الحاكم من المنظور الإسلامي
لا يجوز الخلط بين مقام الخليفة ومقام النبي صلي الله عليه وسلم, ولا ينبغي إضفاء أي قدسية على الخليفة توهما أنه يقوم مقام النبي في الأمة الإسلامية, "وقياس منصب الخلافة على منصب رسول الله صلي الله عليه وسلم وإعطاء الخليفة كل السلطات التي زاولها الرسول أدى إلى استبداد معظم الحكام المسلمين, وبالتالي فسدت أمور الدنيا والدين"(15). وسلطات الخليفة مستمدة من الأمة المقتضي البيعة, وهذه السلطة ليست مفوضة له من الله أو من قيامه مقام الرسول صلي الله عليه وسلم. لذا نختلف في الرأي مع من يقول: "إن منزلة الخليفة من الأمة منزلة رسول الله من المؤمنين, له عليهم الولاية العامة والطاعة التامة"(16). فطاعة الأمة للحاكم رهينة باضطلاعه بالمهام الموكولة إليه ووفائه بالشروط والعهود التي قطعها على نفسه للقيام على مصالح الأمة, ولا يقع ضمن اختصاصات الخليفة أي مهام تشريعية أو حتي تفسير آية من الآيات أو الأحاديث النبوية, فمهمته هي تنفيذ الدستور الإسلامي. أما سلطتا التشريع والقضاء فمستقلتان وليستا ضمن اختصاصه.وفي ضوء ما سبق, لنا أن نختلف تماما مع من يقول: "فالحاكم الإسلامي له أن يؤول القرآن, ويفسر الحديث, ويبسط الأحكام, ويقيس الأمور بأشباهها حتي يساير المصلحة العامة أو حتي يساير المنقول المعقول, وإذا كان في الأمر جديد فعليه أن يستبد برأيه "(17) يقول توماس أرنولد: "الخليفة حاكم سياسي وديني, ولكن وظيفته الدينية لا تتعدي المحافظة على الشؤون الدينية المقررة في الإسلام, وليس له وظائف دينية كهذه التي ينعم بها البابا, من عصمة وغفران للخطايا, فإن مثل هذه الأمور ليست من شأن الخليفة في كثير ولا قليل, وإنما هي شئ بين المرء وربه. والله وحده عند المسلمين يغفر ويصفح ويمحق الذنوب".(18) إن الكثيرين يعتقدون أن هناك صورة واحدة للنظام السياسي الذي يعتبرونه "إسلاميا", تلك "هي صورة الخلافة التي عرفتها الدولة الإسلامية منذ وفاة الرسول. والواقع أن لفظ الخلافة أو أو الإمارة الذي أصبح منذ بدء تدوين العلوم, وأصبح للبحوث الإسلامية نصيب منه" علما على نظام الحكم في الدولة الإسلامية لا يعني في مدلوله السياسي أو الدستوري أكثر من تنظيم رئاسة الدولة تنظيما يشمل اختيار الرئيس وتقرير حقوقه وواجباته, على نحو يشير إلى محاولة اتباع المثل الأعلى الذي كان قائما في بداية نشوء الدولة الإسلامية, حين تولى الرسول صلي الله عليه وسلم رئاستها. لكن هذا اللفظ "الخلافة" لا يدل على نظام حكم معين محدد التفاصيل. بل لأنه ليس في الشريعة الإسلامية نظام حكم معين محدد التفاصيل. وإنما جاءت الشريعة الإسلامية في هذا المجال بالقواعد العامة فحسب(19). ولم يرد في القرآن الكريم أو في السنة النبوية شكل ثابت للحكم حتي لا تصبح نظرية الحكم قالبا جامدا يتناقله المسلمون على مر الأجيال ظنا منهم أن هذا الشكل الثابت أو القالب الجامد موصى به من الدين بصرف النظر عن ضرورات العصر ومتغيراته التي تتطلب مواءمة وتعديل أنظمة الحكم ومؤسساته وفقا لحاجات الأجيال. واكتفى الدستور الإسلامي (القرآن والسنة) بإيراد الأسس العامة لنظام الحكم من منظور الإسلام. ويبين الحدود التي لا يجوز الخروج عنها أو تجاوزها: كالشورى والعدل والمساواة وسيادة القانون. كما أكدت السنة النبوية على هذه المبادئ. ولم يشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوصي بشكل محدد للخلافة ونظام الحكم حتى لا يعتبره الناس جزءا من السنة والدين فلا يحيدون عن هذا الشكل ويغفلون عن مواءمته إن دعت الظروف لذلك, فيصيبهم البوار. وهذا الإغضاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تحديد شكل للخلافة ونظام الحكم يتفق مع العمومية التي تناول القرآن بها هذه المسألة. ولو كان الله يعلم الخير في غير ذلك النعميم وطرح الأسس دون التفصيلات وإرساء المبادئ دون الأشكال, لنص على