Sunday, June 12, 2005

من المسؤول عن خيبة العرب والمسلمين؟

ليس صحيحاً أن الشعوب تحتشد بنفسها دون قائد يقودها ويوجه مسيرتها، فهذا لم يحدث قط. إذ لابد من وجود من يستنهض الهمم ويحشد الطاقات .
و ما يفسر حدوث الثورات والانتصارات، هو ظهور الزعيم القائد، وما يفسر هوان الأمم وانكسارها هو غياب ذلك الزعيم القادر الذي يأخذ بيدها بعد أن يكسر يد وعنق المستبد، سواء أكان دخيلاً مستعمراً يجثم على أنفاس الأمة، أو كان أحد أبنائها المارقين الذي استبد بها استناداً إلى شرعية زائفة.
وما من شك في أن الشعوب هي التي تبنى وتبادر بالأعمال وحمل المشقة والتبعات، ولكن لابد من تفعيل قوى هذه الشعوب بقائد حاذق، بدونه لا فعالية لهذه الشعوب .
والعلاقة بين دوري الزعيم والأمة لا محل فيها لتفاضل دور على الآخر، وإنما العلاقة بين الدورين علاقة عضوية. فها هي دولة الصهاينة لم يكن لها أصلاً شعب محدد الهوية ذو ثقافة موحدة وعرق واحد. بل تجمع اليهود من بلدان شتى، ويتحدثون لغات مختلفة، وثقافاتهم متباينة، ولا يجمع هذا الشتات سوى الانتماء إلى دين . ثم توفر لهذه الشعوب الشتات زعماء وقادة فعَّلوا أدوار هذه الأمة المخلَّطة، وأصبحوا الآن دولة قوية تسحق أعداءها بالأحذية.
وإذ ثبت لنا بما لا يدع مجالاً للشك أن تاريخ الأمم من صنع الزعماء والقادة، تبرز الضرورة القصوى لحسن اختيار من يتولى قيادة الأمة من الحكام، فحسن اختيار الحاكم هو الطريق الوحيد لصلاح أحوال البلاد والعباد والذي يتحدد به مصير الأمة ,إما أن تصير أعز من الأسد ,وإما أذل من الكلب.
الأمر الذي يصبح معه هذا الاختيار هدفاً يتعين على الأمة كافة أن تحسن تحديده وإن بذلت في سبيله الدم والأرواح، ولا يجوز بأي
حال أن تنصرف همة الأمة بعيداً عن بلوغ هذا الهدف بدعوى طاعة أولى الأمر، أو قدسية الملك أو أبوة السلطان، أو عزة شيخ القبيلة، أو التماس السلامة وطلب الأمن والأمان وحقن الدماء، أو تجنب فساد أحوال العباد بمناهضة ولى الأمر وإن فسق وظلم. ويجب أن يعلم الناس أن من الشرف وعلو الهمة التصدي لمن يسلب الأمة إرادتها أو ينتهك قوانينها، أو يزعم العلو عليها، أو يتلاعب بحقوق الناس تسترا وراء المصالح العليا، أو دعاوى صوت المعركة الذي لا ينبغي أن يعلو عليه شئ، أو يصادم إرادة الجماهير بدعوى اعتبارات الموازين الدولية والسياسية العليا، وكلها أمور تتطلب وعي الشعب واستنارته لكشف بطلانها، وصدق عزيمة على النضال لنيل حقوقه.
يقول أفلاطون للناس: "إن معظم الأدواء الاجتماعية والسياسية التي منها تقاسون إنما هي أمور يسهل عليكم التصرف فيها، لو أنكم أوتيتم الإرادة والشجاعة اللازمتين لتغييرها. فأنتم تستطيعون أن تعيشوا بطريقة أخرى أكثر حكمة إن آثرتم أن تقتلوا الأمر تفكيراً وبحثاً، وتكتشفوا بالدراسة كنهه، فأنتم لا تشعرون بما تملكون من قوة".
ألم تر إلى الأمة تكون خاملة بلا ذِكر، والشعب كسول بلا همة، والوهن والهوان يعمان الآفاق، وفجأة يبرز قائد أمين مخلص مقتدر، فيأخذ بيد هذه الأمة، على ما هي عليه من مذلة وضعف، ويرقى بها درجات الرفعة والقوة، مع أن الأمة لم تتغير والناس لم تتبدل. ولكن جاء القائد والزعيم الذي يحشد القوى، ويشحذ الهمم فتنهض به الأمة، وينهض هو بها. وحسبك النظر إلى وقائع التاريخ، أي تاريخ، في أي مكان وزمان، ترى مصداق ذلك من نهضات الأمم أو عثراتها .
واذكر محمد على باشا الذي قاد مصر من ظلام عصور التخلف، وبنى لها قوة عسكرية وعلمية وتعليمية، إذ شرع في تحديث البلاد على هدى تقدُّم الغرب الذي اكتشفه المصريون نتيجة الحملة الفرنسية التي كانت ذات هدف استعماري محض، ولكن كان من نتائجها - غير المقصودة - تنبيه المصريين إلى حضارة الغرب . .
لقد كان الشعب المصري هُوهُو قبل محمد على باشا وبعده، والظروف كانت متماثلة. ولكن الطفرة حدثت إبان حكم محمد على، وانطفأت جذوتها في عهود من حكموا البلاد بعده. فالأمر رهن بالزعيم والقائد، والتاريخ يحدثنا بأن الملوك يحكمون وينهبون، والشعوب تدفع الثمن.
وإذا حقق الملوك بعض إنجازات فالمجد - كل المجد - لهم، فهم الملوك العباقرة المغاوير الملهمون. وإن هُزموا، فالشعب هو الذي تقاعس عن دفع الضرائب لتمويل الحرب، والجنود الجبناء هم الذين فروا من ميدان المعركة.
