أيها المسلمون: أوشك خروجكم من التاريخ بعد أن أظلكم زمن القصعة
نعم أظلنا زمن القصعة , زمن المذلة , زمن هوان المسلمين واسترقاقهم , وهل في الاسترقاق مثل ما في سلب الأرض وانتهاك العرض ؟ هل هذه الأمة جادة في البحث لها عن دور فاعل يخرج بها من صفوف دول العالم الثالث المتخلف المفعول به دائماً، أم أنها اكتفت بهذا الانكماش والانبطاح طوال هذه القرون. فليس يعد حكيماً من لم يكن لنفسه خصيماً وحسيباً ، لذا آن أوان النظر في أحوالنا كي نعرف أين نحن من السبيل إلى استرداد الاعتبار بعد أن صرنا إلى ما نكره. تُرى هل لم يبق لنا من أمل إلا في زمن آخر وعلى يد جيل آخر؟ ولا يحق لنا أن نندهش ونتساءل عن سبب هوان المسلمين ومذلتهم، فذلك أمر حتمي يتيسر فهمه في ضوء السنن والنواميس. فأعداؤنا عملوا واجتهدوا ونحن تكاسلنا وتقاعسنا. هم صنعوا أسلحتهم التي يقهروننا بها، ولم نقو على صنع شئ – أي شئ – لا الطائرة ولا السيارة ولا المدفع. هم يحسنون استثمار أموالهم، ونحن نودع أموالنا في بنوكهم، فيستثمرونها في تنمية اقتصادهم وتعظيم قوتهم، ويصادرونها إن عصينا أوامرهم . حكمهم ديموقراطي ولا يقوى حاكمهم على نهب أموال العباد ولا يعلو على القانون، هم يرصدون للبحث العلمي أموالاً طائلة، فغزوا الفضاء وصنعوا الصواريخ والأسلحة الفتاكة والأقمار الاصطناعية، ونحن بأموالنا الطائلة لا نمارس أي أنشطة بحثية جادة. وكأن البحث العلمي عبث والعلم نفسه ترف، فمازلنا نبحث في السماء عن هلال شهر رمضان بالأعين المجردة مثلما كان يفعل البدوي في البادية منذ 1400 سنة، ولا نثق في الحساب والعلم لتحديد أوائل الشهور القمرية، في حين أنهم صعدوا إلى القمر، وحددوا لسفينة الفضاء موضع هبوطها بدقة، فهبطت به ولم تتجاوزه.ومنا من يتعجب من القول بكروية الأرض .
وفى العالم الأول كما يسمونه، يعملون أكثر من 8 ساعات يومياً، ومتوسط زمن عمل الموظف في بلادنا أقل من 70 دقيقة يومياً. هم يرسمون إستراتيجياتهم ويقومون على تنفيذها بأنفسهم، لا أن يتولى غيرهم ذلك نيابة عنهم، ونحن نستعين بهم فى وضع مناهجنا التعليمية والتربوية، وتدريب لاعبينا كيف يلعبون الكرة، ونستعين بهم حتى فى التخلص من قمامتنا، ثم نقول فى دهشة – وغباوة – ما سبب انقلاب الموازين؟ .هم يزرعون ما يأكلون حتى يزيد إنتاجهم فيرمونه فى البحر حفاظاً على سعره، ونحن نشترى منهم القمح إذ لم نقو بعد على زراعة كل ما نأكل، ناهيك من صنع ما نحتاجه من كل شئ وأى شئ بدءاً من الدراجة الهوائية وأدوات التجميل ولعب الأطفال، وانتهاءً بالطائرة والدبابة والسيارة والكمبيوتر. ثم نندهش ونتساءل: لماذا نحن المهزومون وهم المنتصرون ؟ المسلمون مليار ونصف المليار نسمة تقريباً ويتلقون الصفعات على الأقفاء (جمع قفا) من 6 مليون إسرائيلي، لقد تفقد الأسد المسلم العجوز قوته، فلم يجد بها فضلا، إذ أصبح بلا مخلب ولا ناب، وأغرى به حتى الحملان، وهان على الماعز والقردة، وأصبحنا غرضا يُرمى، ويُغار علينا ولا نُغير إذ تعدو الذئاب على من لا كلاب له.
ما سر هذا الهوان ؟ اسمع :
هم ديموقراطيون يحترمون القانون الذى يعلو ولا يعلى عليه فى بلدهم وإن أنكرنا ذلك
من باب العزة بالإثم. هم ينعمون بالحرية ونحن غير أحرار، إذ لا تكتمل الحرية بدون
إنتاج الزاد والزناد. الصهاينة لا يقاتلون بعضهم البعض ونحن نفعل، إذ نضرب رقاب
بعضنا البعض منذ 1400 سنة وحتى الآن. وإن حاربونا استعانوا ببعضنا على محاربة البعض الآخر، ثم ندفع لهم تكاليف هذه الحروب التى سُفكت فيها دماؤنا !! وما حرب الخليج
عنا ببعيدة . هم – أوروبا – توحدوا اقتصادياً وعسكرياً مع اختلاف الأعراق واللغات
والثقافات، ونحن لا نتفق إلا على دوام الخلاف مع توحد لغتنا وثقافتنا وتاريخنا
وديننا .إن أمة المسلمين الآن أشتات متباينة، فمنها الدول الشديدة الثراء والدول الفقيرة التى يموت أطفالها جوعاً، ودول كثيفة السكان ودول لديها أراض شاسعة لا يقوى أهلها على زراعتها. ولو كان هناك حد أدنى من التعاون والتنسيق بين هذه الدول "الإسلامية " ! لأمكن – مثلا – زراعة الأراضي في بلد ما بأموال بلد آخر بأيدى مزارعى بلد ثالث، ولكننا مختلفون، ومازلنا نردد كالببغاوات، وحبات المسابح بين أصابعنا، دون عقل يفهم أو قلب يخشع، نردد: "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان " .الصهاينة مشغولون بصنع الطائرات والصواريخ والقنابل الذرية، ونحن مشغولون بفضائيات العري والفيديو كليب، الصهاينة يصنعون الأقمار الاصطناعية , ونحن لم نحسن بعد صنع أرغفة الخبز .
