال: استغثت النبى r، واستغثت بالنبى بمعنى واحد، وهو طلب الغوث منه بالدعاء ونحوه، فالاستغاثة بالمخلوق جائزة لغة وشرعاً، كما قالت السيدة هاجر أم إسماعيل u عندما سمعت صوت الملك: أغث إن كان عندك غوث (البخارى) - .. وأما الأوتاد فقد يوجد فى كلام البعض أنه يقول: فلان من الأوتاد، يعنى بذلك أن الله تعالى يثبت به الإيمان والدين فى قلوب من يهديهم الله به، كما يثبت الأرض بأوتادها.
وهذا المعنى ثابت لكل من كان بهذه الصفة من العلماء، فكل من حصل به تثبيت العلم والإيمان فى جمهور الناس كان بمنزلة الأوتاد العظيمة والجبال الكبيرة، ومن كان بدونه كان بحسبه.
وليس ذلك محصوراً فى أربعة ولا أقل ولا أكثر، بل جعل هؤلاء أربعة مضاهاة بقول المنجمين فى أوتاد الأرض.
وأما (القطب) فيوجد أيضاً فى كلامهم (فلان من الأقطاب) أو (فلان قطب) فكل من دار عليه أمر من أمور الدين أو الدنيا باطناً أو ظاهراً فهو (قطب ذلك الأمر ومداره) سواء كان الدائر عليه أمر داره أو دربه أو قريته أو مدينته، أمر دينها أو دنياها، باطناً أو ظاهراً، ولا اختصاص لهذا المعنى بسبعة ولا أقل ولا أكثر.
لكن الممدوح من ذلك من كان مداراً لصلاح الدنيا والدين دون مجرد صلاح الدنيا. فهذا هو القطب فى عرفهم، فقد يتفق فى بعض الأعصار أن يكون شخص أفضل أهل عصره، وقد يتفق فى عصر آخر أن يتكافأ اثنان أو ثلاثة فى الفضل عند الله سواء.
ولا يجب أن يكون فى كل زمان شخص واحد هو أفضل الخلق عند الله مطلقاً. والذين تكلموا باسم البدل فسروه بمعان: منها أنهم أبدال الأنبياء، ومنها أنه كلما مات منهم رجل أبدل الله تعالى مكانه رجلا، ومنها أنهم أبدلوا السيئات من أخلاقهم وأعمالهم وعقائدهم بحسنات. وهذه الصفات كلها لا تختص بأربعين ولا بأقل ولا بأكثر ولا تنحصر بأهل بقعة من الأرض، وبهذا التحرير يظهر المعنى فى اسم (النجباء).. وليس فى أولياء الله المتقين ولا عباد الله المخلصين الصالحين ولا أنبيائه المرسلين من كان غائب الجسد دائماً عن أبصار الناس، بل هذا من جنس قول القائلين: (إن عليا فى السحاب) و (إن محمدا بن الحنفية فى جبال رضوى) و(إن محمد بن الحسن بسرداب سامرى) و(إن الحاكم بجبل مصر) و(إن الأبدال الأربعين رجال الغيب بجبل لبنان) فكل هذا ونحوه من قول أهل الإفك والبهتان.
نعم.. قد تخرق العادة فى حق الشخص فيغيب تارة عن أبصار الناس، إما لدفع عدو عنه وإما لغير ذلك، وأما أنه يكون هكذا طول عمره فباطل.
نعم.. يكون نور قلبه وهدى فؤاده وما فيه من أسرار الله تعالى وأمانته وأنواره ومعرفته غيباً عن أعين الناس، ويكون صلاحه وولايته غيباً عن أكثر الناس فهذا هو الواقع. وأسرار الحق بينه وبين أوليائه، وأكثر الناس لا يعلمون- يمكن الرجوع إلى رسالة الإمام السيوطى (الأقطاب والأنجاب والأوتاد والأبدال) المطبوعة فى كتابه (الحاوى).
المقامات والأحوال:
10- وذكر أيضاً فى (مجموع الفتاوى) الجزء العاشر ص5:
(بسم الله الرحمن الرحيم - الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبى بعده.
الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلله فلا هادى له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله r وآله.
أما بعد.. فهذه كلمات مختصرات فى أعمال القلوب التى قد تسمى (المقامات والأحوال) وهى من أحوال الإيمان وقواعد الدين مثل: محبة الله ورسوله، والتوكل على الله، وإخلاص الدين له والشكر له والصبر على حكمه، والخوف منه، والرجاء له وما يتبع ذلك.
اقتضى ذلك بعض من أوجب الله حقه من أهل الإيمان واستكتبها وكل منا عجلان.
فأقول: هذه الأعمال جميعها واجبة على جميع الخلق - المأمورين فى الأصل - باتفاق أئمة الدين.
الناس فيها على ثلاث درجات كما هو فى أعمال الأبدان على (ثلاث درجات):
ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات.
فالظالم لنفسه: العاصى بترك مأمور أو فعل محظور.
والمقتصد: المؤدى الواجبات والتارك المحرمات.
والسابق بالخيرات: المتقرب بما يقدر عليه من فعل واجب ومستحب، والتارك للمحرم والمكروه، وإن كان كل من المقتصد والسابق قد يكون له ذنوب تمحى عنه إما بتوبته - والله يحب التوابين ويحب المتطهرين - وإما بحسنات ماحية، وإما بمصائب مكفرة، وإما بغير ذلك.
وكل من الصنفين: المقتصدين والسابقين من أولياء الله الذين ذكرهم فى كتابه بقوله: )أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ* الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ( (يونس: 63،62). فحد أولياء الله: هم المؤمنون المتقون.
ولكن ذلك ينقسم إلى (عام) وهم المقتصدون.
و(خاص) وهم السابقون.
وإن كان السابقون هم أعلى درجات كالأنبياء والصديقين.
وقد ذكر النبى r القسمين فى الحديث الذى رواه البخارى فى صحيحه عن أبى هريرة t عن النبى r أنه قال: يقول الله: (من عادى لى وليا فقد بارزنى بالمحاربة، وما تقرب إلىَّ عبدى بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدى يتقرب إلىَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به، وبصره الذى يبصر به، ويده التى يبطش بها، ورجله التى يمشى بها، فبى يسمع وبى يبصر وبى يبطش وبى يمشى، ولئن سألنى لأعطينه، ولئن استعاذ بى لأعيذنه، وما ترددت عن شىء أنا فاعله ترددى عن قبض نفس عبدى المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه).
وأما الظالم لنفسه من أهل الإيمان فمعه من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه، كما معه من ضد ذلك بقدر فجوره، إذ الشخص الواحد قد يجتمع فيه الحسنات المقتضية للثواب، والسيئات المقتضية للعقاب، حتى يمكن أن يثاب ويعاقب.