وكما قال أحد خلفائنا الأمويين للناس زاجراً: أردتمونا كالخلفاء الراشدين ولم تكونوا لنا كالأنصار. فالناس هم الملومون في كل حال وأي ظرف .
وإذا حاقت بهم الهزيمة - أي بالزعماء غير المقتدرين، كان ذلك بسبب الأسلحة الفاسدة، ولم يقل لنا أحد كيف كان فسادها وعلى من تقع مسؤولية ذلك إن كان صحيحاً.
بل لم يكشف لنا أحد في وقتها، وقت حرب فلسطين 48، أن العرب جميعاً مجتمعين حشدوا 10% مما حشده اليهود من جند وعتاد فهزمونا شر هزيمة.
المهم لا تكون الهزيمة الساحقة بسبب قصور الملك أو انشغاله بغير أمور الأمة.
فأما المسؤولية فتقع على الناس، أو الظروف، أو أي عوامل خارجية أخرى ليس للسلطان سلطان عليها، أو أنها في خاتمة المطاف، إذا أعجزه التماس المعاذير، إنه القدر ومن له أن يغير الأقدار! وما ظنكم بالهوان الذي عاناه العرب والمسلمون إبان تاريخهم الطويل، أَلاَ ينهض ذلك دليلا على عدم صلاحية خلفاء وسلاطين المسلمين الذين حكمونا، إذ نقصت صلاحياتهم لممارسة العمل السياسي والقيادي، إذ كان من الممكن - لو كانوا أهلاً للقيادة - أن يتفادوا الكثير مما حاق بنا من هزائم بسبب الضعف الذي أصاب الأمة على أيديهم بسبب توارث المُلك ونبذ الشورى، وتفشى الاستبداد والفساد.
أين الخلل إذن، إنه الخلفاء والسلاطين والمماليك الذين تولوا قيادة الأمة فلم يحسنوا القيادة، وجلسوا على العروش فانصرفوا إلى نهب بيت مال الأمة، وكانوا أعجز من أن ينهضوا بواجبات الحكم، فهم ليسوا أفضل من كان يتعين عليهم الجلوس على العرش .
" إن حكم الطغاة لا يولد إلا في البيئة الفاسدة، ولا يستمر إلا في " المجتمع الجاهل الذي يفقد وعيه وإحساسه بالحرية، وفى غياب الديموقراطية ينمو حكم السادة ليتحكموا في العبيد، ويُستباح كل شئ " .
وإذ لا يتيسر لنا الآن حجة دامغة تمنعنا من الاستيثاق من أن تاريخ الأمم، في المقام الأول، يصنعه الملوك والحكام، فثمة سؤال يصعب التنصل من الإجابة عنه، وهو : أين كان زعماء البلاد الإسلامية عندما زُرعت إسرائيل في قلب العالم الإسلامي واستفحل شأنها، وأين كانوا عندما أنشأت جيشها القوى ومفاعلاتها النووية، أين كانوا من مشكلات وقضايا التنمية
والأمية والفقر والمرض والتعليم والثقافة والتصنيع ... قد يقول قائل: إننا كنا مستعمرين، نعم لكننا تحررنا منذ نصف القرن تقريباً، وهى مدة فاقت بكثير ما لزم محمد على للنهوض بمصر من ظلام التخلف والجهل إلى أن اصبح قوة يخشاها الغرب، وهى مدة أطول بكثير مما احتاجته ألمانيا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى كي تصبح قوة هائلة في الحرب العالمية
الثانية، وهى أطول من المدة التي استغرقها جهود الألمان لبناء ألمانيا بعد خرابها خراباً شاملاً بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية نعم، لابد أن يكون هناك مسؤول عن تردى أحوال المسلمين وضعفهم، نعم تقع المسؤولية على عواتق من حكمونا طوال الأزمنة الماضية ولم يتخذوا التدابير الضرورية لاكتساب وسائل القوة، واصطناع أسباب العزة، أو أنهم - على الأقل - لم يتركوا مناصبهم وعروشهم لمن هم أقدر منهم على فعل ذلك.
أي أنهم لم يَصْلُحوا فلم يُصْلِحوا، ولم يتركوا من يقدر على الإصلاح لتبوأ سدة الحكم. فالصهاينة أنشأوا دولتهم، وفى خمسين سنة
أصبحوا أقوى من كل العرب والمسلمين.
لماذا حدثت هذه المفارقة وكيف؟ بضعة ملايين من اليهود في أقل من خمسين سنة تفوقوا على مليار ونصف المليار من المسلمين. قد يقول قائل إن الصهاينة يعتمدون على أمريكا وقبلها اعتمدوا على إنجلترا، وأن اللوبي الصهيوني من وراء اليهود يعمل في قلب المؤسسات الأمريكية، وذلك في نظري عذر أقبح من ذنب، فذلك ما فعله اليهود، ماذا في المقابل كان يجب علينا أن نفعله، لقد شرعوا في السعي لصنع السلاح النووي في وقت مبكر في الخمسينيات من القرن الفائت، في زمن كنا لا نحسن فيه سوى ترديد الأغاني الحماسية والهتاف ملء الحناجر لحكامنا الذين خدعونا وأوهمونا، أو توهموا أنهم سيلقون إسرائيل، ومن هم وراء إسرائيل في البحر، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
نبيل هلال