نشجب انحياز أمريكا ونندد بمساعدتها إسرائيل، ولكن نشترى السيارات والمأكولات والمشروبات الأمريكية.نحن العرب ظاهرة صوتية آن لها أن تفيق من غفلتها أو تخرج تماماً من التاريخ وتصبح أثراً بعد عين. الأجيال القادمة ستلعن آباءها الأولين الذين غفلوا وفرطوا واستهانوا، فهانوا على أنفسهم وأعدائهم .لو انتصرنا وطاب عيشنا وهذا حالنا، لكان معنى ذلك هزيمة قيمة العلم والعمل والحق. فلا معنى لأن ينتصر الجاهل على العالم، أو الكسول على النشيط. وليس معقولاً أن يتفوق الغبى الذى لا يعرف أنه غبى، على الذكى الذى يعرف أنه ذكى، لقد فشلنا فى فهم منطق العصر ولم نستخدم أدواته. إنهم يألمون لسقوط هرة فى بئر، وتسارع الشرطة لإخراجها منه، ونحن لا نعرف من يقتل من فى الجزائر، فالألوف تُذبح فى الشوارع والمنازل والفاعل مجهول. صحيح أنهم يألمون لموت قططهم، ولكنهم يقصفون عشرات المنازل ويذبحون النساء والأطفال فى فلسطين، ذلك لأنهم يرون أننا أقل شأناً من حيواناتهم. إننا أمة لا تملك سوى بعض القدرة على الطفو فوق سطح الأحداث، وما ذلك لقوة ذاتية لديها، بل بفعل انتفاخ جسدها بغازات التحلل والبوار. ولابد من امتلاك شجاعة النظر إلى الذات وانتقادها، وتشخيص أدوائها، وجلدها إن اقتضى الأمر ذلك ، تلك الذات التى خسرناها منذ قرون طويلة ولم نظفر بعد بامتلاكها مرة أخرى، إذ استغرقنا فى أحلام مزيفة منعتنا من الاستيقاظ للانشغال بواقعنا البائس.
لقد أصبحنا نحن المسلمين رقيق العصر، وما الرقيق والاسترقاق ؟ إنه سيطرة شخص على
مقدرات شخص آخر: سيد ومولاه، أو طبقة على طبقة: نبلاء ومواطنون أو إقطاعيون
ومزارعون، أو سيطرة دولة على دولة، وذاك هو رق العصر الذى نضطلع فيه بدور العبيد
وسادتنا هم الغرب، الغرب القوى الذى تسلح بالعلم وارتاد المحيط وأحدث الانقلاب
الصناعى وصنع الأسلحة النارية والدبابات والطائرات . ومنذ أن تخلينا عن ديننا وهويتنا ونحن نمارس دور العبيد حتى وإن تمتعت الدول الإسلامية باستقلال صورى وكان لها علم رسمى ونشيد وطنى تصدح به الفرق الموسيقية، وإن كان لها جيوش وعسكر، فهم لتثبيت العروش وليس لمدافعة السيد الجديد فى علاقة الرق العصرية. ولقد ضللنا إذ وقعنا فى وهم أن أمجادنا التاريخية قابلة للتحقق مرة أخرى دون حاجة إلى رجال يجاهدون من أجل صنع هذه الأمجاد .
ألا ترون أن من العدل أن نكون نحن العبيد وهم السادة ؟ هم المنتصرون ونحن المنهزمون ؟ هم
الأعزة ونحن الأذلة ؟ إذ مددنا للذل أعناقنا، وهيأنا ظهورنا للركوب فامتطانا كل راكب. وسيبقى الحال على ماهو عليه حتى إشعار آخر . "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" صدق الله العظيم
ترى ما علة هذا الهوان، إن العلة – في رأينا - تتمثل فى عاملين أساسيين: أولهما هو الاستبداد, وثانيهما هو اعتقال العقل المسلم وتجميده واسترخاصه والحط من شأنه، ، وقد تم هذا الاعتقال على ثلاثة محاور، هى : التعليم، والتدين، والسلطة وللحديث الحزين بقية
نبيل هلال,
إضغط هتا للعوده للصحه الرئيسيه
إضغط هنا للأتصال بنا

2عددالتعليقات =
الافتتاحية
الحمد لله رب العالمين، أمر بالتقوى فى سرائر الأمر وخفيات العمل، حتى ذهب المتقون بعاجل الدنيا وآجل الآخرة، فشاركوا أهل الدنيا فى دنياهم، ولم يشاركهم أهل الدنيا فى آخرتهم، سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت، وأكلوها بأفضل ما أكلت، ثم انقلبوا عنها بالزاد المبلغ والمتجر الرابح، أصابوا لذة زهد الدنيا فى دنياهم، وتيقنوا أنهم جيران الله غداً فى آخرتهم، لا ترد لهم دعوة، ولا ينقص لهم نصيب من لذة.
والصلاة والسلام على النور المبين، الذى سرى سره فى القلوب فملأها يقيناً، وظهر للبصائر فاطمأنت القلوب بما شهدت، ونطقت الألسنة بحقيقة التوحيد، فوهبت لمن شهدوا الإيقان والمزيد بما شهد به.. سيدنا ومولانا محمد.
اللهم صلَّ وسلم وبارك عليه وآله وصحبه وورثته، صلاة تشرح بها صدورنا، وتيسر بها أمورنا، وتجملنا بها بجمال رضوانك الأكبر، وفضلك العظيم، ومنتك يا رب العالمين.
أما بعد:
كم لقى الصفوة من أهل التصوف فظائع الأقاويل وشنائع الأباطيل.. من أهل الجهالة الذين خالفوا الأمر الإلهى الأول الذى تعبد الله به أوليائه.. اقرأ.. فما طالعوا كتاباً ولا قرأوا صحيفة ولا أثراً مما حبرته همم العارفين، وأملته أشواق العابدين الساجدين.
