الحاكم من المنظور الإسلامي
هذا المقال من كتاب "الاستبداد ودوره في انحطاط المسلمين _نبيل هلال
نعم النيات يعلمها الله تعالى. ولكن لا يمكن تجاهل أن اقتراف الذنب يدين مرتكبه، وأن المذنب يستحق الإدانة مهما قيل إن النيات هى المحك.
أىُّ نيات تلك وقد سبق من المذنب الفعل والإثم ؟ ولا يمكن إغفال أن الصوفي مزيف الدين مذنب يلعنه الله ويتوعده بالعذاب مهما قيل إن الأمر ليس لك فنية الصوفي لا يعلمها الا الله، هذا سخف.
صحيح أن النيات هى المحك إن لم يكن هنالك فعل وسلوك يدل ويشهد، فإن أاقترف المرء ما يؤاخذ عليه، وجبت إدانته ولا يصح القول بغير ذلك إذ إن النية والسريرة لا يعلمهما سوى الله .والإيمان صنو العمل، فالعمل – أى السلوك – هو الذى يكشف درجة ما عليه المرء من الإيمان، وذكر فى القرآن الكريم الإيمان مقترناً بالعمل في 62 موضعاً.
لذا لا يصح على أى نحو من الأنحاء أن نفصم بين سلوك الإنسان وإيمانه فالعلاقة بينهما عضوية .
أى لا يجوز أن نصف بالإسلام المتصوفة الذين لا يصلون ولا يصومون وانفلتوا من تكاليف الدين بدعوى أنهم متصلون بالله والسماء، أو أنهم اتحدوا فى الذات الإلهية، فهذا فحش عقلى ومحض هراء وكفر، فتلك التكاليف لم تُرفع عن النبى الكريم ذاته . تقول فرقة التاركية، من فرق المرجئة، (ليس لله عز وجل على خلقه فريضة سوى الإيمان به، فمن آمن به وعرفه، فليفعل ما شاء، وتقول فرقة الراجية، وهى أيضاً من فرق المرجئة: (لا نسمى الطائع طائعاًُ ولا العاصى عاصياً لأنا لا ندرى ماله عند الله" .
يقول جولد تسيهر: "والأذكار الصوفية لاتزال حتى اليوم هى الهيكل الأساسي فى بناء الصوفية، ويرفعون من شأنها إلى أن تصل إلي مرتبة الفرائض الحتمية التى قد تتضاءل دونها الفرائض.
وتصبح الفرائض بالنسبة لها واجباً ثانوياً سيان أداؤه أوإغفاله" .
ولدينا نحن المصريين فائض كبير ومخزون رائع من القداسات ومشاعر التقديس حتى أننا نضفيها على أى شئ وكل شئ، وإن كانت الحيوانات التى قدسها أجدادنا فى مصر الفرعونية، فقد قدسوا البقر والقطط والكلاب بل حتى الخنافس، وذلك انطلاقاً من تقديس وتأليه الفرعون نفسه.
وتعدى ذلك فى زماننا إلى تقديس الهُبَّل والمجاذيب ظناً أنهم من أولياء الله ومستجابو الدعوة. ويبدو أن سرعة وسهولة المبادرة بإضفاء القدسية على الآخر، إنما هى آلية من آليات مدافعة سوء ظن الآخر بنا، واتقاء شره، وإبداء المسالمة. تلك النفسية التى اعتادت المهادنة من "أول نظرة "والاعتراف من أول صفعة "، وذلك من باب الدفاع عن النفس العاجزة عن المواجهة، أو الدخول فى صراع من أجل انتزاع الحقوق المسلوبة، كما أنها آلية لإثبات الدونية وقبول المذلة من باب اتقاء المزيد من القهر.