2 من فضلك أكتب تعليقك عن المقال
إضغط هتا للعوده للصحه الرئيسيه

2عددالتعليقات =

Anonymous Anonymous said...

الإفتتاحية

الحمد لله الفاشى حمده، والغالب جنده، والمتعالى جده، الذى عظم حلمه فعفا، وعدل فى كل ما قضى.

والصلاة والسلام على النور المشرق على القلوب بحقيقة التوحيد، والسر المباشر للسريرة بكمال اليقين، والروح الممدة لكل العوالم بالحق المبين.. سيدنا ومولانا محمد.

اللهم صل وسلم وبارك عليه وآله صلاة تنور بها قلوبنا باليقين، وسريرتنا بالتمكين، وأرواحنا بالبهجة بالقرب من حضرتك العلية، والرضوان الأكبر منك يا ذا الفضل العظيم عنا، وكمال الرضا منا عن جنابك العلى يا ذا الكرم العميم.. أما بعد:

بعد صدور كتاب (الملحوظات على كتاب كشف الشبهات) جاءت رسائل عديدة تشكر الأسلوب المحايد والعقلانى فى مناقشة فكر محمد بن عبد الوهاب، وطالبت بالمزيد من هذا النهج، فتلبية لرغبات القراء كان هذا الكتاب الذى يدرس التوحيد عند ابن عبد الوهاب.