ولو أنهم قرأوا لألجم الحق باطلهم، وأغرق النور ليلهم الدامس، الذى امتلأ بحيات الأكاذيب، وعقارب الحقد، وحشرات الجهالة والعناد، وجراثيم العمالة لأعداء الإسلام. ولو أنهم أزاحوا التحجر الآخذ بعقولهم، والعناد الآسر بنفوسهم، وقرأوا لأئمة السلف لأكلت النار صحائف الاتهام التى يمسكونها، ثم أتت على أيديهم العابثة فأحرقتها وهم لا يشعرون من هول ما يفاجئهم من سطوع الحق وعزة أهله.
سنة الله الماضية فى عباده، وخواص أوليائه، أن يبتليهم بالمغرضين، ويرميهم بالمعرضين والمعترضين، يكيلون التهم، ويثيرون الظلم.. وما ذاك بضائر أهل الحق، ولا بمنتقص أرباب السلوك، فقد ملأ ضمائرهم نوراً، وأشبع سرائرهم راحة وسروراً إخبار الحق عز شأنه: )وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُواًّ مِّنَ المُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً( (الفرقان:31) وطاف بخواطرهم، واستقر بأفئدتهم قول الصادق المصدوق r: (أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى المرء على قدر دينه).
ويظل التصوف شامخاً.. ويطل عبر العصور سامقاً يفوح أريجه ويندى عبيره.. ويستطيبه الأولياء والأصفياء والصالحون، وتقتبس القلوب السليمة من أنواره، ولا يضر ضوء الشمس أنه لا يعترف به الخفاش، ولا ينقص الشهد الخالص أنه مر فى فم المريض، ولا يحجب الحق البين على قلوب أهله أنه ثقيل على البهائم والشياطين.. اللهم إنى أعوذ بك من غضبك الذى تحجب به الأنوار عن قلوب من غضبت عليهم.. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
إن الهدف الأساس من هذه السلسلة المباركة من الكتب هو جمع كلمة المسلمين ووحدتهم، وإيجاد روح المحبة والتعاون بينهم حتى نتفرغ لأعدائنا، ونستجمع قوتنا لتخليص أرضنا السليبة، ومؤازرة إخواننا المسلمين فى فلسطين وأفغانستان والعراق والشيشان، وفى كل مكان من أرض الله يذكر في اسمه، لأن عدونا واحد، وهدفنا واحد، وإلهنا واحد، وديننا واحد، ونبينا واحد، ومصيرنا واحد، وقبلتنا واحدة.
الوهابية يخدمون أعداء الأمة:
إن أول ما يريد أعداؤنا منا الخلاف وضياع الوقت فى الجدال وتمزيق الأمة، حتى ننشغل بأمور جانبية نضخمها حتى تستغرقنا ولا نرى سواها من الأمور الكبيرة التى يجب علينا أن نجاهد من أجلها.
يقول على بن محمد بن سنان المدرس بالمسجد النبوى الشريف فى كتاب (المجموع المفيد فى عقيدة التوحيد) ص 55 ما يلى: (أيها المسلمون لا ينفع إسلامكم إلا إذا أعلنتم الحرب الشعواء على هذه الطرق الصوفية، وقضيتم عليها فأخرجتموها من بين جنوبكم وقلوبكم ومجالسكم ومجامعكم ومساجدكم وزواياكم، حاربوها قبل أن تحاربوا اليهود فإنها روح اليهود والمجوس، تغلغلت فى جسم الإسلام فزلزلته وأوهنته).
ويقول كبير مرتزقتهم فى مصر محمد حامد الفقى مؤسس جماعة أنصار السنة: (هذه الطرق الصوفية ليست من الإسلام فى شىء، والإسلام لا يعرف هذا التصوف بتقاليده وطقوسه وشطحاته وأسراره وبواطنه، بل جاءه دخيلا من متصوفة الفرس والهند وغيرهم، ممن ورثوه عن الوثنيين القدماء التى لا تزال بقاياهم فى الهند والصين ومختلف بقاع الأرض، وهى صورة طبق الأصل فى عقائدها وطقوسها مما يسمونه التصوف الإسلامى حذو النعل بالنعل، فما عرف اسم التصوف والصوفية إلا بعد القرن الأول الهجرى).
وفى ختام فتواه يطالب المسلمين جميعاً أن يعلنوا الحرب الشعواء على الصوفية بجميع ألوانها، وفى كل طرقها، لأن إسلامهم لن ينفع إلا بذلك.
ويقول محمد المرزوقى بن عبد المؤمن فى كتاب (التوحيد على طريقة السؤال والجواب) نشر رابطة العالم الإسلامى (الوهابية)، طباعة مؤسسة مكة للطباعة والإعلام ص 79:
س: ما حكم أهل الطرق، هل هم من أولياء الرحمن أم من أولياء الشيطان؟
ج: بل هم من أولياء الشيطان.
س: ولم قلت ذلك؟
ج: لأنهم خالفوا الله وخالفوا رسوله r الذى طاعته طاعة لله، ومخالفته مخالفة لله.
ويقول عبد الرحمن عبد الخالق فى كتابه (فضائح الصوفية) ص42: (إعلم أولاً أن التصوف بحر من القاذورات، فقد جمع المتصوفة كل أنواع الكفر والزندقة التى توجد فى فلسفات الهند وإيران واليونان، وكل مكر القرامطة والفرق الباطنية، وكل خرافات المنحرفين، وكل دجل المدجلين، وكل وحى الشياطين، ووضعوا كل ذلك فى إطار التصوف وعلومه ومبادئه وكشوفه. فلا يتصور عقلك عقيدة كفرية فى الأرض إلا تجدها فى التصوف).