وتتفاوت درجة القداسة المضفاة على الآخر الذى قد يكون شريراً قوياً ناهباً، فهى في أوضح صورها عبادة الفرعون، ثم تتدرج مع كُهانه وجباة الضرائب، وتصبح في العصور المملوكية هى الخوف من المماليك الذين كانوا فى نفس الوقت جباة الضرائب وفارضيها، وكذلك البدو أصحاب الخيل والسيف ممن شاركوا أيضاً فى نهب الفلاحين وسرقتهم. اسمع إلى تراثنا الشعبى إذ تقول أمثاله: (اللى اتلسع من الشوربة، ينفخ فى الزبادى)، فهي دعوة إلى توخى اتقاء الشر مما لا يجب أن يُتَّقى منه الشر، وإنما من باب الحيطة على ضوء تجارب سابقة ثبت منها انعدام القدرة على المواجهة.
لذا لم يكن غريباً أن يتقبل المسلم تقديس أجناس وأعراق وسلالات وجماعات أخرى كالأشراف، والبكرية، والأولياء، ومشايخ الطرق الصوفية، وموتى الأضرحة الذين يلتمس منهم المغفلون الرحمة والشفاء والتوسعة فى الرزق .(ويرى "ميكل ونتر" أن الدولة العثمانية حاولت تشجيع تركيبات أو تكوينات أو عناصر محلية غير مملوكية لإحداث نوع من التوازن الداخلي مع المماليك.
لهذا فهو يرى أن نقابة الأشراف صناعة عثمانية، رغم وجود الفكرة على نحو ما منذ العصر العباسى) .
والناس مولعون بإضفاء القداسات على أنفسهم وأشيائهم، فمنهم من يزعم انتسابه إلى النبى صلى الله عليه وسلم، ويَّدعون أنهم من الأشراف ويلبسون العمائم الخضر تمييزاً لهم عن الآخرين.
ومن فاتهم الزعم بالانتساب إلى النبى صلى الله عليه وسلم، قالوا بانتسابهم إلى سيدنا أبى بكر الصديق رضى الله عنه، وسموا أنفسهم البكرية، وكان نقيبهم يُسمَّى شيخ السجادة.
وانظر ما هى شواغل هؤلاء البكرية، هل هى شواغل تتعلق بالجهاد في سبيل الله والدين ؟ كلا ، بل هى (إدارة شؤون الأوقاف والإشراف على بعض المزارات المقدسة والأضرحة، والحصول على المنح الحكومية ومعاشات التقاعد والرواتب" ، أى أنها مسألة منفعة وارتزاق باسم الدين.
وحسبك أن تفتش عن الدينار حتى تنكشف لك بواعث الغايات. ومسألة زعم الانتساب إلى أصول شريفة مسألة تثير الدهشة، كيف يمكن تحرى وتتبع الأنساب من القرن الحادى والعشرين إلى السادس الميلادى، حتى يمكن الجزم والاستيثاق بأن هذا "بكرى" أو هذا من سلالة النبى صلى الله عليه وسلم، في أوقات لم يكن من الميسور، بل من المستحيل، إثبات تواصل سلسلة الأنساب إلى الأصول.
فمن منا يمكنه الآن استخراج شهادة ميلاد جده أو جد جده ممن لا يبعد أكثر من أربعة أو خمسة أجيال؟.
"وكان اصطلاح شيخ السجادة ينطبق على قادة العنانية والخضرية والوفائية الذين يرجعون أنفسهم إلى عمر بن الخطاب والزبير بن العوام وعلى بن أبى طالب على التوالى – رضى الله عنهم أجمعين. وهذه المجموعات من الأشراف – شأنهم شأن المنحدرين من سلالة أبى بكر رضى الله عنه، قد حولوا أنفسهم من جماعات أسرية عائلية إلى جمعيات صوفية" .
واشترك شيوخ "السجاجيد" فى تأسيس الطرق الصوفية والحصول سنوياً على جزء من إيرادات الأضرحة والمخصصات التى تدفعها الحكومة لها. وانظر إلى اللائحة الداخلية للطرق الصوفية إذ تقول : ( يقوم شيخ الخدمة بجمع النذور مع إبلاغ الموظفين الذين لهم الحق فى الحصول على نصيب من النذور ومنح كل ذى حق حقه فى نهاية كل شهر) .
من كتاب "اعتقال العقل المسلم ودوره في انحطاط المسلمين" بقلم نبيل هلال
إضغط هتا للعوده للصحه الرئيسيه
إضغط هنا للأتصال بنا