وهذا قول جميع أصحاب رسول الله r وأئمة الإسلام وأهل السنة والجماعة الذين يقولون: إنه لا يخلد فى النار من فى قلبه مثقال ذرة من إيمان.. وهذه الأعمال الباطنة كمحبة الله والإخلاص له والتوكل عليه والرضا عنه ونحو ذلك، كلها مأمور بها فى حق الخاصة والعامة، لا يكون تركها محموداً فى حال أحد وإن ارتقى مقامه.
.. ولكن هذه (المقامات) ينقسم الناس فيها إلى خصوص وعموم، فللخاصة خاصها وللعامة عامها.
مثال ذلك: أن هؤلاء قالوا: إن التوكل مناضلة عن النفس فى طلب القوت، والخاص لا يناضل عن نفسه.
وقالوا: المتوكل يطلب بتوكله أمراً من الأمور، والعارف يشهد الأمور بفروعها منها فلا يطلب شيئاً.
فيقال: أما الأول فإن التوكل أعم من التوكل فى مصالح الدنيا، فإن المتوكل يتوكل على الله فى صلاح قلبه ودينه وحفظ لسانه وإرادته وهذا أهم الأمور إليه، ولهذا يناجى ربه فى كل صلاة بقوله: )إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ( (الفاتحة: 5) كما فى قوله تعالى: )فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ( (هود: 123) وقوله: )عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ( (هود: 88) وقوله: )قُلْ هُوَ رَبِّي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ( (الرعد: 30).
فهو قد جمع بين العبادة والتوكل فى عدة مواضع، لأن هذين يجمعان الدين كله، ولهذا قال من قال من السلف: (إن جمع الكتب المنزلة فى القرآن، وجمع علم القرآن فى المفصل، وجمع علم المفصل فى فاتحة الكتاب، وجمع علم فاتحة الكتاب فى قوله: )إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(.
11- وذكر أيضاً فى (مجموع الفتاوى) الجزء العاشر ص (82):
كان المشايخ المصنفون فى السنة يذكرون فى عقائدهم مجانبة من يكثر دعوى المحبة والخوض فيها من غير خشية، لما فى ذلك من الفساد الذى وقع فيه طوائف من المتصوفة.
وما وقع من هؤلاء من فساد الاعتقاد والأعمال أوجب إنكار طوائف لأصل طريقة المتصوفة بالكلية، حتى صار المنحرفون صنفين:
1- صنف يقر بحقها وباطلها.
2- وصنف ينكر حقها وباطلها، كما عليه طوائف من أهل الكلام والفقه- وطوائف من أدعياء السلفية المنتسبين إلى ابن تيمية مع الأسف.
والصواب: إنما هو إقرار بما فيها وفى غيرها من موافقة الكتاب والسنة، والإنكار لما فيها وفى غيرها من مخالفة الكتاب والسنة.
الفناء:
12- وذكر أيضاً فى (مجموع الفتاوى) الجزء العاشر ص (337):
(الفناء) الذى يوجد فى كلام الصوفية يفسر بثلاثة أمور: أحدها: فناء القلب عن إرادة ما سوى الرب، والتوكل عليه وعبادته وما يتبع ذلك، فهذا حق صحيح، وهو محض التوحيد والإخلاص، وهو فى (الحقيقة): عبادة القلب وتوكله واستعانته وتألهه وتوجهه إلى الله وحده لا شريك له، وما يتبع ذلك من المعارف والأحوال، وليس لأحد خروج عن هذا.
وهذا هو (القلب السليم) الذى قال الله فيه: )إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ( (الشعراء: 89) وهو سلامة القلب عن الاعتقادات الفاسدة والإرادات الفاسدة وما يتبع ذلك.
وهذا الفناء لا ينافيه البقاء، بل يجتمع هو والبقاء فيكون العبد فانياً عن إرادة ما سواه، وإن كان شاعراً بالله وبالسوى، وترجمته: قول (لا إله إلا الله)، وكان النبى r يقول: (لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن) وهذا فى الجملة هو أول الدين وآخره.
والأمر الثانى: فناء القلب عن ما سوى الرب، فذاك فناء عن الإرادة، وهذا فناء الشهادة.
ذاك فناء عن عبادة الغير والتوكل عليه، وهذا فناء عن العلم بالغير والنظر إليه، فهذا الفناء فيه نقص، فإن شهود الحقائق على ما هى عليه، وهو شهود الرب مدبراً لعباده آمراً بشرائعه أكمل من شهود وجوده أو صفة من صفاته أو اسم من أسمائه، والفناء بذلك عن شهود ما سوى ذلك.
ولهذا كان الصحابة أكمل شهوداً من أن ينقصهم شهود للحق مجملاً عن شهوده مفصلا، ولكن عرض كثير من هذا لكثير من المتأخرين من هذه الأمة، كما عرض لهم عند تجلى بعض الحقائق: الموت والغشى والصياح والاضطراب، وذلك لضعف القلب عن شهود الحقائق على ما هى عليه وعن شهود التفرقة فى الجمع والكثرة فى الوحدة، حتى اختلفوا فى إمكان ذلك.
وكثير منهم يرى أنه لا يمكن سوى ذلك لما رأى أنه إذا ذكر الخلق أو الأمر اشتغل عن الخالق الآمر.
وإذا عورض بالنبى r وخلفائه ادعى الاختصاص أو أعرض عن الجواب أو تحير فى الأمر، وسبب ذلك أنه قاس جميع الخلق على ما وجده من نفسه، ولهذا يقول بعض هؤلاء: إنه لا يمكن حين تجلى الحق سماع كلامه.
وفى هذا الفناء قد يقول: أنا الحق، أو سبحانى، أو ما فى الجبة إلا الله، إذا فنى بمشهوده عن شهوده، وبموجوده عن وجوده، وبمذكوره عن ذكره، وبمعروفه عن عرفانه.
كما يحكمون أن رجلا كان مستغرقاً فى محبة آخر فوقع المحبوب فى اليم، فألقى الآخر نفسه خلفه، فقال: ما الذى أوقعك خلفى؟ فقال: غبت بك عنى فظننت أنك أنى.
وفى مثل هذا المقام يقع السكر الذى يسقط التمييز مع وجود حلاوة الإيمان، كما يحصل بسكر الخمر وسكر عشيق الصور، وكذلك يحصل الفناء بحال خوف أو رجاء، كما يحصل بحال حب فيغيب القلب عن شهود بعض الحقائق ويصدر منه قول أو عمل من جنس أمور السكارى، وهى شطحات بعض المشايخ كقول بعضهم: (أنصب خيمتى على جهنم) ونحو ذلك من الأقوال والأعمال المخالفة للشرع، وقد يكون صاحبها غير مأثوم.
لبس الخرقة والانتساب لشيخ معين:
13- وذكر أيضاً فى (مجموع الفتاوى) الجزء الحادى عشر ص (510):
(وأما لباس الخرقة التى يُلبسها بعض المشايخ المريدين، فهذه ليس لها أصل يدل عليها الدلالة المعتبرة من جهة الكتاب والسنة، ولا كان المشايخ المتقدمون وأكثر المتأخرين يلبسونها المريدين ولكن طائفة من المتأخرين رأوا ذلك واستحبوه.