قد يخطىء بعض الناس فى الحكم على الصوفية بعد قراءة ما قاله فراخ الوهابية، ويظن أن الصوفية طائفة خارجة عن الإسلام، وذلك ربما يكون بحسن نية لما يسمعه ممن لا علم لهم بحقائق الأمور، لذلك لا بد من تجلية هذا الأمر فى أذهان من التبس عليهم شأنهم.
بالنسبة للتسمية (التصوف) التى كثر حولها الخلاف، فنكتفى بما قاله الإمام الشاطبى ناقلا عن أبى القاسم القشيرى فى كتاب (الاعتصام) ج1 ص 89 ما يلى: (إنهم إنما اختصوا باسم التصوف انفراداً به عن أهل البدع، فذكر أن المسلمين بعد رسول الله r لم يسم أفاضلهم فى عصرهم باسم علم سوى الصحبة، إذ لا فضيلة فوقها، ثم سمى من يليهم التابعين، ثم اختلف الناس وتباينت المراتب، فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية فى الدين: الزهاد والعباد، قال: ثم ظهرت البدع وادعى كل فريق أن فيهم زهاداً وعباداً، فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفاسهم مع الله والحافظون قلوبهم عن الغفلة باسم التصوف).
وقد ذكر الشيخ محمد الحافظ التجانى فى كتابه (أهل الحق): (قال ابن تيمية فى رسالته الصوفية والفقراء ص 81 طبع المنار سنة 1928 عن اصطلاح القوم: وهم يسيرون بالصوفية إلى معنى الصديق، وأفضل الخلق بعد الأنبياء الصديقون، ولا مشاحة فى الاصطلاح، فمن جمع بين صفاء العلم فى أعلى مرتبة من الشهود الجامع لعلم اليقين وعين اليقين، وصفاء العمل فى أسمى مرتبة من الإخلاص، وصفاء الحال فى ذروة الصدق والحب الإلهى والمحبوبية، فادعه من الربانيين أو قل من الصديقين، أو ادعه صوفياً فلا جناح عليك، فالمسمى واحد، وإن اختلفت الأسماء).
أما عن تعريف الصوفية فيقول الإمام المجدد السيد محمد ماضى أبو العزائم فى رسالته (عقيدة النجاة) ص 17: (الصوفية هم الذين صفت قلوبهم من شوائب الكون، وتطهرت نفوسهم من رجس الشهوات، وتعلقت هممهم بالله تعالى، ففنوا عن كل ما سواه، ووجهوا وجوههم شطره، لم تحجبهم الكائنات عن شهود مبدعها، ولم تشغلهم الآيات الجلية عن فهم إشاراتها وذوق معانيها. هم عبيد الله السائرون على منهج نبيه r، وهم الذين تلقوا أسرار التوحيد وأنوار الحكمة بقلوب واعية ونفوس صافية من العلماء العارفين بالله، ورثة رسول الله r وآله).
الصوفية أتباع الكتاب والسنة والسلف الصالح:
إنه من الأمور البديهية، والمسلمات الثابتة التى لا اختلاف فيها أن المسلم يجب أن يحمل حاله على أحسن الوجوه، وأن نلتمس له المعاذير لتبرير وجهة نظره، إذا وجدنا إلى ذلك سبيلا، وخاصة إذا نفى عن نفسه الباطل، وأعلن ولو بصفة إجمالية أنه يريد الحق، ويؤمن به، وذلك يتجلى فيما قاله r لأسامة بن زيد وقد قتل رجلا بعد أن نطق بالشهادة: (هلا شققت عن قلبه)[رواه البخارى].
وظل r يعنفه ويلومه على ذلك، مع أن حالة الرجل ونطقه بالشهادة بعد أن تمكن منه أسامة بن زيد قد توحى بأنه قالها تقية، بعد أن تمكن منه، وانتصر عليه.. ولكن الإسلام يضع لنا منهجاً ربانياً قويماً، ولأن نخطىء فى العفو خير من أن نخطىء فى العقوبة، ويجب علينا أن نكل بواطن الناس إلى الله، ونحكم للمسلم بما أعلنه عن نفسه وجعله شعاره وعنوان عقيدته، وليس لنا أن نحمل حاله على شىء آخر مهما كانت الأسباب، وهكذا الأمر ينطبق على حالة الصوفية وما يصلنا من أقوالهم وأحوالهم، فإنك لو سألت أى واحد من هؤلاء القوم، أو ممن ينتسب إليهم هل هناك أدنى مخالفة للكتاب والسنة يعتقدها الصوفية؟ لأجابك الجميع بشدة ويقين: إنه ليس للصوفية أى ابتداع فى الدين أو مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله r وآله.
وإليك بعض أقوال أئمتهم:
1) يقول الإمام أبو القاسم الجنيد الملقب بسيد الطائفة: الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى آثار رسول الله r. وقال: من لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به فى هذا الأمر لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة.
2) وقال سهل بن عبد الله: كل فعل يفعله العبد بغير اقتداء – أى بالمعصوم r - فهو عيش النفس، أى: من هوى النفس، لا يقبله الله تعالى.
3) وقال أبو العباس أحمد بن أبى الحوارى: من عمل عملاً بلا اتباع سنة رسول الله r فباطل عمله.
4) وقال أبو الحسن النورى: من رأيتموه يدعى مع الله عز وجل حالة تخرجه عن حد العلم الشرعى فلا تقربوا منه.
5) وقال ابن عطاء الله السكندرى: من ألزم نفسه آداب السنة نور الله قلبه بنور المعرفة، ولا مقام أشرف من مقام متابعة الحبيب r فى أوامره وأفعاله وأخلاقه.
6) وقال أبو حمزة البغدادى: لا دليل على الطريق إلى الله إلا متابعة الرسول r فى أحواله وأقواله وأفعاله.
7) وقال أبو القاسم النصر آباذى عالم خراسان: أصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة، وترك الأهواء والبدع وترك الرخص والتأويلات.
