Thursday, June 02, 2005

دور النظام التعليمي في تخلف الأمة الإسلامية

إن الهدف الأساسي لأي نظام تعليمي هو إعداد العقول القادرة على صنع المستقبل، والعقول المدربة على طرح الأسئلة والبحث عن إجابات عنها، العقول التى يمكنها ممارسة النقد وكشف أساليب القهر الذهني، القادرة على الإبداع، لا مجرد إعداد عقول لا تحسن سوى الحفظ وتعجز عن ممارسة التساؤل والاستفهام. فأساليب التعليم في عالمنا الإسلامي بعيدة عن فهم احتياجات العصر، إذ تناسب من نشأوا فى ظروف تكبيل العقل وتكميم الأفواه، تناسب إعداد موظفين لا مبدعين ينهضون بعبء حشد القوى لتنمية الأمة فى عصر تكتلات الدول وسحق الأمم الضعيفة المشرذمة. ويمضى نظامنا التعليمي في اتجاه تعميق الهوة بيننا وبين سائر الأمم المتقدمة، فالمدة التى تتضاعف فيها المعارف الإنسانية تتناقص باطراد مذهل، مما يجعل اللحاق بالأمم التى سبقتنا أمراً يكاد يكون مستحيلاً فى ظل الإمكانات الراهنة. كما أن ما يتم ممارسته فى المدارس من تعليم تلقيني يرمى إلى إحكام السيطرة على عقول الطلاب من أجل توجيهها حسب توجهات المستبدين، وصرف هذه العقول بعيداً عن ما يتهددها، فمن تعلموا بهذه الطريقة التلقينية هم أنسب من يلائمون القهر والاستكانة والامتثال. فنظام القهر لا يسمح للمتعلم بالتساؤل، والتساؤل هو أول الطريق إلى الانتقاد واكتشاف الواقع، وهو بداية عمل العقل الإبداعي " المبدع ". ولما افتقدت أمتنا حرية الرأى والكلمة ضاعت، بالضرورة، القدرات الإبداعية لهذه الأمة، فالحضارة هي منتجات الفكر، والفكر هو نتاج عقلي لذا يمكن فهم استحالة إنشاء حضارة دون تحرير العقل ثم تفعيله عن طريق نظام تعليمي فعال. ومعنى ذلك أن التخلف والتبعية والتدنى سيبقون قدراً مقدوراً وسرمداً ممتداً طالما أن العقل مفرغ ومقيد .
والتعليم النظامي فى المدارس الحكومية يكرس إعداد أجيال تقبل الواقع على أنه أفضل الممكن، أجيال عاجزة عن التأمل والاستنتاج والحوار، وذلك باستبعاد وسائل التعليم الحواري التحليلي الموضوعي النقدي الذي يدرب العقل ويشحذ الحواس. ويتبنى هذا التعليم النظامي الوسائل التعليمية التى ترسخ الذاكرة والحفظ لدى التلاميذ على حساب ملكات النقد والإبداع والتفكير. وكان الحفظ هو طريقة التعليم التى درج عليها العرب قبل الإسلام، فقد كانوا أميين لا يعرفون القراءة والكتابة، واعتمدوا على الذاكرة فى حفظ أشعارهم. ولما كان التعليم بعد الإسلام يعتمد أساساً على القرآن الذى كانوا يحفظونه عن ظهر قلب، لذا كان الحفظ بمثابة الوسيلة الأساسية فى المنهج التعليمي وهى وسيلة لم تكن غريبة على آبائهم الأولين فى الجاهلية، ولم يكن الحفظ والاستظهار خاصاً بالقرآن الكريم أو الحديث الشريف، وإنما تعداهما إلى العلوم الأخرى أيضاً.
وهكذا يمكن وصف الفرق بين مفهوم التعليم كخبرة من أجل الحرية، ومفهوم التعليم كوسيلة للسيطرة، بأنه الفرق بين التعليم الحواري والتعليم التلقيني. وطريقة التعليم التلقيني هي التي تعد الإنسان المروّض ، وتخدم ظروف القهر وتعمل على ترسيخها. وانظر إلى طرق التعليم التى اتبعها المسلمون منذ أجيال وأجيال، تجدها وسائل تلقينية بحتة غير مسموح فيها بالحوار والمناقشة. إذ يعتبر فيها الحوار وتقليب الآراء على أوجهها من قبيل الصفاقة والاجتراء، فكل ما يقوله "الفقيه" , وهو أيضاً مروَّض تعلم بأسلوب تلقيني غير حواري, هو من قبيل المسلمات التى