وقد استدل بعضهم بأن النبى r ألبس أم خالد بن سعيد بن العاص ثوباً وقال لها: سنا، والسنا بلسان الحبشة: الحسن، وكانت قد ولدت بأرض الحبشة، فلهذا خاطبها بذلك اللسان.
واستدلوا أيضاً بحديث البردة التى نسجتها امرأة للنبى r فسأله إياها بعض الصحابة فأعطاه إياها وقال: أردت أن تكون كفناً لى.
وليس فى هذين الحديثين دليل على الوجه الذى يفعلونه، فإن إعطاء الرجل لغيره ما يلبسه كإعطائه إياه ما ينفعه، وأخذ ثوب من النبى r على وجه البركة كأخذ شعره على وجه البركة، وليس هذا كلباس ثوب أو قلنسوة على وجه المتابعة والاقتداء، ولكن يشبهه من بعض الوجوه خلع الملوك التى يخلعونها على من يولونه كأنها شعار وعلامة على الولاية والكرامة.
ولهذا يسمونها تشريفاً، وهذا ونحوه غايته أن يجعل من جنس المباحات، فإن اقترن به نية صالحة كان حسناً من هذه الجهة، وأما جعله سنة وطريقا إلى الله سبحانه وتعالى، فليس الأمر كذلك.
وأما انتساب الطائفة إلى شيخ معين: فلا ريب أن الناس يحتاجون من يتلقون عنه الإيمان والقرآن، كما تلقى الصحابة ذلك عن النبى r وتلقاه عنهم التابعون، وبذلك يحصل اتباع السابقين الأولين بإحسان، فكما أن المرء له من يعلمه القرآن ونحوه، فكذلك له من يعلمه الدين الباطن والظاهر.
الغلو فى الشيخ:
14- وذكر أيضاً فى (مجموع الفتاوى) الجزء الحادى عشر ص (497):
وأما ما ذكروا من غلوهم فى الشيوخ: فيجب أن يعلم أن الشيوخ الصالحين الذين يقتدى بهم فى الدين هم المتبعون لطريق الأنبياء والمرسلين كالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، ومن له فى الأمة لسان صدق.
وطريقة هؤلاء دعوة الخلق إلى الله وإلى طاعته وطاعة رسوله واتباع كتابه وسنة رسوله r.
والمقصود أن يكون الدين كله لله، وتكون كلمة الله هى العليا، فإن الله تعالى يقول: )وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ( (الذاريات: 56-58). وقال تعالى: )وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ( (البقرة: 186).
وروى أن بعض الصحابة قال: يا رسول الله هل ربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.
فهو سبحانه سميع قريب مجيب رحيم، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وهو يعلم من أحوال العباد ما لا يعلمه غيره، ويقدر على قضاء حوائجهم التى لا يقدر عليها غيره، ويرحمهم رحمة لا يرحمهم بها غيره.
والشيوخ الذين يقتدى بهم يدلون عليه ويرشدون إليه بمنزلة الأئمة فى الصلاة، يصلون ويصلى الناس خلفهم، وبمنزلة الدليل الذى للحاج هو يدلهم على البيت، وهو وهم جميعاً يحجون إليه، ليس لهم من الإلهية نصيب، بل من جعل لهم شيئاً من ذلك فهو من جنس النصارى والمشركين.
اعتقاد مشايخ الصوفية:
15- وذكر فى كتاب الاستقامة الذى نشرته جامعة محمد بن سعود وعلى نفقتها طبعة عام 1403 – فى الجزء الأول ص (81):
فصل: فيما ذكره الشيخ أبو القاسم القشيرى فى رسالته المشهورة من اعتقاد مشايخ الصوفية، فإنه ذكر من متفرقات كلامهم ما يستدل به على أنهم كانوا يوافقون اعتقاد كثير من المتكلمين الأشعرية، وذلك هو اعتقاد أبى القاسم الذى تلقاه عن أبى بكر بن فورك وأبى إسحاق الأسفرايينى.
وهذا الاعتقاد غالبه موافق لأصول السلف وأهل السنة والجماعة لكنه مقصر عنه ذلك، ومتضمن ترك بعض ما كانوا عليه وزيادة تخالف ما كانوا عليه.
والثابت الصحيح عن أكابر المشايخ يوافق ما كان عليه السلف، وهذا هو الذى كان يجب أن يذكر.
فإن فى الصحيح الصريح المحفوظ عن أكابر المشايخ (الصوفية) مثل الفضيل بن عياض، وأبى سليمان الدارانى، ويوسف بن أسباط، وحذيفة المرعشى، ومعروف الكرخى، إلى الجنيد بن محمد، وسهل بن عبد الله التسترى، وأمثال هؤلاء ما يبين حقيقة مقالات المشايخ.
وقد جمع كلام المشايخ إما بلفظه أو بما فهمه هو غير واحد، فصنف أبو بكر محمد ابن إسحاق الكلاباذى كتاب (التعرف لمذهب التصوف) وهو أجود مما ذكره أبو القاسم وأصوب وأقرب إلى مذهب سلف الأمة وأئمتها وأكابر مشايخها.
وكذلك معمر بن زياد الأصبهانى شيخ الصوفية، وأبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السُلمى جامع كلام الصوفية هما فى ذلك أعلى درجة وأبعد عن البدعة والهوى من أبى القاسم.
وأبو عبد الرحمن- وإن كان أدنى الرجلين- فقد كان ينكر مذهب الكلابية ويبدعهم، وهو المذهب الذى ينصره أبو القاسم، وله فى ذم الكلام مصنف يخالف ما ينصره أبو القاسم وأبو عبد الرحمن أجل من أخذ عنه أبو القاسم كلام المشايخ، وعليه يعتمد فى أكثر ما يحكيه فإن له مصنفات متعددة.
وكذلك عامة المشايخ الذين سماهم أبو القاسم فى رسالته لا يعرف عن شيخ منهم أنه كان ينصر طريقة الكلابية والأشعرية التى نصرها أبو القاسم، بل المحفوظ عنهم خلافها، ومن صرح منهم فإنما يصرح بخلافها، حتى شيوخ عصره الذين سماهم حيث قال:
(فأما المشايخ الذين عاصرناهم والذين أدركناهم وإن لم يتفق لنا لقياهم مثل الأستاذ الشهيد لسان وقته وواحد عصره أبى على الدقاق، والشيخ شيخ وقته أبى عبد الرحمن السلمى، وأبى الحسن على بن جهضم مجاور الحرم، والشيخ أبى العباس القصاب بطوستان، وأحمد الأسود الدينورى، وأبى القاسم الصيرفى بنيسابور، وأبى سهل الخشاب الكبير بها، ومنصور ابن خلف المغربى، وأبى سعيد المالينى وأبى طاهر الجحدرى قدس الله أرواحهم وغيرهم.