وبداية نود إلقاء الضوء على شخصية محمد بن عبد الوهاب، فنقول: إن محمد بن عبد الوهاب، رغم ما قيل من الكلام الكثير فيه مدحاً وقدحاً، إلا أنه من الواضح أنه كان مخلصاً لدعوته، شديد العزيمة، ولكنه استخدم السلطة فى خدمة الدعوة، فأثر هذا كثيراً على شخصيته الحدية أيضاً، فأصبح لا يقبل بأنصاف الحلول، ولا بالاعتذارات، فدفعه هذا إلى الاستعجال فى رؤية النتيجة السريعة، فاندفع للدعوة بحماس ومجازفات وإصرار، مع قلة علم وقلة ورع، وإذا اجتمعتا كان لهما الأثر الكبير على تصرفات الشخص، فيزداد حدة وغلوا فيما يطالب به وخاصة إذا توجهت له الأمور.

ومن خلال قراءة فكر ابن عبد الوهاب وجدناه ليس بذاك العالم المحقق المدقق، مع ضعف ظاهر فى الحديث والتاريخ (ومنهما يتشكل الوعى عند العالم المسلم)، وفلذلك أخذ يقمش كل التشددات فى الحكم على الأمور بشرك أو بدعة، فيستشهد بمطلقات النصوص الصحيحة وصريحات النصوص الضعيفة، وأكثر من بناء الأحكام التكفيرية الصريحة على حديث ضعيف أو أثر موضوع أو قياس فاسد مع إبهام نية وقوة عبادة وهمة تدفع الجبال، وكثيراً ما تجد منه مبالغة وتعسفاً فى تحميل الصحيح من النصوص الشرعية ما لم تحتمله من تكفير أو تبديع، وهو يركز على كلمة الشرك أكثر، ولا يراعى ضوابط التكفير، ويستشهد لآرائه بما شذ من الأقوال وعسر من الاستنباط وأفرزته اللحظة، ثم يجمع بينها للعوام التابعين أو العلماء الخاضعين، فيخيل للقارئ البسيط منهم- وهم أغلبية أتباعه- أن هذا علم عظيم، وأن العلماء فى وقتهم خانوا أمانتهم ولم يحذروهم من الشرك، وأن الناس قد عادوا لجاهليتهم الأولى، وأنه لافرق يومئذ بين المصلين الصائمين وبين من يعبد اللات والعزى، فانطلقوا معه لا يلتفتون إلى غيره، لأنه قد حذرهم من العلماء والعوام على حد سواء، فزعم أن العلماء كعلماء بنى إسرائيل (أصبحوا أحباراً ورهباناً اتخذهم الناس أرباباً)، فتبعه البدو وأعملوا سيوفهم فى الدماء مع طمع، وألسنتهم فى التكفير مع لكنة! وساعدتهم الظروف واتجه لهم الزمان، من ضعف الدولة العثمانية وتفرق الأمراء بنجد، واستخفاف المجاور القوى، إذ ظنوهم سحابة صيف تنقشع عن قريب، وثورة أعراب محصورة، فى وسط نجد القاحلة، إلى أن تمكنوا من الاستيلاء على نجد كلها، وصاغوا الناس بعقيدتهم فى كل بلدة تتبعهم، ثم انتشروا يعتدون على بلاد المسلمين حولهم شرقاً وغرباً، وكان من المفترض أنه بعد أن هدأت الأمور وتشكل الكيان السياسى أن تتم مراجعة الماضى والتخلى عن الغلو ونصر الاعتدال، فالهدف قد تحقق والحجة قد بلغت، لكن الغلو استمر، وانصرفت الهمة إلى نشر هذا الفكر والتخندق حوله، ومواصلة ذم ما يخالفه من قراءات واجتهادات، بل تم تدعيم التباهى به والتزهيد فى غيره، وفتح مراكز فى شرق الأرض وغربها، تدندن حول تقسيم المسلمين لمشرك وموحد، إلى أن بدأ الانقسام بين السلطة والدعوة، إذ وجد الوهابية (الأصليون= المطردون مع الثورة والتكفير الوهابى والسلفى) أن ما يكفرون به المسلمين من دقائق الأمور موجود بأضعاف بين أظهرهم، داخل السلطة التى يعتبرونها سلفية، فكفروها، ويظهر لنا أن الدولة السعودية كانت مطمئنة لنظرية سلفية أخرى (وهى الطاعة وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك)! ولم تنتبه الدولة إلى أن السلفية (سلفيات) والوهابية (وهابيات)، والخير كل الخير فى العدل والاعتدال، فلا تحكم فئة على جميع الفئات والمذاهب، كان من المفترض أن يتم الاعتراف بالمذاهب والطوائف والتيارات السلمية، وعدم إرضاء الأقلية على حساب هضم الأغلبية.