لا تحتاج إلى إثبات، ومن غير الممكن مناقشتها، فضلاً عن تخطئتها. فانكمش العقل المسلم وتم اعتقاله بعد القرن الرابع الهجري، إذ تم اعتبار كل منجزات السلف منجزات مقدسة لا يجوز نقدها أو الخروج عليها، واعتبر المنهج الحواري منهجاً اجترائياً لا يجوز أن يأخذ به مسلم صادق الإيمان. وفى مثل هذا المناخ يترعرع التمذهب والتعصب والتحجر. لذلك لم يتواصل العطاء العقلى والفكري للعقل المسلم مثلما كان عبر القرون الأولى "القرن الثامن الميلادي والتاسع والعاشر" ، فالجدال والمناقشة هما وسيلة إنتاج وتمحيص الحقائق فى منهج التعليم الحواري، ويثمران أفضل النتائج خصوصاً فى ظل الحرية التامة، فمن شروط الحوار التسليم بعدم احتكار الحقيقة، وأن استكشاف العالم ليس من حق الصفوة وحدهم، بل يسع الكل البحث عنها، وأن الحوار فى حد ذاته لا يعنى تهديد ذات المحاور أو الحط من مكانته فى ما لو أفضى الحوار إلى خلاف ما يعتقده، فالحقيقة ليست حكراً على أحد وما اعتقده قد يكون صواباً أو خطأ، وكذلك معتقد الآخر، والحوار هو الآلية الفاصلة فى تمحيص الخطأ والصواب وتقليب الأمور على أوجهها كافة. ومن يمنعون الحوار هم فى الحقيقة لا يستهدفون سوى فرض الحقيقة التى يعرفونها على الآخرين.
وإذا لم ينجح التعليم فى إيقاظ وعى المتعلم وحفزه على تطوير ظروفه ومجتمعه وتدريبه على الفهم والاستنباط وإدراك العلاقات بين الأشياء والأحداث، يكون قد حاق فشل ذريع بأهداف العملية التعليمية. ولا تتم توعية الناس بمجرد شرح الأحوال وتفسير الواقع، وإنما يجب محاورتهم لتبصرتهم بالأدوار التى يمكنهم الاضطلاع بها، ومساعدتهم على ممارسة النقد الذاتي. ويتسع الخرق على الراتق إن تبلد إحساس الناس فلم يكتشفوا القهر الذى استغرقهم ، وزيف الواقع الذى يزينه لهم قاهروهم. ويحتفى القرآن الكريم بمنهج التعليم الحواري الذي يدعو فيه الإنسان إلى النظر والتفكير والتأمل، والتدرب على رد الظواهر إلى أسبابها، وتدريب العقل على طرح الأسئلة، وتعليم المسلمين كيفية تدبر الواقع وإقامة علاقة حوارية مع النفس والآخر، الأمر الذى مكّنهم من إنشاء وامتلاك قدرة على التأمل والملاحظة والفهم والتأويل، لذا لم يكن غريباً أن يبتدع المسلمون المنهج التجريبي في البحث العلمي الذي قامت عليه النهضة العلمية الحديثة بعد أن اقتبسه الغرب منا، فذلك كان إفرازاً حتمياً لمنهج التفكر والنظر الذى حض عليه القرآن الكريم. فديننا الحنيف هو الذى جاء بآليات هذا المنهج الحواري لتربية العقل، وما الشورى والدعوة إلى النظر والتفكير إلا بعض مكونات هذا المنهج . والكارثة أن المسلمين أغفلوا هذا المنهج إبّان صراعاتهم، فأضفت كل طائفة من الطوائف المتنازعة والجماعات المتناحرة الإسلامية، وما أكثرها، قداسات دينية على مواقفها، مما يعنى نفى صفة الدين والقداسة عن رأى الطائفة الأخرى، فاشتعلت الصراعات التى أراد البعض توجيهها باطلاً لتحقيق أطماع سياسية وغيرها. ولا شك أن الصراعات المذهبية والخلافات العصبية هى من تداعيات تفويض هذا المنهج الحواري. وكان تعليمنا فى معظمه، بعد أفول عهد النهضة العلمية الإسلامية، معنيا فى المقام الأول بالعلوم النقلية "الدينية "، وكانت طريقة التعليم تلقينية، إذ لا محل فيها للحوار. فمادة هذه العلوم مقدسة لا يجوز غير قبولها.
نبيل هلال

إضغط هتا للعوده للصحه الرئيسيه
إضغط هنا للأتصال بنا

0 من فضلك أكتب تعليقك عن المقال