فإن هؤلاء المشايخ مثل أبى العباس القصاب له من التصانيف المشهور فى السنة، ومخالفة طريقة الكلابية الأشعرية ما ليس هذا موضعه.
وكذلك سائر شيوخ المسلمين من المتقدمين والمتأخرين الذين لهم لسان صدق فى الأمة، كما ذكر الشيخ يحيى بن يوسف الصرصرى ونظمه فى قصائده عن الشيخ على بن إدريس شيخه، أنه سأل قطب العارفين أبا محمد عبد القادر بن عبد الله الجيلى فقال: يا سيدى هل كان لله ولى على غير اعتقاد أحمد ابن حنبل؟ فقال: ما كان ولا يكون.
وكذلك نقل الشيخ شهاب الدين أبو حفص عمر بن محمد السهروردى وحدثنيه عنه الشيخ عز الدين عبد الله بن أحمد بن عمر الفاروقى أنه سمع هذه الحكاية منه، ووجدتها معلقة بخط الشيخ موفق الدين أبى محمد بن قدامة المقدسى: قال السهروردى: (كنت عزمت على أن اقرأ شيئاً من علم الكلام وأنا متردد هل أقرأ (الإرشاد) لإمام الحرمين أو (نهاية الإقدام) للشهرستانى أو كتاب شيخه؟ فذهبت مع خالى أبى النجيب وكان يصلى بجنب الشيخ عبد القادر، قال: فالتفت الشيخ عبد القادر وقال لى: يا عمر! ما هو من زاد القبر، ما هو من زاد القبر، فرجعت عن ذلك) فأخبر أن الشيخ كاشفه بما كان فى قلبه، ونهاه عن الكلام الذى كان ينسب إليه القشيرى ونحوه.
وكذلك حدثنى الشيخ أبو الحسن بن غانم أنه سمع خاله الشيخ إبراهيم بن عبد الله الأرموى أنه كان له معلم يقرئه وأنه أقرأه اعتقاد الأشعرية المتأخرين، قال: فكنت أكرر عليه، فسمع والدى والشيخ عبد الله الأرمينى، قال فقال: ما هذا يا إبراهيم؟ فقلت: هذا علمنيه الأستاذ، فقال: يا إبراهيم اترك هذا، فقد طفت الأرض واجتمعت بكذا وكذا ولى لله فلم أجد أحداً منهم على هذا الاعتقاد، وإنما وجدته على اعتقاد هؤلاء، وأشار إلى جيرانه أهل الحديث والسنة من المقادسة الصالحين إذ ذاك.
وحدثنى أيضاً الشيخ محمد بن أبى بكر بن قوام أنه سمع جده الشيـخ أبا بكـر بن قوام قال: إذا بلغك عن أهل المكان الفلانى– سماه لى شيخ محمد – إذا بلغك أن فيهم رجلا مؤمنا أو رجلا صالحاً فصدق، وإذا بلغك أن فيهم ولياً لله فلا تصدق، فقلت: ولم يا سيدى؟ قال: لأنهم أشعرية، وهذا باب واسع، ومن نظر فى عقايد المشايخ المشهورين: مثل الشيخ عبد القادر والشيخ عدى بن مسافر والشيخ أبى البيان الدمشقى وغيرهم وجد من ذلك كثيراً، ووجد أنه من ذهب إلى مذهب شىء من أهل الكلام- وإن كان متأولاً- ففيه نقص وانحطاط عن درجة أولياء الله الكاملين، ووجد أنه من كان ناقصاً فى معرفة اعتقاد أهل السنة، واتباعه ومحبته وبفض ما يخالف ذلك وذمه بحيث يكون خالياً عن اعتقاد كمال السنة واعتقاد البدعة تجده ناقصاً عن درجة أولياء الله الراسخين فى معرفة اعتقاد أهل السنة واتباع ذلك - )وقد جعل الله لكل شىء قدراً(.
وما ذكره أبو القاسم فى رسالته من اعتقادهم وأخلاقهم وطريقتهم فيه من الخير والحق والدين أشياء كثيرة، ولكن فيه نقص عن طريقة أكثر أولياء الله الكاملين- وهم نقاوة القرون الثلاثة ومن سلك سبيلهم- ولم يذكر فى كتابه أئمة المشايخ من القرون الثلاثة، ومع ما فى كتابه من الفوائد فى المقولات والمنقولات ففيه أحاديث وأحاديث ضعيفة بل باطلة، وفيه كلمات مجملة تحتمل الحق والباطل رواية ورأياً، وفيه كلمات باطلة فى الرأى والرواية )وقد جعل الله لكل شىء قدراً(.
وقال تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِياًّ أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الهَوَى أَن تَعْدِلُوا َإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً( (النساء: 135).
فكتبت من تمييز ذلك ما يسره الله، واجتهدت فى اتباع سبيل الأمة الوسط، الذين هم شهداء على الناس دون سبيل من قد يرفعه فوق قدره فى اعتقاده وتصوفه على الطريقة التى هى أكمل وأصح مما ذكره علماً وحالاً وقولاً وعملاً واعتقاداً واقتصاداً، أو يحطه دون قدره فيهما ممن يسرف فى ذم أهل الكلام أو يذم طريقة التصوف مطلقاً، والله أعلم) أ.هـ.
أصاب الصوفية وأخطأ المعتزلة:
16- وقال أيضاً فى كتاب الاستقامة الجزء الأول ص (94):
وقد ذكر أبو القاسم فى ترجمة الشيخ أبى على بن الكاتب وقد صحب أبا على الروذبارى وغيره وتأخر بعد الأربعين وثلاثمائة قال: (المعتزلة نزهوا الله من حيث العقل فأخطأوا والصوفية نزهوه من حيث العلم فأصابوا).
قلت: (العلم) فى لسان الصوفية ووصاياهم كثيراً ما يريدون به الشريعة، كقول أبى يعقوب النهرجورى: (أفضل الأحوال ما قارن العالم) وكقول أبى يزيد: (عملت فى المجاهدة ثلاثين سنة فما وجدت أشد علىَّ من العلم ومتابعته، ولولا اختلاف العلماء لبقيت، واختلاف العلماء رحمة إلا فى تجريد التوحيد).
وهذا كقول سهل بن عبد الله التسترى: كل فعل تفعله بغير اقتداء طاعة أو معصية فهو عيش النفس، وكل فعل تفعله بالاقتداء فهو عذاب على النفس).
وقال أبو سليمان الدارانى: ربما يقع فى قلبى النكتة من نكت القوم أياماً فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين: الكتاب والسنة.
وقال صاحبه أحمد بن أبى الحوارى: من عمل بلا اتباع سنة فباطل عمله.
وقال أبو حفص النيسابورى: من لم يزن أفعاله وأقواله كل وقت بالكتاب والسنة ولم يتهم خواطره، فلا تعده فى ديوان الرجال.
وقال الجنيد بن محمد: الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا من اقتفى أثر الرسول r.
وقال أيضاً: من لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به فى هذا الأمر لأن علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة.