8) وقال حجة الإسلام أبو حامد الغزالى عن الصوفى: إن سالك سبيل الله قليل، والمدعى فيه كثير، ونحن نعرفك علامتين له، الأولى: أن تكون جميع أفعاله موزونة بميزان الشرع موقوفة على توقيفاته إيراداً وإصداراً وإقداماً وإحجاماً، إذ لا يمكن سلوك هذا السبيل إلا بعد التلبس بمكارم الشريعة كلها. والثانية: لا يصل فيه إلا من واظب على جملة النوافل، فكيف يصل إليه من أهمل الفرائض؟.
9) وقال الإمام التسترى: أصول طريقنا سبعة: التمسك بالكتاب، والاقتداء بالسنة، وأكل الحلال، وكف الأذى، وتجنب المعاصى، ولزوم التوبة، وأداء الحقوق.
10) وقال أبو حفص أحد كبار الصوفية: من لم يزن أفعاله وأحواله فى كل وقت بالكتاب والسنة، ولم يتهم خواطره فلا يعد فى ديوان الرجال.
11) وقال الشيخ محى الدين بن عربى: لا يرتجى الوصول من لم يتابع الرسول r.
12) ويقول أبو يزيد البسطامى: لو نظرتم إلى رجل أعطى من الكرامات حتى يرقى فى الهواء، فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهى وحفظ الحدود وأداء الشريعة.
13) ويقول السيد أبو الحسن الشاذلى: إذا تعارض كشفك مع الكتاب والسنة فتمسك بالكتاب والسنة ودع الكشف، وقل لنفسك إن الله تعالى ضمن لى العصمة فى الكتاب والسنة ولم يضمنها فى جانب الكشف ولا الإلهام ولا المشاهدة إلا بعد عرضها على الكتاب والسنة.
14) ويقول الإمام المجدد السيد محمد ماضى أبو العزائم: (القرآن المجيد مورد آل العزائم الروى، وروضهم الجنى، وحوضهم المورود، وكوثرهم المشهود، وميزان أحوالهم، ومرجع مقاماتهم، يسألونه قبل العمل، فإن أذن سارعوا، وإن منع تركوا واستغفروا).
ويقول: (من رغب عن سنته r ولو عمل بكل الكتاب فهو هالك، ومن أقام سنته واهتدى بهديه وتابعه نجا وحظى بحظوة الشهود).
ويقول: (كل من خالف الكتاب والسنة وادعى أنه عالم فهو كاذب).
وغير ذلك من الأقوال الكثيرة التى تبين أن الاستقامة على الشريعة المطهرة هى أفضل من أى كرامة عند أئمة الصوفية.
الدس والافتراء على الصوفية:
وبناء على ذلك ترى أن كل ما يخالف الإسلام فى شىء فلا تصح نسبته إلى الصوفية والتصوف، وإنما هو من ضلالات المدعين الذين انتسبوا للتصوف زوراً وبهتاناً، أو من الأمور المدسوسة على كتبهم بقصد الطعن فى هؤلاء القوم وتشويه صورتهم ومنهجهم، كما حدث فى كتب التفسير من الإسرائيليات التى تتنافى مع ما عرف عن هؤلاء المفسرين من حرص على بيان الحق، والبعد عن هذه المرويات، ولذلك فإنا نرى أن الهوة بين المعارضين للتصوف والصوفية نشأت من اقتناعهم بأن هذه الأقوال الباطلة هى من صميم آراء الصوفية، ولو أنهم وضعوا الأمور فى نصابها، ونظروا نظرة فاحصة مستبصرة لوجب عليهم ألا يلصقوا هذه الأقوال الشنيعة بهؤلاء القوم، وأن يحسنوا الظن بهم وخاصة أنهم قد لقوا ربهم، وأصبحوا بين يدى الله تعالى، وأفضوا إلى ما قدموا.
وإليك بعض الأمثلة على ذلك الدرس والافتراء على هؤلاء القوم:
1) يقول الشيخ عبد الوهاب الشعرانى فى كتابه لطائف المنن: (وما منَّ الله تبارك وتعالى به علىَّ صبرى على الحسدة والأعداء لما دسوا فى كتبى كلاماً يخالف ظاهر الشريعة، وذلك لما صنفت كتاب (البحر المورود فى المواثيق والعهود) وكتب عليه علماء المذاهب الأربعة بمصر، وتسارع الناس لكتابته، فكتبوا منه نحو أربعين نسخة. غار من ذلك الحسدة فاحتالوا على بعض المغفلين من أصحابى، واستعاروا منه نسخته، وكتبوا لهم منها بعض كراريس ودسوا فيها عقائد زائفة، ومسائل خارقة لإجماع المسلمين، وحكايات وسخريات عن جحا وابن الراوندى، وسبكوا فى ذلك غضون الكتاب فى مواضع كثيرة، حتى كأنهم المؤلف، ثم أخذوا تلك الكراريس وأرسلوها إلى سوق الكتبيين فى يوم السوق – وهو مجمع طلبة العلم – فنظروا فى تلك الكراريس، ورأوا اسمى عليها، فاشتراها من لا يخشى الله تعالى ثم دار بها على علماء جامع الأزهر، فأوقع ذلك فتنة كبيرة، ومكث الناس يدورون فى المساجد والأسواق وبيوت الأمراء نحو سنة، وانتصر لى الشيخ شهاب الدين اللقانى، وشيخ الإسلام الحنبلى، والشيخ شهاب الدين بن الحلبى، كل ذلك وأنا لا أشعر، فأرسل لى شخص من المحبين بالجامع الأزهر وأخبرنى الخبر، فأرسلت نسختى التى عليها خطوط العلماء، فنظروا فيها فلم يجدوا فيها شيئاً مما دسه هؤلاء الحسدة.. إلخ). (لطائف المنن والأخلاق جـ 2 ص 190).
وقد ذكر ذلك أيضاً المؤرخ الكبير عبد الحى بن العماد الحنبلى فى كتابه (شذرات الذهب) جـ 8 ص 374 حيث قال: (وحسده طوائف فدسوا عليه كلمات تخالف ظاهر الشرع، وعقائد زائفة ومسائل تخالف الإجماع، فخذلهم الله، وأظهره الله عليهم، وكان مواظباً على السنة، ومبالغاً فى الورع.. إلخ).