إذن فهناك سلفية طاعة ووهابية ثورة، والطاعة تغلب فى السلفية، كما أن الثورة تغلب فى الوهابية، ويلتقيان فى التكفير والإقصاء وعدم الاعتراف بالآخر، ومع الأيام خرج من تحت عباءة الوهابية (الإخوان) أصحاب الدويش، ثم خرج من عباءة السلفية (جماعة جهيمان) ثم خرج من الفئتين (أصحاب العنف والتكفير الحاليين) فظهر للدولة أن الأمور معقدة ومتشابكة وليست كما يشرحه (وهابيو البلاط) من أن الخير كل الخير فى (السلفية والوهابية)، فكان هذا التطمين غير صحيح، لأن من راجع التكفير السلفى وضخامته وتشعبه وتفرعه عرف بيقين أنه متى ما احتاج السلفى للتكفير- فى أى زمان ومكان- كان هذا أسهل عليه من بلع ريقه وأقرب إليه من حبل وريده! والوهابى أبلغ.

وهؤلاء المكفرون رغم خطئهم الفادح لكنهم مطردون مع التكفير السلفى للمسلمين ومع الثورة الوهابية ضد المشركين والكفار فى جزيرة العرب!

لكن رأى بعض الوهابيين- بعلم أو بجهل- أن المصلحة تقتضى التخلى عن أكثر ما قرره ابن عبد الوهاب (من تكفير وثورة) والتمشى مع الشق المسالم للسلطان من النظرية السلفية السلبية التى بدأت من مقولة (نحن مع من غلب)، فاصطدم الشقان (المسالم والتكفيرى) عند أبواب السلطة، هذه تريد الخروج بلا عودة، وهذه تريد الدخول بلا رجعة، هذا (سلفى) يقلد السلفية المدمرة تكفيراً وقتالاً، وهذا (سلفى) اختار سلفية الطاعة العمياء، وكلا المنهجين بين تكفير وسلبية.

نعم للاستقلالية والحرية والصدق فى القول ونصرة المعرفة والعلم وحفظ الحقوق والمطالبة بها، واحترام الإنسان والغوص المعرفى، والتشابك مع العالم فيما يعود بالنفع، والتخلى عن القراءة الساذجة لهذا الدين العظيم.

لكن لا وألف لا، لسفك الدماء والعنف والظلم وضيق الأفق وضياع الحقوق والغلو فى الدين، خاصة وأن الثائر لا يملك مشروعاً سياسياً عادلاً، وإنما اضطهاد مضاعف، وما نموذج (طالبان) منا ببعيد، وفى الحالتين، يظهر أن الدولة السعودية رأت الاستفادة من السلبية السلفية داخلياً إلى سلفية إيجابية خارجياً، فكان هذا صواباً سياسياً على المستوى التكتيكى، وخطأ شرعياً على المستوى الاستراتيجى.

واليوم بعد أن تكشف للدولة ما لم يكن من قبل، فهى مطالبة بالتحديث الثقافى أولاً، فالمعلومة والمعرفة يجب أن تكون هدفا فى حد ذاتها، دون سؤال: ماذا سنستفيد من هذه المعرفة أو هذه المعلومة.