وقال أبو عثمان: من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة، قال الله: ) وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ((النور:54).
وقال أبو حمزة البغدادى- كل هؤلاء الذين ذكر أقوالهم ابن تيمية هم من كبار أئمة التصوف وسادات المشايخ الصوفية y : من علم الطريق إلى الله سهل عليه سلوكه، ولا دليل على الطريق إلى الله إلا متابعة الرسول وأحواله وأقواله وأفعاله.
ومن لفظ (العلم) فى كلامهم قول أبى عثمان النيسابورى: (والصحبة مع الله بحسن الأدب ودوام الهيبة والمراقبة، والصحبة مع رسول الله r باتباع سنته ولزوم ظاهر العلم، والصحبة مع أولياء الله تعالى بالاحترام والخدمة، والصحبة مع الأهل بحسن الخلق، والصحبة مع الإخوان بدوام البشر ما لم يكن إثماً، والصحبة مع الجهال بالدعاء لهم والرحمة عليهم).
ومنه قول أبى الحسين النورى: (من رأيته يدعى مع الله حالة تخرجه عن حد العلم الشرعى فلا تقتربن منه).
وقال: أعز الأشياء فى زماننا شيئان: عالم يعمل بعلمه، وعارف ينطق عن حقيقته.
وقال أبو عبد الرحمن السُّلمى: سمعت جدى أبا عمرو بن نجيد يقول: كل حال لا يكون عن نتيجة علم فإن ضرره أكثر على صاحبه من نفعه.
وسئل عن التصوف فقال: الصبر تحت الأمر والنهى.
وسبب تعبيرهم عن الشريعة بالعلم أن القوم أصحاب إرادة وقصد وعمل وحال هذا خاصتهم، لكن قد يعمل أحدهم تارة بغير العلم الشرعى بل بما يدركه ويجد إرادته فى قلبه، وإن لم يكن ذلك مشروعاً مأموراً به، وهذا كثيراً ما يبتلى به كثير منهم من تقديم علمهم بالذوق والوجد على موجب العلم المشروع، ومن العمل بذوق ليس معه فيه علم مشروع.
ولا ريب أن هذا من اتباع الهوى بغير هدى من الله، وهو مما ذم الله به النصارى الذين يضارعهم فى كثير من أمورهم المنحرفون من الصوفية والعباد، ولهذا جعله سهل من حظ النفس.
ولهذا استضعف أبو يزيد متابعة العلم، فإن مجاهدة هوى النفس يفعلها غالب النفوس مثل عبادات المشركين وأهل الكتاب من الرهبان وعباد الأنداد ونحوهم.
وكل ذلك من هذا الباب.
ولهم من الزهد والمجاهدة فى العبادة ما لا يفعله المسلمون لكنه باطل ليس بمشروع، ولهذا لا ينتج له من النتائج إلا ما يليق به.
والمسلم الصادق إذا عبد الله بما شرع فتح الله عليه أنوار الهداية فى مدة قريبة.
فالمهتدون من مشايخ العباد والزهاد يوصون باتباع العلم المشروع، كما أن أهل الاستقامة من العلم يوصون بعلمهم الذى يسلكه أهل الاستقامة من العباد والزهاد.
وأما المنحرفون من الطائفتين فيعرضون عن المشروع: إما من العلم وإما من العمل، وهما طريق المغضوب عليهم والضالين.
قال سفيان بن عيينة: كانوا يقولون: (من فسد من العلماء ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من العباد ففيه شبه من النصارى).
ولهذا قصد أبو القاسم فى (الرسالة) الرد على هؤلاء، ولما ذكر المشايخ الذين ذكرهم قال: (هذا ذكر جماعة من شيوخ هذه الطائفة كان الغرض من ذكرهم فى هذا الموضع التنبيه على أنهم كانوا مجمعين على تعظيم الشريعة، متصفين بسلوك طريق الرياضة، متفقين على متابعة السنة، غير مخلين بشىء من آداب الديانة، متفقين على أن من خلا عن المعاملات والمجاهدات ولم يبن أمره على أساس الورع والتقوى كان مفترياً على الله سبحانه فيما يدعيه، مفتوناً هلك فى نفسه وأهلك من اغتر به ممن ركن إلى أباطيله).
وإذا عرف معنى لفظ (العلم) فى اصطلاحهم فقول أبى على ابن الكاتب: (الصوفية نزهوه من حيث العلم)، أى: من جهة الشرع، وهو الكتاب والسنة، فنزهوه عما نزه عنه نفسه (فأصابوا).
وأما المعتزلة فنزهوه بقياس عقلهم وأهوائهم، وأرادوا أن ينفوا عنه كل صفة موجودة لظنهم أن ذلك تشبيه، ولم يهتدوا إلى أن الخالق يوصف بما يليق به، والمخلوق يوصف بما يليق به.
وأن الاسم وإن كان متفقاً فالإضافة إلى الله تخصصه وتقيده بما ينبغى عنه مماثلة الخلق.
وهذا الذى ذكره الشيخ أبو على من أن الصوفية يخالفون المعتزلة فأمر متفق عليه، فإن أصول الصوفية لا تلائم نفى الصفات، بل هم أبعد الناس عن الاعتزال فى الصفات والقدر) أ.هـ.
الصوفية يحفظون السالك من الحلول والاتحاد:
17- وذكر أيضاً فى كتاب (الاستقامة) الجزء الأول ص (144):
ثم ذكر أبو القاسم بغير إسناد عن الجنيد أنه قال: (إن أول ما يحتاج إليه العبد من عقد الحكمة معرفة المصنوع صانعه، والمحدث كيف كان إحداثه، فيعرف صفة الخالق من المخلوق والقديم من المحدث، ويذل لدعوته ويعترف بوجوب طاعته، فإن من لم يعرف ما لله لم يعترف بالملك لمن استوجبه).
وهذا الكلام حسن يناسب كلام الجنيد، وقد ضمن هذا الكلام التمييز بين المخلوق والخالق، لئلا يقع السالك فى الاتحاد والحلول كما وقع فيه طوائف، وذكر أصلين: التصديق والانقياد، لأن الإيمان قول وعمل، فذكر معرفة الصانع، وذكر الذل لدعوته والاعتراف بوجوب طاعته، وهذا من أصول أهل السنة وأئمة الشيوخ خصوصاً مشايخ الصوفية.
فإن أصل طريقهم: الإرادة التى هى أساس العمل، فهم فى الإرادات والعبادات والأعمال والأخلاق أعظم رسوخاً منهم فى المقالات والعلوم وهم بذلك أعظم اهتماماً وأكثر عناية، بل من لم يدخل فى ذلك لم يكن من أهل الطريق بحال.
18- وذكر أيضاً فى كتاب (الاستقامة) الجزء الأول ص (163):
والصوفية يوجد فيهم المصيب والمخطىء، كما يوجد فى غيرهم، وليسوا فى ذلك بأجل من الصحابة والتابعين، وليس أحد معصوماً فى كل ما يقوله إلا رسول الله r.