ومن ذلك يتبين لنا واضحاً جلياً أن كل ما نراه فى الكتب منسوباً إليهم وهو مخالف للشرع كما فى الطبقات الكبرى للشعرانى، فهو من وضع الزنادقة، وقد جاء ذلك فى كتاب (حقائق عن التصوف) للشيخ عبد القادر عيسى ص 508.
2) وكذلك دسوا على الشيخ محيى الدين بن عربى رحمه الله، قال الشعرانى: (كان t متقيداً بالكتاب والسنة ويقول: كل من رمى ميزان الشريعة من يده لحظة هلك) إلى أن قال: (وجميع ما عارض من كلامه ظاهر الشريعة، وما عليه الجمهور فهو مدسوس عليه كما أخبرنى بذلك سيدى أبو طاهر المغربى، ثم أخرج لى نسخة الفتوحات المكية التى قابلها على نسخة الشيخ التى بخطه فى مدينة قونية، فلم ير فيها شيئاً مما كنت توقفت فيه وحذفته حين اختصرت الفتوحات) كما جاء فى اليواقيت والجواهر جـ 1 ص9.
وذكر العلامة ابن عابدين الفقيه الحنفى وصاحب أكبر موسوعة فى الفقه الحنفى: أن الراجح عنده بالنسبة لما ورد فى كتب الشيخ محى الدين بن عربى مما يخالف الشرع بأنه مفترى عليه، ولذلك تجد نص عبارة الحصكفى صاحب الدر المختار جـ 3 ص 303: (لكن الذى تيقنته أن بعض اليهود افتراها على الشيخ قدس الله سره).
3) بل إن ابن تيمية نفسه يعترف بالدس على السيدة رابعة العدوية حيث يقول: (وأما ما ذكر عن رابعة عن قولها عن البيت إنه الصنم المعبود فى الأرض فهو كذب على رابعة المؤمنة التقية..) وذلك فى كتاب (مجموعة الرسائل والمسائل) لابن تيمية جـ 1 ص 80.
شهادة علماء الإسلام:
إن فراخ الوهابية فى اعتراضها على الصوفية خالفت إجماع علماء الإسلام فى ذلك، وها نحن نضع بين أيديهم شهادة علماء الأمة الإسلامية لمنهج التصوف ولسلوك الصوفية، ونبدأهم بالأئمة الأربعة لعلم الفقه، وهم تلاميذ مباشرون أو غير مباشرين لإمام الأئمة سيدى جعفر الصادق t.
1) نقل الفقيه الحنفى الحصكفى صاحب الدر المختار أن أبا على الدقاق رحمه الله تعالى قال: أنا أخذت هذه الطريقة من أبى القاسم النصر آباذى، وقال أبو القاسم: أنا أخذتها من الشبلى، وهو من السرى السقطى، وهو من معروف الكرخى، وهو من داود الطائى، وهو أخذ العلم والطريقة من أبى حنيفة t، وكل منهم أثنى عليه وأقر بفضله، ثم قال صاحب الدر معلقاً: فيا عجبا لك يا أخى ألم يكن لك أسوة حسنة فى هؤلاء السادات الكبار؟ أكانوا متهمين فى هذا الإقرار والافتخار، وهم أئمة هذه الطريقة وأرباب الشريعة والحقيقة؟ ومن بعدهم فى هذا الأمر فلهم تبع، وكل ما خالف ما اعتمدوه مردود مبتدع، وذلك فى كتاب الدر المختار جـ 1 ص 43 وعليه حاشية ابن عابدين.
2) وقال الإمام مالك: ( من تفقه ولم يتصوف فقد تفسق، ومن تصوف ولم يتفقه فقد تزندق، ومن جمع بينهما فقد تحقق) وذلك فى كتاب (الشفا للقاضى عياض) شرح ملا على القارى جـ 5 ص 408، وذكرها أيضاً فى كتابه (عين العلم وزين الحلم) جـ 1 ص 33، ونقلها كذلك العلامة العدوى على شرح الإمام أبى الحسن فى الفقه المالكى جـ 2 ص 195.
3) وجاء عن الإمام الشافعى قوله: (حبب إلىَّ من دنياكم ثلاث: ترك التكلف، وعشرة الخلق بالتلطف، والاقتداء بطريق أهل التصوف) وذلك فى كتاب: (كشف الخفا ومزيل الإلباس فيما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس) للعجلونى ج 1 ص 341.
4) ونقل العلامة محمد السفارينى الحنبلى عن إبراهيم بن عبد الله القلانسى أن الإمام أحمد بن حنبل قال عن الصوفية: (لا أعلم أقواماً أفضل منهم، قيل: إنهم يستمعون ويتواجدون؟ قال: دعوهم يفرحوا مع الله ساعة). وهذا فى كتاب: غذاء الألباب شرح منظومة الآداب جـ 1 ص 120.
فهذه أقوال الأئمة الأربعة – رضى الله تعالى عنهم – فى بيان فضل علم التصوف ومنزلة السادة الصوفية فى الإسلام.
نماذج أخرى من العلماء:
1) قال المفسر الكبير فخر الدين الرازى فى كتابه (اعتقادات فرق المسلمين والمشركين) جـ 2 الباب الثامن فى أحوال الصوفية: (والمتصوفة قوم يشغلون بالفكر وتجرد النفس عن العلائق الجسمانية، ويجتهدون ألا يخلو سرهم وبالهم عن ذكر الله تعالى فى سائر تصرفاتهم وأعمالهم، منطبعون على كمال الأدب مع الله تعالى، وهؤلاء هم خير فرق الآدميين).
والإمام فخر الرازى هو من تعرف الأمة مكانته العلمية وفقهه ومؤلفاته وعقيدته الإسلامية الصحيحة.