المعرفة لا تخون، وإن أحزنتك ساعة أفرحتك دهراً، وهى أساس التنمية والحضارة، وهو الضمان الاستراتيجى للاستقرار والنمو والتقدم، فللمعرفة سلطة على العقول والقلوب والتصرفات.

والسلفية والوهابية وكل المذهبيات التى لا تقبل الآخر تسهم فى ظلم المعرفة، ومحاربتها، وحرمان الناس منها، ولذلك نجد أن ما يحدث من تعليم فى السعودية يصب كثير منه فى التجهيل للأسف، وكانت آخر نتائجه هو هذا العنف الأعمى، وهذا طبيعى، فلا نطمع من تيارات الغلو أن يعرفوا حقوق غير المسلمين،إذا كانوا يجهلون حقوق المسلمين، لا نطمع معهم فى العدل مع كافر مسالم إذا كان التعليم العام والجامعى والخطب والمواعظ والمؤلفات والفتاوى تدور حول وجوب إهدار حقوق المسلمين، فإذا استمر هذا التجهيل عقوداً فلا نظن أنه سيزول بفتوى نستخرجها من بين كل هذا الركام المتكدس عبر القرون.

مصطلح الوهابية

مع أن كلمة (الوهابية) ليست صفة ذم ولا مدح، فليست ذماً حتى لو اعترفت الوهابية أنها مذهب، فالمذهب الذى يعتمد على أدلة صحيحة لن يضره الاسم الجديد ولا تسمية الناس له، وليس من شرط المذهب أن يكون فى القرون الثلاثة الأولى، كما أن التيار أو المذهب الذى يبنى فكره وعمله على أدلة ضعيفة؛ لن ينفعه التسمى بأحسن الأسماء ولو كان فى القرن الأول، فالعبرة بصحة العلم وصفاء الإيمان وحسن العمل وليس بالتسمي ولا بالتمنى.

ونعجب ممن يكرر من المقلدين بأن لفظة (الوهابية) إنما أطلقها الخصوم، ويدندنون حول اللقب والتسمية مع أن اللفظة أو التسمية خارج النزاع.. هذا أمر.

أما الأمر الثانى: فقد كان علماء الدعوة الوهابية يجيزون استخدام (الوهابية) ويرددونها فى كتبهم دون خوف من اتهام بمذهب، بل ربما ألفوا الكتب والرسائل فى عقائد الوهابية ودعوتهم ولا ضير فى ذلك.

ومن علماء الدعوة الوهابية الذين استخدموا مصطلح (الوهابية) سليمان بن سحمان، وقبله محمد بن عبد اللطيف (الدرر السنية 8/433) وغيرهما، وكذا المدافعون عنها، ومنهم: حامد الفقى مؤسس جماعة أنصار السنة المحمدية بمصر، ومحمد رشيد رضا وعبد الله القصيمى وسليمان الدخيل وأحمد بن حجر أبو طامى ومسعود الندوى وإبراهيم بن عبيد صاحب التذكرة وغيرهم، يستخدمونها، مع أن حامد الفقى قد حاول أن يشكك فى نيات كل من استخدم هذا المصطلح واقترح أن يطلق عليها (الدعوة المحمدية) لأنها تنسب إلى محمد بن عبد الوهاب! وليس إلى والده (عبد الوهاب) وقد قلده من المتأخرين صالح الفوزان فى إنكاره على أبى زهرة وغيره، ومطالبة الفقى والفوزان بأن نطلق على الوهابية (الدعوة المحمدية لا الوهابية) لأن الشيخ اسمه (محمد) هذا اقتراح منهما غريب عجيب، لسبب يسير وهو: أن أغلب المذاهب المشهورة لا تسمى بأسماء أصحابها، وإنما تسمى بأسماء آباء أو أجداد أصحاب المذاهب، فالمذهب الحنبلى مثلاً نسبة لحنبل وحنبل هذا هو جد أحمد بن حنبل (اسمه أحمد بن محمد بن حنبل)، والفوزان أو الفقى ومن تابعهما لا يعترضون على تسمية (الحنابلة) بهذا الاسم، ولا يطلقون على المذهب الحنبلى (المذهب الأحمدى)!، وكذلك المذهب الشافعى نسبة لشافع (وشافع هذا جد الشافعى الرابع فالشافعى اسمه: محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع)، فلماذا لا يطلقون على المذهب الشافعى (المذهب المحمدى)! وكذلك الحنفية نسبة لأبى حنيفة، وحنيفة ليس اسم صاحب المذهب، وإنما اسمه النعمان بن ثابت، وكذلك الأشاعرة المنتسبين لأبى الحسن الأشعرى، فالأشعر جد قديم لقبيلة الأشاعرة كلهم الذين منهم أبو الحسن، فهو: الأشعر بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، فهذا جد قبيلة الأشاعرة، الذى بينه وبين أبى الحسن الأشعرى صاحب المذهب عشرات الآباء.. وكذلك (الإباضية) نسبة لعبد الله بن إباض، ... وهكذا لا تكاد تجد مذهباً يسمى باسم صاحبه إلا فى النادر، كالمالكى نسبة لـ(مالك بن أنس) والزيدية لسيدنا (زيد بن على) والجعفرية لسيدنا (جعفر الصادق)، فالذى يطلق الوهابية على مذهب محمد بن عبد الوهاب ليس أبعد عن الصواب ممن يطلق الحنابلة على أتباع أحمد بن محمد بن حنبل، فضلاً عن غيره.