الصوفية فرقة من الأمة:
19- وذكر أيضاً فى كتاب (الاستقامة) الجزء الأول ص (212):
وهذه المسألة: (مسألة حد الكلام) قد أنكرها عليهما جميع طوائف المسلمين حتى الفقهاء والأصوليون والمصنفون فى أصول الفقه على مذهب أبى حنيفة ومالك والشافعى وأحمد يذكرون الكلام وأنواعه من الأمر والنهى والخبر وما فيه من العام والخاص، وإن الصيغة داخلة فى مسمى ذلك عند جميع فرق الأمة: أصوليها وفقيهها ومحدثيها وصوفيها- لاحظ كيف جعل الصوفية فـرقة من فـرق الأمة الإسلامية مثل المحدثين والفقهاء والأصوليين وهذا فى كلامه كثير جدا- ، إلا عند هؤلاء فكيف يضاف هذا القول إلى أهل الأصول عموماً وإطلاقاً؟.
20- وذكر أيضاً فى كتاب (الاستقامة) الجزء الأول ص (221):
ولهذا تجد تنافرا بين الفقهاء والصوفية وبين العلماء والفقراء من هذا الوجه.
والصواب: أن يحمد من حال كل قوم ما حمده الله ورسوله كما جاء به الكتاب والسنة، ويذم من حال كل قوم ما ذمه الله ورسوله كما جاء به الكتاب والسنة، ويجتهد المسلم فى تحقيق قوله: )اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ(.
قال النبى r: اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون.
شطحات الصوفية:
21- وفى كتاب (الاستقامة) الجزء الثانى ص (15):
قال معلقاً على حكايات ذكرها الإمام أبو القاسم القشيرى عن أبى بكر الشبلى وأبى الحسين النورى فيها شطحات:
ومثل هذه الكلمات والحكايات لا تصلح أن تذكر للاقتداء أو سلوك سبيل وطريقة لما فيها من مخالفة أمر الله ورسوله، والذى يصدر عنه أمثال هذه الأمور إن كان معذوراً بقصور فى اجتهاده أو غيبة فى عقله فليس من اتبعه بمعذور مع وضوح الحق والسبيل، وإن كانت سيئته مغفورة لما اقترن بها من حسن قصد وعمل صالح، فيجب بيان المحمود والمذموم لئلا يكون لبساً للحق بالباطل.
وأبو الحسين النورى وأبو بكر الشبلى- رحمة الله عليهما- كانا معروفين بتغيير العقل فى بعض الأوقات، حتى ذهب الشبلى إلى المارستان مرتين، والنورى رحمه الله كان فيه وله، وقد مات بأجمة قصب لما غلبه الوجد حتى أزال عقله.
ومن هذه حاله لا يصلح أن يتبع فى حال لا يوافق أمر الله ورسوله، وإن كان صاحبها معذوراً أو مغفوراً له، وإن كان له من الإيمان والصلاح والصدق والمقامات المحمودة ما هو من أعظم الأمور.
فليس هو فى ذلك بأعظم من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فإنهم يُتبعون فى طاعة، ولا يذكرون إلا بالجميل الحسن، وما صدر منهم من ذنب أو تأويل وليس هو مما أمر الله به ورسوله لا يتبعون فيه.
فهذا أصل يجب اتباعه.
غيرة الله على أحبابه:
22- وذكر أيضاً فى كتاب (الاستقامة) الجزء الثانى ص (56):
(قال أبو القاسم: واعلموا أن من سنة الحق مع أوليائه أنهم إذا ساكنوا غيراً أو لاحظوا شيئاً أو ضاجعوا بقلوبهم شيئاً شوش عليهم ذلك، فيغار على قلوبهم بأن يعيدها خالصة لنفسه فارغة عما ساكنوه).
وقال: سمعت السلمى يقول: سمعت أبا زيد المروزى الفقيه يقول: سمعت إبراهيم بن سنان سمعت محمد بن حسان يقول: بينما أنا أدور فى جبل لبنان إذ خرج علينا رجل شاب قد أحرقته السموم والرياح، فلما نظر إلىَّ ولى هاربا فتبعته وقلت له: تعظنى بكلمة؟ فقال: إحذروه فإنه غيور لا يحب أن يرى فى قلب عبده سواه.
وقال: سمعت السلمى يقول: سمعت النصر آباذى يقول: الحق غيور، ومن غيرته أنه لم يجعل إليه طريقاً سواه.
قلت: هذه الغيرة تدخل فى الغيرة التى وصفها النبى r إذ قال: (غيرة الله أن يأتى المؤمن ما حرم عليه).
وأعظم الذنوب أن تجعل لله نداً وهو خلقك وتجعل معه إلهاً آخر. والشرك منه جليل ومنه دقيق، فالمقتصدون: قاموا بواجب التوحيد، والسابقون المقربون: قاموا بمستحبه مع واجبه.
ولا شىء أحب إلى الله من التوحيد، ولا شىء أبغض إليه من الشرك. ولهذا كان الشرك غير مغفور، بل هو أعظم الظلم.
وقد قال النبى r: (مثل المؤمن مثل الخامة من الزرع تفيئها الرياح تارة، وتميلها وتعدلها أخرى، ومثل المنافق كمثل شجرة الأرز لا تزال ثابتة على أصلها حتى يكون انجعافها مرة واحدة).
فالله تعالى يبتلى عبده المؤمن ليطهره من الذنوب والمعايب، ومن رحمته بعبده المخلص أن يصرف عنه ما يغار عليه منه، كما قال تعالى: )كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصِينَ( (يوسف:24) )إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ( (النحل:99) صرف عنه ما يغار عليه منه كان ذلك من رحمته به واصطفائه إياه، وإن كان فى ذلك مشقة عليه، فهو تارة يمنعه مما يكرهه له، وتارة ليطهره منه بالابتلاء، فإذا كان يغار من ذلك، فإذا فعل العبد ما يغار عليه فقد يعاقبه على ذلك بقدر ذنبه.
كما قال أبو القاسم: (وحكى عن السرى أنه قال: كنت أطلب رجلا صديقاً مرة من الأوقات فمررت فى بعض الجبال، فإذا أنا بجماعة زمنى ومرضى وعميان فسألت عن حالهم؟ فقالوا: ها هنا رجل يخرج فى السنة مرة فيدعو لهم فيجدون الشفاء، فصبرت حتى خرج ودعا لهم فوجدوا الشفاء، فقفوت أثره وتعلقت به وقلت له: بى علة باطنة فما دواؤها؟ فقال: يا سرى خل عنى فإنه غيور لا يراك تساكن غيره فتسقط من عينه).
وهذا من قوله تعالى: )لاَ تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً( (الإسراء:22) )فَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ( (الشعراء:213) وذكر آيات أخرى فى المعنى.