2) وجاء فى كتاب (نور التحقيق) للشيخ حامد صقر ص 96: قال سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام رضى الله تعالى عنهم: (قعد القوم من الصوفية على قواعد الشريعة التى لا تنهدم دنياً وأخرى، وقعد غيرهم على الرسوم).
والعز بن عبد السلام هو العالم العظيم والمجاهد الكبير والفقيه المعروف، وقد شهد له جل علماء الإسلام بأنه سلطان العلماء.
3) وقال الشيخ تاج الدين السبكى عالم الأصول فى كتابه (مفيد النعم ومبين النقم) ص 119 متحدثاً عن الصوفية: (والحاصل أنهم أهل الله وخاصته الذين ترتجى الرحمة بذكرهم، ويستنزل الغيث بدعائهم، فرضى الله عنهم وعنا بهم).
والإمام السبكى من كبار الفقهاء وعلماء الأصول المدافعين عن السنة بإجماع كثير من العلماء.
4) وقال الإمام جلال الدين السيوطى فى كتابه (تأييد الحقيقة العلية) ص 57: (وقد تأملت الأمور التى أنكرها أهل الشرع على الصوفية فلم أر صوفيا محققا يقول بشىء منها، وإنما يقول بها أهل البدع والغلاة الذين ادعوا أنهم صوفية وليسوا منها). والإمام السيوطى هو المحدث والمفسر والفقيه وعالم القراءات والحافظ الذى شهد له الجميع.
5) ويقول الشيخ (محمد أبو زهرة) فى مجلة لواء الإسلام العدد 12 سنة 1960 ص 758: (ولذلك أوجب أن نتجه إلى الصوفية كعلاج أخير لوقاية الشباب من الفساد، ولا أعتبر أن هناك علاجاً أجدى منها).
والشيخ أبو زهرة من الفقهاء المعاصرين المشهورين بالحيدة والإنصاف.
6) وقال الإمام النووى شارح صحيح مسلم وصاحب كتاب رياض الصالحين: (أصول طريق التصوف خمسة: تقوى الله فى السر والعلن، واتباع السنة فى الأقوال والأفعال، والإعراض عن الخلق فى الإقبال والإدبار، والرضى عن الله فى القليل والكثير، والرجوع إلى الله فى السراء والضراء) وذلك فى كتابه (المقاصد فى التوحيد والعبادة وأصول التصوف) ص 20. والإمام النووى هو علامة عصره وحجة كبرى فى الفقه الشافعى وعلم الحديث.
موقف أئمة السلفية من الصوفية:
إن الوهابية التى تنتمى- هكذا تقول- إلى السلفية، وإلى ابن تيمية تحديداً، سوف تظهر لها مفأجاة كبرى فى هذا الكتاب فى حكم أئمتها على الصوفية، ونحن نسألهم هل أنتم متبعون أم مبتدعون؟.. فإن كنتم متبعين فامدحوا الصوفية كما مدحها شيوخكم، وإن كنتم مبتدعين، فأنتم خوارج وعملاء لأعداء الإسلام الذين يريدون تفريق الأمة.. وها هى شهادة شيوخكم فى الصوفية تملأ جنبات هذا الكتاب، ومنهم: ابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، ومحمد بن عبد الوهاب، ومحمود خطاب السبكى، وحسن البنا، ونحن فى انتظار ردكم على سؤالنا السابق.
معلوم أن الصوفية عند أئمة الحركة السلفية وسادتهم طائفة إسلامية مثل بقية الطوائف الإسلامية الأخرى كالمحدثين والفقهاء والمتكلمين والمؤرخين والمجاهدين وغيرهم، فيهم المصيب والمخطىء، والصالح والطالح، والأصلى والمزيف.
ولكن إذا أطلق اللفظ فإنه يراد به دائماً: الصالح والمصيب والصحيح منهم، فمثلا لو قلنا: (المحدثون) فالمراد بهم عند الجميع: المحدثون الصالحون الذين حفظوا على الأمة أحاديث رسول الله r وخدموها وبلغوها ونشروها بالطريقة المرضية كالأئمة: البخارى ومسلم والترمذى وابن حجر العسقلانى والسيوطى وابن ماجه وأبو داود والإمام أحمد وغيرهم.
ولا يراد بكلمة (المحدثون) مطلقاً، عند أى أحد أولئك (الدجالون الكذابون الوضاعون) المنتسبون إلى هذه الطائفة الكريمة، والذين قد بين فسادهم ودجلهم أئمة الجرح والتعديل فى كل عصر وزمان هذا كما هو معلوم للجميع.
وهكذا هو الحال فى الفقهاء والمتكلمين والمجاهدين والمؤرخين وغيرهم من طوائف المسلمين.
وهكذا يجب أن يكون الحال فى الصوفية أيضاً.
فعندما يقال: (الصوفية) فحتماً يكون المراد منهم: الفضيل بن عياض ومعروف الكرخى وأبو سليمان الدارانى وبشر الحافى وعبد القادر الجيلانى والجنيد البغدادى وغيرهم ممن سار على نهجهم القويم.
ولا يراد (بالصوفية) البتة أولئك (الدجالون المخرفون المخالفون لكتاب الله وسنة رسوله r، الدخلاء على التصوف وقطاع الطريق إلى الله والدار الآخرة).
بل الذى ندين الله سبحانه وتعالى به، وما نعتقده والحمد لله وبفضله وتوفيقه فى قرارة نفوسنا، وما وجدنا عليه مشايخنا رحمهم الله هو أنه حتى هؤلاء السادة الكرام الفضيل وبشر والدارانى والجنيد والغزالى والجيلانى وغيرهم من الأئمة الكبار وأمثالهم ومن سواهم كلهم يؤخذ من قولهم ويترك إلا المصطفى الصادق المصدوق r وآله.