ثم صالح الفوزان مثلاً يطلق على أتباع محمد بن سرور بن نايف زين العابدين كلمة (السرورية) فلماذا لا يسميها (المحمدية) أيضاً! ونحن نسمع بين أدعياء السلفية اليوم ألقاباً يتنابزون بها كالجاميين والمدخليين والبازيين والألبانيين والقطبيين والبنائيين...إلخ.

من العلماء المعاصرين لمحمد بن عبد الوهاب؟

ومن أشهر معاصريه من العلماء والمصلحين:

1- الحسين بن محمد المغربى الصنعانى (1119هـ)، صاحب (بدر التمام) وعليه اعتمد ابن الأمير فى كتابه المشهور سبل السلام.

2- والحسينى الدمشقى (1120هـ) صاحب كتاب أسباب ورود الحديث.

3- وأبو المواهب الدمشقى مفتى الحنابلة (1126هـ).

4- والشيخ تقى الدين الحصنى الدمشقى الشافعى (1128هـ).

5- والشيخ عبد الله سالم البصرى ثم المكى (1134هـ).

6- وشيخ الجامع الأزهر إبراهيم الفيومى (1137هـ).

7- والمحدث أحمد بن القاسم البونى التميمى (1139هـ).

8- وعلى بن مراد العمرى مفتى الموصل (1147هـ).

9- ويهيى بن عمر الأهدل الزبيدى (1147هـ).

10- والعجلونى الكبير من فقهاء المحدثين بدمشق (1148هـ).

11- والشيخ عبد الغنى البرهانى شارح البيقونية (1151هـ).

12- والشيخ أحمد السملالى المغربى (1152هـ).

13- ويوسف الحسينى مفتى الحنفية بحلب (1153هـ).

14- والشيخ عبد المعطى الخليلى مفتى الشافعية بالقدس (1154هـ).

15- والشيخ المجتهد أحمد اللمطى (1157هـ).

16- والتهانوى الهندى صاحب اصطلاحات الفنون (1158هـ).

17- والمنصور الحسين بن القاسم اليمانى (1161هـ).

18- والعجلونى من أهل الحديث، صاحب كشف الغطا (1162هـ).

19- والشيخ محمد حياة السندى من علماء المدينة (1163هـ).

20- ومحمد بن عبد الرحمن الغزى مفتى الشافعية بدمشق (1167هـ).

21- وسالم النفراوى (1168هـ).

22- وإبراهيم الويدانى مفتى النوازل (1168هـ).

23- وسليمان المنصورى الحنفى (1169هـ).

24- وحامد العمادى مفتى دمشق وابن مفتيها (1171هـ).