23- وذكر أيضاً فى كتاب (الاستقامة) الجزء الثانى ص (150):
فإن جنس اللذة يتعقب إدراك الملائم المطلوب ليس هو مدرك الملائم المطلوب كما يعتقده بعض أهل الفلسفة والكلام، وكما غلب على أهل التصوف والعبادة ذكر ذلك.
وغلب على كلام العلماء المتكلمين أهل النظر والبحث والكلام أهل البديهة والنظر والضرورة والدليل والاستدلال.
وكل واحد من هذين الأمرين تحته أجناس وأصناف، بعضها حق وبعضها باطل.
فلهذا وجب اعتبار ذلك جميعه بالكتاب والسنة، فخير الكلام كلام الله وخير الهدى هدى محمد.
ولهذا كان أئمة الهدى ممن يتكلم فى العلم والكلام أو فى العمل والهدى والتصوف يوصون باتباع الكتاب والسنة وينهون عما خرج عن ذلك كما أمرهم الله والرسول.
وكلامهم فى ذلك كثير منتشر مثل قول سهل بن عبد الله التسترى: (كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل).
24- وذكر أيضاً فى كتاب (الاستقامة) الجزء الثانى ص (161):
فإن العقل قد يراد به القوة الغريزية فى الإنسان، التى بها يعقل. وقد يراد به نفس أن يعقل ويعى ويعلم.
فالأول: قول الإمام أحمد وغيره من السلف: ( العقل غريزة والحكمة فطنة).
والثانى: قول طوائف من أصحابنا وغيرهم: (العقل ضرب من العلوم الضرورية).
وكلاهما صحيح، فإن العقل فى القلب مثل البصر فى العين يراد به الإدراك تارة، ويراد به القوة التى جعلها الله فى العين يحصل بها الإدراك، فإن كل واحد من علم العبد وإدراكه ومن علمه وحركته حول ولكل منهما قوة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ولهذا تجد المشايخ الأصحاء من الصوفية يوصون بالعلم ويأمرون باتباعه، كما تجد الأصحاء من أهل العلم يوصون بالعمل ويأمرون به، لما يخاف فى كل طريقة من ترك ما يجب من الأخرى.
ابن تيمية الصوفى:
25- وفى كتاب (روضة المحبين ونزهة المشتاقين) ص (281) ذكر ابن قيم الجوزية ما نصه:-
فإن المحب يستأنس بذكر محبوبه وكونه فى قلبه لا يفارقه، فهو أنيسه وجليسه لا يستأنس بسواه، فهو مستوحش ممن يشغله عنه.
وحدثنى تقى الدين بن شقير قال: خرج شيخ الإسلام ابن تيمية يوماً فخرجت خلفه، فلما انتهى إلى الصحراء وانفرد عن الناس بحيث لا يراه أحد سمعته يتمثل بقول الشاعر- هو مجنون ليلى، كما جاء فى تزيين الأسواق للأنطاكى:-
وأخرج من بين البيوت لعلنى أحدث عنكم القلب بالسر خالياً
كرامات ابن تيمية:
26- وذكر عمر بن على البزَّار فى (الأعلام العلية فى مناقب ابن تيمية) ص (56) ما نصه:-
الفصل التاسع: فى ذكر بعض كراماته وفراسته:
أخبرنى غير واحد من الثقات ببعض ما شاهده من كراماته وأنا أذكر بعضها على سبيل الاختصار، وأبدأ من ذلك ببعض ما شاهدته:
فمنها اثنين: جرى بينى وبين بعض الفضلاء منازعة فى عدة مسائل وطال كلامنا فيها: وجعلنا نقطع الكلام فى كل مسألة بأن نرجع إلى الشيخ وما يرجحه من القول فيها.
ثم إن الشيخ t حضر، فلما هممنا بسؤاله عن ذلك سبقنا هو وشرع يذكر لنا مسألة مسألة كما كنا فيه وجعل يذكر– غالب– ما أوردناه فى كل مسألة، ويذكر أقوال العلماء ثم يرجح منها ما يرجحه الدليل، حتى أتى على آخر ما أردنا أن نسأله عنه، وبين لنا قصدنا أن نستعمله منه.
فبقيت أنا وصاحبى ومن حضرنا أولا مبهوتين متعجبين مما كاشفنا به وأظهره الله عليه مما كان فى خواطرنا.
وكنت فى خلال الأيام التى صحبته فيها إذا بحث مسألة – يحضر لى إيراد – فما يستتم خاطرى به حتى يشرع فيورده، ويذكر الجواب من عدة وجوه.
وحدثنى الشيخ الصالح المقرىء أحمد بن الحريمى أنه سافر إلى دمشق قال: اتفق أنى لما قدمتها لم يكن معى شىء من النفقة البتة وأنا لا أعرف أحداً من أهلها، فجعلت أمشى فى زقاق منها كالحائر، فإذا بشيخ قد أقبل نحوى مسرعاً فسلم وهشَّ فى وجهى ووضع فى يدى صُرة فيها دراهم صالحة، وقال لى: أنفق هذه الآن وخلى خاطرك مما أنت فيه، فإن الله لا يضيعك، ثم رُدَّ على أثره كأنه ما جاء إلا من أجلى، فدعوت له وفرحت بذلك، وقلت لبعض من رأيته من الناس: من هذا الشيخ؟ فقال: وكأنك لا تعرفه، هذا ابن تيمية، لى مدة طويلة لم أره اجتاز بهذا الدرب.
وكان جُلَّ قصدى من سفرى إلى دمشق لقاءه، فتحققت أن الله أظهره على وعلى حالى، فما احتجت بعدها إلى أحد مدة إقامتى بدمشق، بل فتح الله علىَّ من حيث لا أحتسب واستدللت فيما بعد عليه، وقصدت زيارته والسلام عليه، فكان يكرمنى ويسألنى عن حالى، فأحمد الله تعالى إليه.
وحدثنى الشيخ العالم المقرىء تقى الدين عبد الله بن الشيخ الصالح المقرىء أحمد بن سعيد قال: سافرت إلى مصر حين كان الشيخ مقيماً بها، فاتفق أنى قدمتها ليلا وأنا مثقل مريض، فأنزلت فى بعض الأمكنة، فلم ألبث أن سمعت من ينادى باسمى وكنيتى، فأجبته وأنا ضعيف، فدخل إلىَّ جماعة من أصحاب الشيخ ممن كنت قد اجتمعت ببعضهم فى دمشق فقلت: كيف عرفتم بقدومى وأنا قدمت هذه الساعة؟ فذكروا أن الشيخ أخبرنا بأنك قدمت وأنت مريض وأمرنا أن نسرع بنقلك، وما رأينا أحداً جاء ولا أخبرنا بشىء، فعلمت أن ذلك من كرامات الشيخ t.
وحدثنى أيضاً قال: مرضت بدمشق إذ كنت فيها مرضة شديدة منعتنى حتى من الجلوس، فلم أشعر إلا والشيخ عند رأسى وأنا مثقل مشتد بالحمى والمرض، فدعا لى وقال: جاءت العافية، فما هو إلا أن فارقنى، وجاءت العافية وشفيت من وقتى.