نظام بعينه يأخذ به المسلمون حتى قيام الساعة. وقد قال الله تعالى : "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا" , ومقتضيات هذا التمام تعني بالضرورة عدم إغفال أي أمر يكون فيه صلاح الناس في دنياهم وأخراهم, فضلا عن أن يكون ذلك الأمر متعلقا بالنظرية السياسية ونظام الحكم. كذلك فإن عدم خوض رسول الله صلي الله عليه وسلم في تفصيلات محددة للنظام السياسي لا يعد سهوا منه – حاشا لله – يستوجب وقوع المسلمين في حيرة. لذا ننكر قول من يقول: "لو كان الإسلام دينا ودولة لجاء القرآن بتفصيل محكم لنظام الدولة وسياستها, ولوضع النبي صلي الله عليه وسلم نظاما مفصلا للحكومة الإسلامية, ولكنه انتقل إلى الرفيق الأعلى ولم يستخلف أحدا على المسلمين, وترك المسلمين في حيرة(!!!) من هذا الأمر ومن النظام الذي يتبع.(20) ومن ينعم النظر في تاريخ الأمم والبلدان يتبين له أن نظم الحكم والنظريات السياسية تتبدل وتتباين بمرور الوقت منذ فجر التاريخ, فلم تجر على وتيرة واحدة أو شكل محدد أو قالب محدد. وخاضت الأمم تجارب مختلفة فجربت النظم الشمولية والديكتاتورية, والملكية, والاستبدادية, وغير ذلك. وانتهت بها تجاربها إلى التوصل إلى النظام الديموقراطي المطبق في الغرب حاليا, وهو أقرب النظم للتصور الإسلامي للحكم. ويجدر بنا في هذا المقام, وكل مقام, أن نربأ بتصوراتنا الإسلامية عن تشبيهها بأى نصورات أخرى متوهمين جواز إثبات صحة ديننا وكماله بأدلة مستمدة من تجارب الآخرين. فالنظام الديموقراطي يتفق مع التصور الإسلامي في أن الاختيار للأمة جميعها. غير أن السيادة في النظام الديموقراطي للشعب, ولكنها في النظام الإسلامي لله, ولله وحده. فقد نجمع الأمة في النظام الديموقراطي على ما يخالف الحق (كإباحة الشذوذ الجنسي, وتقنين زواج الرجل بالرجل مثلا). ولكن في ظل النظام الإسلامي لا قيمة لإجماع الأمة إن كان على باطل يخالف الدستور الإسلامي (القرآن والسنة). ويقول ليوبولد فايس: "إننا إذا فحصنا الأحكام الخاصة بالشؤون السياسية في القرآن والسنة فلن نجد من بينها ما ينص على (شكل معين) للدولة, وبمعني آخر أن الشريعة لا تضع لنا نموذجا محددا يجب على الدولة الإسلامية أن تتشكل على مثاله, ولا هي تضع لنا خطة مفصلة لنظرية دسنورية. هذا على الرغم من أن النظام السياسي الذي ينبثق عن القرآن والسنة ليس وهما أو خيالا. بل إنه راسخ الدعائم واضح المعالم, وهو يرسم لنا حدودا جلية لمنهاج سياسي صالح للنفاذ والتطبيق في كل الأزمنة وبالنسبة لكل ظروف الحياة البشرية. ولما كانت غاية هذا المنهاج السياسي أن يكون صالحا للتطبيق في كل الأزمنة وبالنسبة لكل الظروف, فقد جاءت الأحكام المتعلقة به في هيئة مبادئ عامة فقط ولم تتعرض للفروع. أما عن بحث الفقهاء "ضرورة نصب الخليفة" فنعجب لها أشد العجب, إذ يرون "بالإجماع"!!! وجوب نصب الخليفة وأن الأمة تأثم إذا تركت ذلك. ونعجب لبحث فكرة ضرورة تنصيب الخليفة وكأن من الممكن للأمة أن يستقيم أمرها بلا حاكم يسوس أمرها, وبحث البديهيات يعد ضربا من إضاعة الوقت والجهد, وما أشبهه بحرث الماء. لذا نختلف مع من يقول: "ولكن الشئ الواقع هو أن أحدا من العلماء لا يستطيع أن يقيم الدليل القاطع على وجوب ذلك -أي الإمامة- بآية من القرآن الكريم, ونريد طبعا آية صريحة لا سبيل إلى الشك في مدلولها ومعناها(21). وكما كانت السنة مصدرا من مصادر التشريع, وكثيرا ما فصلت ما أجملته النصوص القرآنية. لذا نجيب عن الاستفسار السابق بحديث رسول الله صلي الله عليه وسلم إذ يقول: "إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا عليهم أحدهم"(22). وإذا كان الأمر هنا هو إمارة واحد على اثنين أثناء السفر, فما بال الإمارة على أمة.
هذا المقال من كتاب "الاستبداد ودوره في انحطاط المسلمين _نبيل هلال
هذا المقال من كتاب "الاستبداد ودوره في انحطاط المسلمين _نبيل هلال