25- وعبد الله الشبراوى شيخ الأزهر (1171هـ).

26- وإسحاق المتوكل اليمانى (1173هـ).

27- وعبد المنعم القلعى مفتى مكة (1174هـ).

28- ومحمد سعيد سنبل الشافعى المكى (1175هـ).

29- وأحمد بن عبد العزيز الهلالى (1175هـ).

30- وشاه ولى الله الدهلوى من أكبر المجددين فى الهند (1176هـ).

31- والبرزنجى مفتى الشافعية بالمدينة (1177هـ).

32- وعبد الكريم الشراباتى محدث حلب (1178هـ).

33- وأحمد بن محمد الورزازى حبر تطوان (1179هـ).

34- وعبد الرحمن بن إدريس الحسنى شيخ المغرب (1179هـ).

35- وعبد المحسن بن أسعد الأسعد مفتى المدينة (1183هـ).

36- وعلى بن محمد المرادى أحد علماء عصره بدمشق (1183هـ).

37- وعبد المحسن بن على الأشيقرى تولى الإفتاء فى الزبير (1187هـ).

38- وحمد بن أحمد السفارينى صاحب المنظومة فى العقيدة (1188هـ).

39- وأحمد بن يوسف الحديث اليمانى (1191هـ).

40- ومحمد التافلاتى مفتى الحنفية بالقدس (1191هـ).

41- ومحمد بن سليمان الكردى مفتى الشافعية بالحجاز (1194هـ).

42- وسليمان الأهدل محدث اليمن (1197هـ).

43- وعلى بن محمد الشروانى رئيس علماء الحنفية بالمدينة (1200هـ).

44- وعبد السلام الداغستانى (1201هـ).

45- وعبد الوهاب الأحسائى الحنبلى (1205هـ).

46- والزبيدى صاحب تاج العروس (1205هـ).

47- والمرادى مفتى الشام صاحب سلك الدرر (1206هـ).

48- وعبد القادر الكوكبانى الزيدى المحدث شيخ الشوكانى (1207هـ).

49- وسليمان بن عبد الوهاب أخو محمد بن عبد الوهاب فى حريملاء.

50- وعبد الله بن سحيم فى الرياض.

51- وأخوه سليمان بن سحيم.

وغيرهم كثيراً جداً- وقد سبق بعض العلماء من معارضى ابن عبد الوهاب لم نذكرهم هنا- وقد تركنا العشرات من العلماء المعاصرين له، بل هناك كتب مؤلفة فى تراجم علماء القرن الثانى عشر أشهرها (سلك الدرر فى تراجم علماء القرن الثانى عشر)، وهذا دليل على أن الوضع فى العالم الإسلامى ليس ممعناً فى الجهل فضلاً عن الشرك الأكبر! كما يتصوره البعض بناء على ما كتبه بعض علماء الدعوة الوهابية ومؤرخيها، كما أنه ليس من العدل أن نهمل كل جهود هؤلاء أو نزدريهم، وللأسف أن هؤلاء على مقتضى كلام غلاة الوهابية مشركون شركاً أكبر! وكأن الإسلام كان قد انطفأ حتى بعثة ابن عبد الوهاب مجدداً، وهذا خلاف الواقع، لكنه ظن كثير من أتباع ابن عبد الوهاب للأسف.

وهذا السلوك من المتعصبين والمغالين هو السبب فيما وصلت إليه الأمة من هوان، فنسأل الله أن يجمع أمرنا، ويهدى ضالنا، ويوفقنا لما يحب ويرضى.



لجنة البحوث والدراسات

بالطريقة العزمية

8:43 PM  
Anonymous قلم جاف said...

قلت يا أستاذ نبيل ما يجول بخاطري .. أحييك على شجاعتك في وقت تحالف فيه التصوف مع البيروقراطية السياسية ليقدموا خليطاً يصعب على أي شعب في العالم التعايش معه .. إلا الشعب المصري الطيب الودود المهاود شيال الحمول من أيام مينا إلى عصر دولة البيروقراط!

5:17 AM  

Post a Comment

إضغط هتا للعوده للصفحه الرئيسيه