وحدثنى أيضاً قال: أخبرنى الشيخ ابن عماد الدين المقرىء المطرز قال: قدمت على الشيخ ومعى حينئذ نقفه فسلمت عليه فرد على ورحب بى وأدنانى، ولم يسألنى هل معك نفقة أم لا؟ فلما كان بعد أيام ونفدت نفقتى وأردت أن أخرج من مجلسه بعد أن صليت مع الناس وراءه فمنعنى وأجلسنى دونهم فلما خلا المجلس دفع إلىَّ جملة دراهم وقال: أنت الآن بغير نفقة فارتفق بهذه فعجبت من ذلك، وعلمت أن الله كشفه على حالى أولا كما كان معى نفقة، وآخرا لما نفدت واحتجت إلى نفقة.
وحدثنى من لا أتهمه أن الشيخ t حين نزل المغل بالشام لأخذ دمشق وغيرها، رجف أهلها وخافوا خوفاً شديداً، وجاء إليه جماعة منهم وسألوه الدعاء للمسلمين فتوجه إلى الله، ثم قال: أبشروا، فإن الله يأتيكم بالنصر فى اليوم الفلانى بعد ثالثة حتى ترون الرؤوس معبأة فوق بعض.
قال الذى حدثنى: فو الذى نفسى بيده- أو كما حلف- ما مضى إلا ثلاث مثل قوله حتى رأينا رءوسهم، كما قال الشيخ على ظاهر دمشق معبأة بعضها فوق بعض.
وحدثنى الشيخ الصالح الورع عثمان بن أحمد بن عيسى النساج أن الشيخ ابن تيمية كان يعود المرضى بالبيمارستان (أى المستشفى) بدمشق فى كل أسبوع، فجاء على عادته فعادهم، فوصل إلى شاب منهم فدعا له فشفى سريعاً وجاء إلى الشيخ يقصد السلام عليه.
فلما رآه هش له وأدناه، ثم دفع إليه نفقة وقال: قد شفاك الله، فعاهد الله أن تعجل الرجوع إلى بلدك، أيجوز أن تترك زوجتك وبناتك أربعاً ضيعة وتقيم ههنا؟.
فقبل يده وقال: يا سيدى أنا تائب إلى الله على يدك.
وقال الفتى: عجبت مما كاشفنى به، وكنت قد تركتهم بلا نفقة، ولم يكن قد عرف بحالى أحد من أهل دمشق.
..وبعد أن نقل كرامات كثيرة قال: (قلت: وكرامات الشيخ t كثيرة جداً لا يليق بهذا المختصر أكثر من ذكر هذا القدر منها)- لو أن مريداً فى طريقة صوفية ذكر كرامات شيخه أمام أدعياء السلفية اليوم لأنكروها عليه، وزعموا أنه يعبد شيخه، فى حين أنهم لا يخجلون من ذكر هذه الكرامات المنسوبة لشيخهم ابن تيمية!!.
التبرك بابن تيمية بعد موته:
27- وذكر أيضاً الحافظ البزار فى (الأعلام العلية) ص (82) فى ذكر موت ابن تيمية فقال:
قالوا: فما هو إلا أن سمع الناس بموته فلم يبق فى دمشق من يستطيع المجىء للصلاة عليه وأراده إلا حضر لذلك وتفرغ له، حتى غلقت الأسواق بدمشق وعطلت معايشها حينئذ، وحصل للناس بمصابه أمر شغلهم عن غالب أمورهم وأسبابهم، وخرج الأمراء والرؤساء والعلماء والفقهاء والأتراك والأجناد والرجال والنساء والصبيان من الخواص والعوام.
قالوا: ولم يتخلف أحد من غالب الناس فيما أعلم إلا ثلاثة أنفس كانوا قد اشتهروا بمعاندته، فاختفوا من الناس خوفاً على أنفسهم، بحيث غلب على ظنهم أنهم متى خرجوا رجمهم الناس فأهلكوهم. فغسل وكفن.
قالوا: وازدحم من حضر غسله من الخاصة والعامة على الماء المنفصل عن غسله حتى حصل لكل واحد منهم شىء قليل.
ثم أخرجت جنازته، فما هو إلا أن رآها الناس فأكبوا عليها من كل جانب كلا منهم يقصد التبرك بها حتى خشى على النعش أن يحطم قبل أن يصل إلى القبر.
واتفق جماعة من حضر حينئذ وشاهد الناس والمصلين عليه على أنهم يزيدون على خمسمائة ألف.
وقال العارفون بالنقل والتاريخ: لم يسمع بجنازة بمثل هذا الجمع إلا جنازة الإمام أحمد بن جنبل t.
ودفن فى ذلك اليوم t، وأعاد علينا من بركاته.
000وختمت له الختمات الكثيرة فى الليالى والأيام فى أماكن كثيرة لم يضبط عددها خصوصاً بدمشق المحروسة و مصر والعراق وتبريز والبصرة وغيرها.
حتى جعل كثير من الناس القراءة له ديدنا لهم، وأديرت الربعَةُ الشريفة على الناس لقراءة القرآن المجيد وإهدائه له وظيفة معتادة - ما حدث من تبرك بماء غسل ابن تيمية، وبنعشه، وقراءة القرآن له بعد وفاته، ينكره الذين يزعمون أنهم أتباعه اليوم إن حدث مع غيره!!.
تصوف ابن تيمية عقلى لا ذوقى:
وخلاصة قولنا: إن ابن تيمية لا ذوق له فى التصوف، وقد كتب فيه مجلداً يعتمد فيه على العقل، فكلامه كله عقلى نقله عن قصارى فهمه فى بعض كلام القوم ولا يترجم فيه عن الأحوال والمواجيد التى هى الأذواق، لأن من ذاق عرف، ومثال ذلك كلامه فى المجلد العاشر من فتاويه عن الفناء وهو أمر ذوقى محض فقسمه إلى ثلاث مراتب: الفناء الأول، ثم الفناء الثانى وهو فناء القلب عن شهود ما سوى الرب، والفناء الثالث وهو الفناء عن وجود السوى، فكان الذى ذكره هو مبلغ علمه وفهمه فى ذلك، ولو رجع ابن تيمية إلى الفتوحات المكية التى يشير إليها فى فتاويه حتى ليخيل لقارئها أنه استوعب ما جاء فيها، ولو وقف على معنى الفناء عند الشيخ الأكبر وعند الصوفية والمحققين من أمثاله وقد ورد ذلك فى الباب العشرين ومائتين من الفتوحات فى معرفة الفناء وأسراره لرجع ابن تيمية عن كلامه، ولازداد علماً ومعرفة بتقسيم الفناء عند رجال الله، ولما وجد كلمة واحدة يردها أو يرد بها ما قاله الشيخ الأكبر أو غيره من السادة الصوفية.
Post a Comment
إضغط هتا للعوده للصفحه الرئيسيه