فالحجة دائماً كتاب الله تعالى وسنة رسوله r، فمن وجدناه موافقاً لهما ولأصولهما وتعاليمهما فعلى الرأس والعين، ومن خالفهما وخالف أصولهما وتعاليمهما فنضرب به عرض الحائط، كائنا من كان، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وبما أن هذه الفتنة: أى مخالفة التصوف والصوفية بدأت تنشط فى بعضهم باسم السلفية أيضاً، كان لزاماً على العلماء ورثة الأنبياء وأهل الحق أن يبذلوا جهودهم لردعها ومكافحتها فإنهم هم المسئولون عن ذلك، حيث إنه من أهم واجباتهم، ولا مجال للتقصير فى ذلك لأهميته.
وقد قال r: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين) رواه البيهقى فى كتاب المدخل عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذرى مرسلا.
وعن أبى سعيد الخدرى t عن رسول الله r قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) رواه مسلم.
وعن أبى سعيد الخدرى t أيضاً (فى حديث طويل) أن رسول الله r قال: (ولا يمنعن أحدا منكم هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه) وفى رواية: (إن رأى منكراً أن يغيره) رواه الترمذى، كذا فى المشكاة.
وقد بدأ العلماء والحمد لله مكافحة هذه الفتنة فى كل مكان أداء للواجب الشرعى، وإحقاقاً للحق فجزاهم الله خيراً وزادهم توفيقاً وسداداً، ونصرهم بنصره.
وقد قمنا بجمع أقوال (أئمة الحركة السلفية) فى التصوف وأموره المتنوعة ومدحهم للسادة الصوفية والثناء عليهم، حتى يثبت للجميع أن هذا القول: (بأن التصوف كله باطل، وأن الصوفية طائفة زائغة لا علاقة لها بالإسلام، بل هم أعداء له، وأن أصلهم من اليونان وبوذية الهند.. إلخ)، نسبته إلى أئمة السلفية كذب وبهتان، وليعلم يقيناً أن من ادعى ذلك فإما أنه جاهل مغرور أو كذاب مفتون.
مع أن ما تركناه من كلامهم فى نفس الموضوع أكثر بكثير جداً مما ذكرناه.
وإنما هى نماذج فقط مما ورد فى كلامهم عن التصوف والصوفية، وقد حاولنا أن نقدم كلام (أئمة الحركة السلفية) السابق ذكرهم نقياً جلياً، ولم نعلق على شىء من ذلك إلا ما كان للضرورة الشديدة جداً حتى يتوضح الموقف الصحيح لهم.
ونرجو البارئ الكريم أن يجعله سبباً لإظهار الحق، ولرفع الغشاوة عن القلوب والأبصار بفضل الله وكرمه.
كما نسأله سبحانه أن يحيينا ويميتنا ويحشرنا على ما كان عليه الفرقة الناجية تحت لواء إمامهم وسيدهم ومولاهم وقائدهم وحبيبهم حبيب رب العالمين وسيد الأنبياء والمرسلين الرحمة للعالمين، والأسوة الحسنة فى جميع الشئون لجميع المؤمنين.
فاللهم إن قلوبنا وجوارحنا ونواصينا بيدك لم تملكنا منها شيئاً، فإذا فعلت ذلك بنا فكن يا ربنا يا كريم أنت ولينا واهدنا إلى سواء السبيل.
واللهم ألهمنا مراشد أمورنا، وأعذنا من شرور أنفسنا، وخذ بقلوبنا إليك، ووفقنا لم تحبه وترضاه من القول والعمل والنية والهدى، إنك على كل شىء قدير.. آمين.
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله أجمعين إلى يوم الدين. وجعلنا من أحبابه برحمته وجوده، إنه أرحم الراحمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
شعبان 1426هـ لجنة البحوث والدراسات
سبتمبر 2005م بالطريقــة العزميــة
قرأت الرد ..
وأكاد أجزم أنه يندرج تحت مسمى "الكوبي والبيست" الذي نعاني منه كمدونين ..
وبعيداً عن الاسلوب النقلي المقرف الذي لا يبدي ولا يعيد .. أرى أن الصوفيين لا يختلفون في ضوء الرد الذي يمثل فكرهم تماماً عمن ينتقدون ، نفس الوصائية ونفس الإقصائية ، وتشفير الحديث باسم الأمة ، وادعاء الزهد في الدين بينما عين هؤلاء على الزعامة الدينية ، والبابوية المزعومة في الإسلام ، والتي هو منها بريء..
ويتميز الصوفيون غير كل ما سبق بأنهم من أكثر الفرق المتصارعة على الزعامة تسلية ، فبينما يتخصص السلفيون في التصدر في الهايفة ، يرى الصوفيون أن الميت أولى بكثير من الحي .. ولا يزال التوسل بالأولياء قضية حياة أو موت بالنسبة لهذا الفصيل ..
وقبل السؤال عن غيرهم ، ماذا قدم هؤلاء للأمة التي يتشدقون باسمها ليل نهار؟ ولماذا كان خطابهم "قشرياً" على مستوى الفرد لكن لا يتناول حياته في شيء؟ ، فالدنيا التي دعا الرسول الكريم لصلاحها وإصلاحها لا تهم الأفاضل في شيء ، وكيف لا وقد كان فكرهم السبب في التخلف المرعب الذي عاشته مصر في فترتي الحكم المملوكي والعثماني المظلمتين..
وإذا كان كل فصيل ، سلفي كان أم صوفي ، يملك من الجرأة القول بأنه على "الطريق الوحيد" مع الاعتذار ليوسف معاطي مؤلف سكة الهلالي ، فماذا عن ملايين المسلمين الذين لا يطيقون أولئك ولا هؤلاء ، هل هم كفار أم ناقصي عقل ودين؟
أستاذ نبيل ، امض على بركة الله في طريقك لمحاولة نزع عشش العنكبوت من على العقل المسلم ، وتجريده من البابوية والإقصائية المزعومة والخرافة التي ألصقها المتصارعون على الزعامة الدينية بدين هو أبسط بكثير مما يحاولون الترويج له..
Post a Comment
إضغط هتا للعوده للصفحه الرئيسيه